قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، قال: من السنة ألا يُحرم بالحج إلا في أشهر الحج، أخرجه البخاري. وعن ابن عمر، قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة. وللدارقطني مثله عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وقد استدل بذلك على كراهة الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وقد روي مثل ذلك عن عثمان، وقال ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وغيرهم من الصحابة والتابعين: إنه لا يصح الإحرام بالحج إلا فيها، وهو قول الشافعي.
وقد تقرر في الأصول أن قول الصحابي لا حجة فيه، وليس في الباب إلا أقوال الصحابة، إلا أن يصح ما ذكر عن ابن عباس من قوله: من السنة؛ فإن هذه الصيغة لها حكمُ الرفع، وقد ورد ما يدل على استحباب الإحرام من دُوَيرة أهله، وظاهره: عدم الفرق بين من يفارقها قبل دخول أشهر الحج، أو بعد دخولها، إلا أنه يتقوى المنع من الإحرام قبل أشهر الحج بأن الله سبحانه ضرب لأعمال الحج أشهرًا معلومة، والإحرام عمل من أعمال الحج، فمن ادعى أنه يصح قبلها، فعليه الدليل.
وقد أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة: أولها شوال، لكن اختلفوا هل هي بكمالها، أو شهران وبعض الثالث؟ فذهب إلى الأول مالك، وهو قول للشافعي، وذهب غيرهما من العلماء إلى الثاني، ثم اختلفوا، فقال ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وآخرون: عشر ليال من ذي الحجة، وهل يدخل يوم النحر أو لا؟ فقال أحمد، وأبو حنيفة: نعم، وقال الشافعي -في المشهور الصحيح عنه-: لا، وقال بعض أتباعه: تسع من ذي الحجة، ولا يصح
[ ٥٤ ]
في يوم النحر، ولا في ليلته، وهو شاذ، ويرد على من أخرج يوم النحر من أشهر الحج قوله - ﷺ - في يوم النحر: "هذا يوم الحج الأكبر" كما في حديث ابن عمر عند البخاري، وأبي داود، وابن ماجه.
وبالجملة: فالإحرام بالحج قبل أشهر الحج ليس بمسنون، بل مكروه، وإذا فعله، فهل يصير محرمًا بعمرة أو حج؟ فيه نزاع، قال الشافعي: إن أحرم قبلها، لا ينعقد حجًا، ويكون عمرة، وقال أبو حنيفة: ينعقد إحرامه بالحج، وإذا عمل شيئًا من أعمال الحج؛ من طواف وسعي قبل أشهر الحج، لا يجوز باتفاق أهل العلم.