قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني -رحمه الله تعالى-: إذا دخل المدينة قبل الحج أو بعده، فإنه يأتي مسجد النبي - ﷺ -، ويصلي فيه؛ فإن الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ولا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في "الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وهو مروي من طرق أخرى، ومسجده - ﷺ - كان أصغر مما هو اليوم، وكذا المسجد الحرام، لكن زاد فيه الخلفاء الراشدون ومَنْ بعدهم، وحكمُ الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام، ثم يسلم على النبي - ﷺ - وصاحبيه؛ فإنه قد قال: "ما من رجل يسلِّم عليَّ، إلا رد الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇" رواه أبو داود، وغيره.
وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول: السلامُ عليك يا رسولَ الله، السلامُ عليك يا أبا بكر، السلامُ عليك يا أبتِ، ثم ينصرف، هكذا كان الصحابة يسلِّمون عليه، وإذا قال في سلامه: السلامُ عليك يا نبيَّ الله، يا خيرةَ الله من خلقه، يا أكرمَ الخلقِ على ربه، يا إمامَ المتقين، فهذا كلُّه من صفاته، بأبي هو وأمي - ﷺ -، وإذا صلى عليه مع السلام، فهذا مما أمر به، ويسلم عليهم مستقبلَ الحجرة، مستدبر القبلة عندَ أكثر العلماء؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وأما أَبو حنيفة، فإنه كان يستقبل القبلة، فمن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة، ومنهم من قال: يجعلها عن يساره.
واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرةَ ولا يُقبلها، ولا يطوف بها، ولا يصلي إليها، ولا يدعو هناك مستقبلًا للحجرة، فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالكٌ من أعظم الأئمة كراهةً لذلك، والحكاية المروية عنه: أنه أمر المنصور أن يستقبل الحجرة وقتَ الدعاء كذبٌ على مالك. ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة، ويدعون في مسجده - ﷺ -.
[ ١٤٥ ]
قال: "اللهمَّ لا تجعل قبري وَثَنًا يعبد"، وقال: "لا تجعلوا قبري عيدًا"، و"ولا تجعلوا قبوركم بيوتًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني"، وقال: "أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة؛ فإن صلاتكم معروضة عليّ"، فقالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت؛ أي: بليت؟ قال: "إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء"، فأخبر أنه يسمع الصلاة والسلام من القريب، وتبلغ إليه ذلك من البعيد.
وقال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذِّر مما فعلوا، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: ولولا ذلك، لأبرز قبره، ولكن كره أن يُتخذ مسجدًا، أخرجاه في "الصحيحين"، فدفنه الصحابة في الموضع الذي مات فيه من حجرة عائشة، وكانت هي وسائر الحجر خارج المسجد من قبليِّه وشرقيِّه.
ولكن في زمن الوليد بن عبد الملك، غيّر هذا المسجد وغيره، وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز، فأمر أن يشتري الحُجَر، ويُزاد في المسجد، فدخلت الحجرة في المسجد من ذلك الزمان، وبُنيت منحرفةً عن القبلة مسنَّمة لئلا يصلِّي إليها أحد، فإنه - ﷺ - قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" رواه عن مسلم عن أبي مرثد الغنوي.
زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية
فالشرعية: المقصودُ بها السلامُ على الميت، والدعاءُ له، كما يقصد ذلك بالصلاة على جنازته، فزيارتُه بعد موته من جنس الصلاة عليه، والسنةُ فيها أن يسلم على الميت، ويدعو له، سواء كان نبيًا، أو غير نبي، كما كان - ﷺ - يأمر أصحابه إذا زاروا القبور، أن يقول أحدهم:
"السلامُ عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إنْ شاء الله بكم للاحقون، ويرحمُ الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسألُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ، اللهم لا تحرْمنا أجرَهم، ولا تَفْتِنَّا بعدهم، واغفرْ لنا ولهم".
[ ١٤٦ ]
وهكذا يقول إذا زار أهلَ البقيع، ومَنْ به من الصحابة وغيرهم، وزار شهداء أحد وغيرهم.
بل الصلاة في المساجد التي ليس فيها قبرُ أحد من الأنبياء والصالحين وغيرهم، أفضلُ من الصلاة في المساجد التي فيها ذلك باتفاق أئمة المسلمين، بل الصلاة في المساجد التي على القبور إما محرمة، وإما مكروهة.
والزيارة البدعية: أن يكون الزائر مقصودُه منها أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به، فهذا ليس من سنة النبي - ﷺ -، ولا استحبه أحد من سلف الأمة، بل هو من البدَع المنهيِّ عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها.
وقد كره مالك وغيره أن يقول القائل: زرتُ قبر النبي - ﷺ -، وهذا اللفظ لم ينقل عن النبي - ﷺ -، بل الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل:-
قوله: "من زارني، وزار أبي إبراهيم في عام واحد، ضمنت له على الله الجنة".
