وهو المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ويقال له: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، فإذا فرغ من الحلق أو التقصير، فالسنة: أن يفيض من منى إلى مكة، ويطوف بالبيت سبعًا ينوي به طواف الإفاضة، ثم يصلي الركعتين على الصفة التي ذكرناها في طواف القدوم، لكن من سعى للحج عقب طواف القدوم من مفرِد أو قارِن، لم يحتج إلى سعي الحج بعد طواف الإفاضة، باتفاق الأربعة.
وقال مالك، والشافعي، وإسحاق، وداود، وهو محكي عن ابن عمر،
[ ١١٦ ]
وجابر، وعائشة، كذا قال النووي: إنه يكفي القارن لحجه وعمرته طوافٌ واحد، وسعي واحد، وقال زيد بن علي، وأبو حنفية وأصحابه، وهو محكي عن علي، وابن مسعود، والشعبي، والنخعي: إنه يلزم القارن طوافان وسعيان.
وأجابوا عن أحاديث الباب بأجوبة متعسفة، ذكرها الشوكاني في "نيل الأوطار"، وقال: قد احتج أبو ثور على الاكتفاء بطواف واحد للقارن بحجة نظرية، فقال: قد أجزنا جميعًا للحج والعمرة سفرًا واحدًا، وإحرامًا واحدًا، وتلبية واحدة، فكذلك يجزي عنها طواف واحد، وسعي واحد، حكى هذا عنه أَبو المنذر، ومن جملة ما يحتج به على أنه يكفي لهما طواف واحد: حديث: "دخلت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة"، وهو صحيح، وذلك لأنها بعد دخولها فيه لا يحتاج إلى عمل آخر غير عمله، والسنة الصحيحة الصريحة أحقُّ بالاتباع، فلا يلتفت إلى ما خالفها، انتهى.
وأجمع العلماء على أن هذا الطواف ركنٌ من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به، وحُكي الإجماع على فرضيته، ولا يضطبع، ولا يرمُل في هذا الطواف عند الأربعة، سواء كان رمَلَ في طواف القدوم، أم لم يكن رمل، وإن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، رمل في هذا الطواف عند غير الحنابلة، واضطبع عند الشافعية؛ خلافًا للثلاثة، وسعى بعده بالاتفاق، ومن أحرم بالحج من مكة، يرمُل في طواف الإفاضة عند غير الحنابلة، ويضطبع عند الشافعية؛ خلافًا للثلاثة، ويسعى بعده بالاتفاق، ويدخل وقته بانتصاف ليلة النحر عند الشافعية والحنابلة، وبطلوع الفجر يوم النحر عند الحنفية والمالكية.
والحائض لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وهي ممنوعة من ذلك بالاتفاق، فلو خالفت وطافت وهي حائض، لم يصح طوافها، ولم تجبر بدم عند غير الحنفية، وعندهم: يصح طوافها، ويلزمها دم، وهو بدنة، ولا يصح سعيها بعده، لكنه يجبر بدم، ولو أخرته عن أيام النحر بعذر الحيض أو النفاس، فلا شيء عليها بسبب التأخير، واتفقوا على أنه يستحب فعل هذا الطواف يوم النحر إن أمكن، وإلا فعله بعد ذلك في أيام التشريق، وهو يجزي، ولا دم عليه بالإجماع، فإن
[ ١١٧ ]
أخره إلى بعد أيام التشريق، وأتى به بعدها، ففيه نزاع، ولا شيء عليه عند الجمهور، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا تطاول، لزم معه دم؛ انتهى.
وإذا فرغ الحاج من هذا الطواف، فقد حل له جميع ما كان حرامًا عليه بالاتفاق، ولم يبق إلا رميُ أيام التشريق، والمبيتُ بمنى، وهي واجبات بعد زوالى الإحرام على سبيل الإتباع للحج، وإذا فرغ من طواف الإفاضة، فينبغي له أن يشرب من سقاية العباس؛ لما صح: أن النبي - ﷺ - جاء بعد الإفاضة وهم يسقون، فناولوه دلوًا، فشرب منه قائمًا، وقال: "لولا أن يغلبكم الناسُ، لنزلتُ فسقيتُ معكم"، فقيل إنه نسخ للنهي عن الشرب قائمًا، وقيل: إنه بيان أن النهي للكراهة، وقيل: بل فعل ذلك للحاجة. ويروى أن الدعاء يستجاب عند زمزم، واستحب الشافعية: أن يعود بعد طواف الإفاضة إلى منى قبل صلاة الظهر، وهو قول الحنابلة، ومقتضى كلام المالكية، والحنفية: إنه إذا حلق، دخل مكة من يومه ذلك إن تيسر، وهو الأفضل، وإنه إذا فرغ من طواف الإفاضة، رجع إلى منى.