عن عائشة، قالت: أفاض رسول الله - ﷺ - من آخر يوم النحر حتى صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام، ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها، رواه أحمد، وأبو داود. وفي الباب أحاديث بألفاظ استدل بها الجمهور على أن المبيت بمنى واجب، وأنه من جملة مناسك الحج.
وقد اختُلف في وجوب الدم بتركه، فقيل: يجب عن كل ليلة دمٌ، قاله المالكية، وقيل: صدقة بدرهم، وقيل: إطعام، وعن الثلاث دم، وهو المروي عن الشافعي، ورواية عن أحمد، وفي رواية عنه، وعن الحنفية: لا شيء عليه، ولا يصح الرمي في هذه الأيام إلا بعد الزوال باتفاق الأربعة، والروايات تدل على أنه لا يجزي رميُ الجمار في غير يوم الأضحى قبل زوال الشمس، بل وقته
[ ١١٨ ]
بعد زوالها، كما في البخاري وغيره من حديث جابر: أنه - ﷺ - رمى يوم النحر ضُحًى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال، وإليه ذهب الجمهور، وخالف في ذلك عطاء، وطاوس، فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقًا، وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال، أعاد، إلا في اليوم الثالث، فيجزيه، والأحاديث ترد على الجميع.
وقالت الشافعية، والمالكية، والحنابلة: أن يقدم الرمي على صلاة الظهر، ويشترط عند الثلاثة الترتيبُ بين الجمرات، وهو مستحب عند الحنفية، فيبدأ بالجمرة الأولى التي تلي عرفة، وهي على متن الجادة تقرب إلى مسجد الخَيفْ، يمشي إليها، ويرمي بسبع حصيات، واحدة واحدة، ويكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم عنها قليلًا عن متن الجادة إلى موضع لا يصيبه المتطاير من الحصا، ويجعلها خلف ظهره، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى، ويكبر ويهلل ويسبِّح، ويدعو بقدر سورة البقرة على سبيل الاستحباب إن أمكن من غير أذى، مع حضور القلب وخشوع الجوارح، رافعًا يديه، مقبلًا على الدعاء.
ثم يتقدم إلى الجمرة الوسطى الثانية، ويرمي كما رمى الأولى، ويصنع فيها كما صنع في الأولى، ويقف للدعاء بقدر ما وقف في الأولى في بطن المسيل عن يمينها إن أمكنه بغير أذى.
ثم يأتي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة التي رماها يوم النحر، فيرميها سبعًا، ولا يعرج على شغل ولا يقف عندها للدعاء، بل يرجع من فوره إلى منزله، ولم يرمها - ﷺ - من أعلاها كما يفعل الجهال، ولا جعلَها عن يمينه، بل استبطن الوادي، واستعرض الجمرة، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ويروى: أن الدعاء يستجاب عند الجمرات، وقال - ﷺ -: "يغفر له بكل حصاة رماها كبيرة من الكبائر الموبقات الموجبات".
وقد ثبت في حجه - ﷺ -: رفع اليدين للدعاء في ستة مواضع
١ - الأول: على الصفا،
٢ - الثاني: على المروة،
٣ - الثالث: بعرفة،
٤ - الرابع: بمزدلفة،
٥ - الخامس: عند الجمرة الأولى،
٦ - السادس: عند الجمرة الثانية. ثم يرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق كما رمى في اليوم الأول، واستحب الثلاثة غير
[ ١١٩ ]
الحنفية أن يخطب الإمام في هذا اليوم خطبة فردة بعد صلاة الظهر، يعلم الناس جواز النفر وما بعده، ثم يرمي في اليوم الثالث كذلك إن لم يكن نفر في اليوم الثاني، والأفضل عند الشافعية: أن يرمي في غير يوم النحر من أيام التشريق ماشيًا، وفي يوم النحر راكبًا، وعند الحنفية: أن الرمي كله راكبًا أفضل، وعند المالكية وكثير من الحنابلة: أن الرمي ماشيًا في أيام التشريق أفضل.
ومذهب الشافعية أنه لو ترك الرمي حتى خرجت أيام التشريق، وجب عليه جبره، فإن كان المتروك جميعَ رمي أيام التشريق ويوم النحر، لزمه دم واحد، وإن كان ثلاث حصيات فأكثر، لزمه دم، وإن كان حصاة، لزمه مُدٌّ من طعام يفرَّق على مساكين الحرم، وفي حصاتين مُدّان، وعند الحنفية: إن ترك جميع الرمي، لزمه دم، وإن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر أو أكثره، لزمه دم، وإن ترك منها حصاة أو حصاتين، تصدق لكل حصاة نصف صاع من بر، أو صاعٍ من شعير أو تمر.
ويروى: أن الأصل في رمي الجمرات: أن إبراهيم -﵇- لما فرغ من بناء البيت، أتاه جبريل -﵇-، فأراه الطواف، ثم أتى به جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبعًا، وقال: ارم وكَبّر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، وهكذا فعل عند الجمرة الثانية والثالثة.
وتأخير النفر إلى اليوم الثالث أفضلُ بالاتفاق، ويجوز تعجيله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ومن ترك المبيت لعذر؛ كأهل سقاية العباس، ورعاء الإبل، ومن خاف على نفسه أو ماله، وما أشبه ذلك، فلا شيء عليه عند الشافعية.
ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك، بل السنة أن يقيم إلى الثالث، والسنَّةُ للإمام أن يصلي بالناس بمنى، ويصلي أهلُ الموسم خلفه، ويستحب أن يتبرك بالصلاة في مسجد الخَيْف، ولا يدعها مع الإمام، فإن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بالناس قصرًا بلا جمع بمنى، ويقصر الناس كلهم خلفهم، أهلُ مكة، وغير أهل مكة.
[ ١٢٠ ]
وإنما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "يا أهل مكة! أتموا صلاتكم" فإنا قوم سَفْرٌ" لما صلَّى بمكة نفسها.
فإن لم يكن للناس إمام، صلى الرجل بأصحابه.
والمسجد بني بعد النبي - ﷺ -، لم يكن على عهده. وروي عنه - ﷺ -: أنه صلى في مكانه سبعون نبيًا، منهم: موسى -﵇-، وأن فيه قبر سبعين نبيًا. ويقال: إن مصلى رسول الله - ﷺ - عند الأحجار أمام المنارة.