وقوله: "من زارني بعد مماتي، فكأنما زارني في حياتي".
وقوله: "من زارني بعد مماتي، حلت عليه شفاعتي".
ونحو ذلك، كلها أحاديث ضعيفة، بل موضوعة.
ليست في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها، ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين، لا الأربعة منهم، ولا نحوهم، ولكن روى بعضها البزار، والدارقطني، ونحوهما بأسانيد ضعيفة.
بل من عادة الدارقطني وأمثاله أن يذكروا هذا في السنن؛ ليُعرف هو وغيره، وبينوا الضعيف من ذلك، وذا كانت هذه الأمور التي فيها شرك وبدعة قد نهى عنها عند قبره، وهو أفضل الخلق، فالنهي عن ذلك عند قبر غيره أولى وأحرى.
ويستحب أن يأتي قباء ويصلي فيه، فإن النبي - ﷺ -، قال: "من تطهَّر في بيته، فأحسن الطهور، ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه، كان له كأجر عمرة"
[ ١٤٧ ]
رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه. وقال - ﷺ -: الصلاة في "مسجد قباء تعدل عمرة" رواه الترمذي، وحسنه.
والسفر إلى المسجد الأقصى والصلاةُ فيه والدعاءُ والذكر والقراءة والاعتكاف مستحبٌّ في أي وقت شاء، سواء كان عام الحج، أو بعده، ولا يفعل فيه وفي مسجد النبي - ﷺ - إلا ما يفعل في سائر المساجد، ليس فيه شيء يتمسح به ويُقبَّل ويُطاف به، هذا كله ليس إلا في المسجد الحرام خاصة، ولا يستحب زيارة الصخرة، بل المستحب أن يصلي في قبل المسجد الأقصى الذي بناه عمر بن الخطاب للمسلمين، ولا يسافر للوقوف بالمسجد الأقصى، ولا للوقوف عند قبر أحد من الأنبياء والمشايخ ولا غيرهم، باتفاق أئمة المسلمين.
بل أظهر أقوال العلماء ألا يسافر أحد لزيارة قبر من القبور، ولكن تزار القبور بالزيارة الشرعية ممن كان قريبًا، أو اجتاز بها أحد، كما أن مسجد قبا يزار من المدينة، وليس لأحد أن يسافر إليه؛ لنهي النبي - ﷺ - عن أن تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، وذلك أن الدين مبني على أصلين: لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا يعبد إلا بما شرع، فلا يعبده بالبدع.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٠١].
ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهمَّ اجعلْ عملي صالحًا خالصًا لوجهك، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
وقال فُضيل بن عياض في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [تبارك: ٢]، قال: أخلصه وأصوبه، قيل: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا، لم يقبل حتى يكونا خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
فالمقصود بجميع العبادات: أن يكون الدينُ كلُّه لله، فاللهُ هو المعبود
[ ١٤٨ ]
والمسؤول، الذي يُرجى ويُخاف ويسأل ويعبد، فله الدين خالصًا، وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعًا وكرهًا. والقرآن الكريم مملوء من هذا كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ١٤ - ٦٤].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧].
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير -﵉-، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].
ومثل هذا في القرآن العزيز كثير، بل ذلك مقصود القرآن، ودعوةُ الرسل كلهم، ولذلك خلق الخلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: يوحدون ويخلصون العمل لله وحده.
وبالجملة: فيجب على المسلم أن يعلم أن الحج من جنس الصلاة ونحوها من العبادات التي يُعبد بها اللهُ وحَده لا شريك له، وأن الصلاة على الجنائز وزيارة قبور الأموات من جنس الدعاء لهم، والدعاء من جنس المعروف والإحسان الذي هو من جنس الزكاة والعبادات التي أمر الله بها توحيد وسنة، والذي غيرُهما فيه شرك وبدعة؛ كعبادات النصارى ومَنْ أشبههم، فقصدُ البقعةِ لغير العبادات التي أمر الله بها ليس من الدين.
[ ١٤٩ ]
ولهذا كان جملة العلماء الذين يعتد بهم: يعدون السفر لقبور الأنبياء والصالحين من جملة البدع المنكرة.
وهذا في أصح القولين غيرُ مشروع، وكذلك من يقصد بقعة لأجل الطلب من مخلوق هي منسوبة إليه كالقبر والمقام، ولأجل الاستعاذة به، ونحو ذلك، فهذا شرك وبدعة؛ كما يفعل النصارى ومن أشبههم من مبتدعة هذه الأمة؛ بحيث يجعلون الحج أو الصلاة من جنس ما يفعلونه من الشرك والبدعة.
