قال أهل العلم: ترتيب أعمال يوم النحر سنة، فلو قدم منها نسكًا على نسك، لا شيء عليه عند أكثر أهل العلم، وعليه الشافعي، وقال بعضهم: عليه دم، وتأولوا قوله - ﷺ -: "لا حرج" على رفع الإثم دون الفدية، وعليه أبو حنيفة، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، والنخعي، وتعقب ذلك الحافظ في "الفتح"، وقال: إنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع، انتهى.
والأحاديث تدل على جواز تقديم بعض الأمور على بعض، وهي: الرمي، والحلق، والتقصير، والنحر، وطواف الإفاضة، وهو إجماع كما قال ابن قدامة، وفي حديث: "لا حرج" قدم السؤال عن الحلق قبل الرمي، وفي رواية: عن
[ ١١٥ ]
الحلق قبل النحر، وفي رواية: الإفاضة قبل الحلق، وفي رواية: قدم الذبح قبل الرمي، وفي رواية: قدم الحلق قبل الذبح، وفي رواية: قدم الزيارة قبل الرمي.
وذهب جمهور العلماء من الفقهاء وأصحاب الحديث: إلى الجواز، وعدم وجوب الدم، قالوا: لأن قوله - ﷺ -: "ولا حرج" يقتضي رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن المراد بنفي الحرج نفيُ الضيق، وإيجابُ أحدِهما فيه ضيق، وأيضًا لو كان الدم واجبًا، لبينه - ﷺ -؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وبهذا يندفع ما قال الطحاوي من أن الرخصة مختصة بمن كان جاهلًا أو ناسيًا، لا مَنْ كان عامدًا فعليه الفدية.
قال الطبري: لم يُسقط النبي - ﷺ - الحرج إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزىء، لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان غير إثم الحكم الذي يلزمه في الحج؛ كما لو ترك الرمي ونحوه؛ فإنه لا يأثم بتركه ناسيًا أو جاهلًا لكن تجب عليه الإعادة.
قال: والعجب ممن يحمل قوله - ﷺ -: "ولا حرج" على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا يجب بتركه دم، فليكن في الجميع، وإلا فما وجه تخصيص بعض، دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج؟ وأطال الشوكاني في ذلك، ورجحه في "نيل الأوطار".