فإذا فرغ من الذبح، فالسنة عند الشافعية: أن يحلق رأسه كلَّه، أو يقصِّر من شعر رأسه، ويستقبل القبلة، ويبتدىء بمقدَّم رأسه، فيحلق الشق الأيمن إلى العظمين المشرفين على القفا، ثم يحلق الباقي، وبه قال الشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: يعتبر البداءة بيمين الحالق لا المحلوق، ويبدأ بشق المحلوق الأيسر، والحديث يرد عليهم، والأصلع يُستحب له إمرارُ الموسى على رأسه، والحديث يدل على أن الحلق أفضل من التقصير؛ لتكريره - ﷺ - الدعاء للمحلقين، وترك الدعاء للمقصرين في المرة الأولى والثانية مع سؤالهم ذلك، وظاهر صيغة المحلقين: أنه يُشرع حلقُ جميع الرأس؛ إذ لا يقال لمن حلق بعض رأسه: إنه حلقه إلا مجازًا، وقد قال بوجوب حلق الجميع: أحمد، ومالك، واستحسنه الكوفيون، والشافعية، ويجزىء البعض عندهم، واختلفوا في مقداره، فعن الحنفية: الربع، إلا أن أبا يوسف قال: النصف، وعن الشافعي: أقلُّ ما يجب حلق ثلاث شعرات، وهكذا الخلاف في التقصير.
قلت: وعندي: هذا التفصيل فضول، والسنَّة أحقُّ بالاتباع. والمرأة لا تحلق باتفاق الأربعة، ويجب على المرأة التقصير من جميع شعر رأسها. ويدخل وقتُ الحلق عند الشافعية بانتصاف ليلة النحر، وأفضلُ أوقاته عندهم ضحوة النهار، ولا يفوت وقته ما دام حيًا، ولا يلزم بتأخيره شيء، ولا يختص بمكان، وعند أبي حنيفة: يختص بزمان، وهو أيام النحر، وبمكان، وهو الحرم، فلو خالف، لزمه دم.
والصحيح عند الحنابلة: أنه لا يلزم بتأخيره شيء، وعند المالكية: أنه إذا
[ ١١٤ ]
أخره حتى بلغ ثلثه، حلق وأهدى، وعنه - ﷺ - أنه قال لمن حلق رأسه: "لكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة". واختلفوا في الحلق، هل هو نسك، أو تحليل محظور؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني عطاء، وأبو يوسف، وفي رواية عن أحمد، وبعض المالكية، والشافعي في رواية عنه ضعيفة. قال مالك: التفث في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]: الحِلاق، ولبس الثياب، وما يتبع ذلك، وقال: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن أحدًا لا يحلق رأسه، ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هديًا إن كان معه، ولا يحل من شيء حرم عليه حتى يحل بمنى يوم النحر، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وعليه أهل العلم، ومهما حلق بعد رمي الجمرة، فقد حصل له التحلل الأول باتفاق المسلمين، فيلبس الثياب، ويقلم الأظفار، ويتطيب، ويتزوج، ويصطاد، ولا يبقى عليه من المحظورات إلا النساء حتى يدخل مكة.
قال رسول الله - ﷺ -: "إذا رميتم الجمرة، فقد حلَّ لكم كل شيء إلا النساء" رواه أحمد عن ابن عباس، وألحق مالك بالنساء: الطيب، والرفث، والصيد، والحديث يردُّ عليهما، واستدلوا عليه بآثار بعض الصحابة، ولا يخفى أن الآثار لا تصلح لمعارضة الحديث الثابت.