ولهذا قال النبي - ﷺ - لما ذكر بعض أزواجه (١) كنيسةً بأرض الحبشة، وذكرن له من حسنها وما فيها من التصاوير: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرارُ الخلق عند الله يوم القيامة".
ولهذا نهى العلماء عما فيه عبادة لغير الله، وسؤال من مات من الأنبياء والصالحين مثل من يكتب رقعة، ويعلقها عند قبر نبي أو صالح، أو يسجد لقبره، أو يدعوه، أو يرغب إليه، وقالوا: إنه لا يجوز بناء المساجد على القبور؛ لأن النبي - ﷺ - قال قبل أن يموت بخمس ليال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا! فلا تتخذوا القبورَ مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك"، وقال: "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا"، وهذه الأحاديث في الصحاح.
وما يفعله بعض الناس من أكل التمر في المسجد، وتعليق الشعر في القناديل، فبدعة مكروهة، وأما التمر الصيحاني، فلا فضيلة فيه، بل غيرُه من
_________________
(١) هي كانت: أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموية. أمها صفية بنت أبي العاص بن أمية عمة عثمان بن عفان، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فولدت له حبيبة، وبها كانت تكنى، وتنصر عبيدُ الله، ثم مات هناك، وثبتت هي على الإسلام، وبعث رسول الله - ﷺ - عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، فزوجه إياها، والذي عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص وأصدقها النجاشي عن رسول الله - ﷺ - أربع مئة دينار. الملخص من "سيرة النبي"، لابن هشام، و"عيون الأثر" لابن سيد الناس.
[ ١٥٠ ]
التمر؛ كالبرنيِّ والعجوةِ خيرٌ منه، والأحاديث إنما جاءت في مثل ذلك، لا في الصيحاني، وقول بعض الناس: إن الصيحاني صاح بالنبي - ﷺ - جهلٌ منه، بل إنما سمى بذلك اليابس منه؛ فإنه يقال: يصوح التمر: إذا يبس.
وهكذا قول بعض الجهال: إن "عين الزرقاء" جاءت معه - ﷺ - من "مكة"، ولم تكن بالمدينة على عهده - ﷺ - عين جارية، لا الزرقاء، ولا غيرها من عيون جمرة وغيرها، بل كل هذا استخرج من بعد.
ورفعُ الصوت في المساجد منهيٌّ عنه، وهو في مسجد النبي - ﷺ - أشد، وقد ثبت في "البخاري": أن عمر بن الخطاب رأى رجلين من أهل الطائف يرفعان أصواتهما في المسجد، فقال: لو أعلم أنكما من أهل البلد، لأوجعتكما ضربًا، إن الأصوات لا تُرفع في مسجده، فما يفعله بعضُ جهال العامة من رفع الصوت عقيبَ الصلاة بقولهم: السلامُ عليكَ يا رسولَ الله بأصوات عالية، وأمثال ذلك، فمن أقبح المنكرات، ولم يكن أحد من السلف يفعل شيئًا من ذلك عقيبَ الصلاة، ولا قبلها، ولا بعدها، لا بأصوات عالية، ولا مستخفية، بل ما في الصلاة من قول المصلي في التشهد: "السلام عليكَ أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاته" هو المشروع، كما أن الصلاة عليه مشروعة في كل مكان وزمان.
وقد ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه قال: "من صلى عليَّ مرة، صلى الله عليه عشرًا"، وفي "المسند": أن رجلًا قال: يا رسول الله! أجعلُ عليك ثلث صلاتي؟ قال: "إذن يكفيك الله ثلثَ أمرك"، فقال: أجعل عليك ثلثي صلاتي؟ قال: "إذن يكفيك الله ثلثي أمرك"، قال: أجعل صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذن يكفيك الله ما أهمَّكَ من أمر دنياك وآخرتك".
وفي "السنن" عنه - ﷺ -: أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني". وقد رأى عبد الله بن الحسن -رضي الله تعالى عنه- في زمنه رجلًا ينتاب قبر النبي - ﷺ - للدعاء عنده، فقال: يا هذا! إن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني"، فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء.
[ ١٥١ ]
ولهذا كان السلف يُكثرون الصلاةَ والسلامَ عليه - ﷺ - في كل مكان وزمان، ولم يكونوا يجتمعون عند قبره، لا لقراءة وإيقاد شمع وإطعام وإسقاء، وإنشاد قصائد، ولا نحو ذلك، بل هذا من البدع، وإنما كانوا يفعلون في مسجده ما هو المشروع في سائر المساجد من الصلاة والقراءة والذكر والدعاء، والاعتكاف وتعليم القرآن والعلم وتعلمه، ونحو ذلك.
