إذا أراد أن يعتمر قبل حجه أو بعده كيفما أراد، فليغتسل لإحرامه، ويتجرد عن المَخيط، ويلبس ثوبي الإحرام، ويصلي ركعتيه، ويحرم بالعمرة من ميقاتها. وأفضل مواقيتها: الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية عند الشافعية، والتنعيم عند الحنفية، ومكة المكرمة عند الحنابلة، وينوي العمرة، ويلبي، ويقصد مسجد عائشة، ويعود إلى مكة وهو يلبي حتى يدخل المسجد الحرام، فإذا دخل المسجد، ترك التلبية عند الثلاثة غير المالكية إذا شرع في الطواف، وقال المالكية: إن المعتمر مَنْ المواقيت، ومن فاته الحج يلبي إلى رؤية البيت، والمعتمر من القرب؛ كالتنعيم يلبي إلى بيوت مكة أو المسجد، ويطوف بالبيت سبعًا ينوي به طواف العمرة، ويرمُل فيه بالاتفاق، ويضطبع، عند الثلاثة غير المالكية، ثم يصلي ركعتي الطواف، ثم يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا، ويسعى سبعًا.
[ ١٢٣ ]
كل ذلك على الصفة التي ذكرناها في الطواف والسعي أولَ قدومه مكة، من ترتيب، وأدعية، وغير ذلك، فإذا فرغ من السعي نحر الهدي إن كان معه، ثم حلق أو قصر، وحل بذلك عند الأربعة، وقد تمت عمرته. لكن الحنفية قالوا: إن كان ساق الهدي، لم يتحلل، ويبقى على إحرامه لا يحلق ولا يقصر إلى أن يذبح هديه يوم النحر كما سبق، وما يفعله كثير من العوام من حلق الرأس مقطَّعًا في كل عمرة بعضه، فهو القزع الذي نهى عنه - ﷺ -، وقال رسول الله - ﷺ -: "احلقوه كلَّه، أو اتركوه كله".
قال الغزالي: والمقيمُ بمكة ينبغي أن يُكثر الاعتمارَ والطوافَ، وليكثر النظر إلى البيت، فإذا دخله، فليصلِّ ركعتين بين العمودين، فهو الأفضل، وليدخله حافيًا موقرًا، قيل لبعضهم: هل دخلتَ بيتَ ربك اليوم؟ فقال: ما أرى هاتين القدمين أهلًا للطواف حول بيت ربي، فكيف أراهما أهلًا لأن أطأ بهما بيت ربي؟ وقد علمت حيث مَشَتا، وإلى أينَ مَشَتا، انتهى.
وقال العز بن جماعة في "منسكه": ينبغي أن يغتنم الحاج مدة إقامته بمكة المشرفة، فيكثر من الطواف، فقد روي عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "من طاف هذا البيت، فأحصاه، كان كمن أعتق رقبة، وعنه - ﷺ -: "إن الطائف لا يرفع قدمًا، ولا يضع قدمًا، إلا حط الله تعالى عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة، ورفع له بها درجة"، وعنه - ﷺ -: أنه جعل في ركعتي الطواف ثواب عتق رقبة، وقال رسول الله - ﷺ -: "إن الحجر الأسود نزل من الجنة، وهو أشدُّ بياضًا من اللبن، فسوَّدته خطايا بني آدم"، وقد رأيته: سنة ثمان وسبع مئة [٧٠٨]، وبه نقطة بيضاء ظاهرة لكل أحد، ثم حججت بعد ذلك، فرأيت البياض قد نقص بحيث إنه لم أره في ست وثلاثين إلا بعسر.
وقال - ﷺ -: "إن الركن والمقام من ياقوت الجنة، ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم، لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مسَّهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي"، وقال رسول الله - ﷺ -: "ليبعثنَّ اللهُ الحجرَ يومَ القيامة له عين يبصر بها، ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق".
[ ١٢٤ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والإكثار من الطواف بالبيت من الأعمال الصالحة، وهو أفضل من أن يخرج الرجل من الحرة ويأتي بعمرة مكية، فإن هذا لم يكن من أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا رغب فيه النبي - ﷺ - لأمته، بل كرهه السلف، انتهى.
ويستحب الإكثار من الصلاة بالمسجد الحرام؛ فقد صح: أن الصلاة فيه بمئة ألف من الصلاة في غيره، ويستحب الإكثار من الاعتمار عند الشافعية والحنفية، لا سيما في شهر رمضان؛ فإن العمرة فيه كحجة، كما قال رسول الله - ﷺ -، ذكره المالكية: الاعتمار في السنة أكثر من مرة. ويستحب الدعاء بالملتزم، وهو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، وهو أحد المواضع المعروفة بإجابة الدعاء.
ويستحب لمن جلس في المسجد الحرام أن يكون وجهه إلى الكعبة، وأن يقرب منها، وينظر إليها إيمانًا واحتسابًا؛ فإن النظر إليها عبادة. وكان ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- لا يخرج من المسجد حتى يستلم الركن، في طواف كان، أو في غير طواف، ونقل مثلُ ذلك عن جماعة من علماء التابعين -رحمهم الله تعالى-، انتهى.
وليكثر من شرب ماء زمزم، ولَيْستَق بيده من غير استنابة إن أمكنه، وليرتو منه حتى يتضلَّع، ويدعو عند شربه بما شاء من الأدعية الشرعية مثل (١): اللهم اجعلْه شفاءً من كل داء وسقم، ارزقني الإخلاصَ واليقين، والمعافاةَ في الدنيا والآخرة؛ فقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إنها مباركة، وإنها طعام طعم، وشفاء سقم"، وقال: "ماء زمزم لِما شُرب له"؛ أي: يشفي ما قصد به، أخرجه أحمد، وابن ماجه عن جابر، وابن أبي شيبة، والبيهقي، والدارقطني، والحاكم، وصححه المنذري، والدمياطي، وحسنه الحافظ، وفي إسناده عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، وفيه دليل على أن ماء زمزم ينفع الشارب لأي أمر شربه لأجله، سواء كان من أمر الدنيا، أو أمور الآخرة؛ لأن "ما" في قوله: "لما شرب له" من صيغ العموم.
_________________
(١) اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاء من كل داء.
[ ١٢٥ ]
وهذا مما عمل العلماء والأخيار به، فشربوه لمطالب لهم جليلة فنالوها، ويروى أن مياه الأرض ترفع قبل يوم القيامة غير زمزم، ولا بأس بالاغتسال والتوضي به، لكن يكره الاستنجاء به.
وكانت عائشة أم المؤمنين تحمل ماء زمزم، وتخبر: أن رسول الله - ﷺ - كان يحمله، رواه الترمذي. قال أهل العلم: يجوز إخراجُ مائها ونقلُه إلى جميع البلدان، وقد كان السلف يحملونه. ويستحب الإكثار بمكة من الصدقة والصوم والقراءة وسائر الطاعات الممكنة.