وقد علموا أن له - ﷺ - مثل أجر كلِّ عمل صالح تعملُه أمته؛ فإنه - ﷺ - قال: "من دعا إلى هدى، فله من الأجر مثلُ أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا"، وهو الذي دعا أمته إلى كل خير، فكل خير يعمله أحد من الأمة، فله أجره، فلم يكن يهدى إليه ثواب صلاة أو صدقة أو قراءة من أحد، وكل من كان له أطوع وأتبع، كان أولى الناس به في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقال - ﷺ -: "إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليّي اللهُ وصالحُ المؤمنين"، وهو أولى بكل مؤمن من نفسه، وهو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فالحلال ما أحله الله تعالى، والحرامُ ما حرمه، والدين ما شرعه، واللهُ هو المعبود المسؤول المستعاذُ به الذي يُخاف ويُرجى منه ويُتوكل عليه.
قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وإنما الخشية والتقوى لله وحده، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٣]، فأضاف الإيتاء إلى الله والرسول، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فليس لأحد أن يأخذ إلا ما أباح له الرسول - ﷺ -، وإن كان الله آتاه ذلك من جهة القدرة والملك، فإنه يؤتى الملكَ لمن يشاء، وينزع الملك ممن يشاء.
ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول في الاعتدال من الركوع وبعد السلام من الصلاة: "اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا رادَّ لما قضيتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ"؛ أي: من آتيته جَدًّا، وهو: البخت والملك، فإنه لا ينجيه منك، وإنما ينجيه الإيمان والتقوى.
[ ١٥٢ ]
وأما التوكل، فعلى الله وحده، والرغبةُ إليه وحده، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ولم يقل: ورسوله، وقالوا: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: ورسوله، كما قال في الإيتاء، بل هذا نظير قوله تعالى. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨] وقال: الذين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس، قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، أي: وحده حسبك، وحسب المؤمنين الذين اتبعوك. ومن قال: إن المعنى: إن الله والمؤمنين حسبك، فقد، غلط وضل، بل قوله من جنس الكفر؛ فإن الله وحده هو حسبُ كل عبد مؤمن، والحسبُ: الكافي، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].
والله تعالى له حق: لا يُشرك فيه مخلوق؛ كالعبادة والإخلاص والتوكل والخوف، والحج والصلاة والزكاة والصيام والصدقة، والرسول له حق: كالإيمان به وطاعته واتباع سننه، وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، وتقديمه في المحبة على الأهل والمال والنفس، كما قال - ﷺ -: "والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
بل يجب تقديم الجهاد، والذي أمر به على هذا كله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] انتهى كلام الشيخ -رحمه الله تعالى-، وما أوقفه بسنة الرسول وأحقه بالسمع والقبول!
ثم يستحب أن يخرج إلى البقيع، ويزور مَنْ به من الصحابة وغيرهم،
[ ١٥٣ ]
ولا دليل على الترتيب، ويُستحب أن يزور قبور الشهداء، وقبرَ حمزة عمِّ رسول الله - ﷺ -.
قال ابن الهمام: ويزور جبل أُحد نفسَه؛ للحديث الصحيح: "أُحد جبلٌ يحبنا ونحبه"، ولكن ليس فيه ما يدل على زيارته، ويُستحب أن يأتي بئرَ أريس التي تفل فيها رسول الله - ﷺ -، وسقط فيها خاتمه من عثمان.
وكان السلف الصالح يحبون لمن أتى المساجد الثلاثة: أن يختم فيها القرآن، ويستحب المجاورة بالمدينة كمكة لمن ظنَّ من نفسه عدمَ موافقة مذموم شرعي، وحينئذ، فليكن بغاية من الفرح بجوار نبيه - ﷺ - مع إكثار الدعاء لنفسه ولأحبابه، وبغاية من الصبر على ضيق المدينة ومعيشتها، بالنسبة لبلاد الخصب.
والأحاديث في فضل المُقام والموت بها كثيرة، ومن ثَمَّ أخذ منها جمع متأخرون من الشافعية: أن السكنى بها أفضلُ منها بمكة، مع مزيد المضاعفة بمكة، قال ابن حجر الهيتمي: وفيه نظر، بل الموافق للقواعد أن سكنى مكةَ أفضلُ، وكفى زيادة مضاعفة الأعمال مرجحًا، انتهى.
ويُستحب أن يتصدق بما أمكنه على جيران رسول الله - ﷺ -، وينظر أهل المدينة بعين التعظيم، ويَكِلَ سرائرَهم إلى الله، ويحرم عليه أن يستصحب شيئًا مما عمل من تراب حرم المدينة أو من أحجاره إلى خارج حرمها، ولو إلى حرم مكة، ويودع المسجد الشريف بركعتين، والأولى أن تكونا بمصلاه - ﷺ -، وليكن حالَ مفارقته في غاية التشوق للعود، وفي غاية الصدق مع الله وملازمة التوبة والأعمال الصالحة، وينبغي أن يزداد خيرًا بعد ذلك؛ فإن هذا من علامات قبول أعماله، وبالله التوفيق.