منها:
١ - أنَّ من عَزَمَ على الإتيان بفريضة الله، والإجابة لنداء خليل الله، وخطر بباله السفرُ لذلك، فيُستحب له أن يشاور فيه مَنْ يعلم من حاله النصيحة والشفقة والخيرة، ويثق بدينه ومعرفته، قال الله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ودلائله كثيرة.
ومنها:
٢ - أنه إذا شاور، وظهر أنه مصلحة، فليقدم استخارةَ الله سبحانه في ذلك؛ فإنها من هديه - ﷺ - في كل أمر يريده، وكان يعلِّمها كما يعلِّم السورةَ من القرآن، فيصلِّي ركعتين من غير الفريضة، ويدعو بدعاء الاستخارة: "اللهمَّ إني أَستخيرُك بعلمِك، وأَستقدرُك بقدرتك، وأسألُكَ من فضلِك العظيمِ، فإنَّكَ تقدِرُ ولا أَقدر، وتعلمُ ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللهمَّ إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ويُسَمّيه] خيرٌ لي في ديني ومَعادي ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجِلِه وآجلِه، فاقُدْره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنتَ تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعادي ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاصرفْه عني، واصرفي عنه، وقدّرْ لي الخيرَ حيث كان، ثم رَضني به"، ولا تعود الاستخارة إلى نفس الحج؛ فإنه خيرٌ لا محالة، بل تعود إلى تعيين حينِ الشروعِ فيه وتفاصيل أحواله، وإن كان حاجًّا أو معتمرًا تعلم مناسك الحج، أو استصحب معه كتابًا في ذلك، ولو تعلَّمها واستصحبَ كتابًا، كان أفضل.
ومنها:
٣ - أن يبدأ بالتوبة، وردِّ المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لكل
[ ٣٣ ]
مَنْ تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويردُّ ما عنده من الودائع، ويطلبُ المحاللة من كل من بينه وبينه معاملة في شيء أو مصاحبة، ويكتب وصية، ويُشهِد عليه بها.
ومنها:
٤ - أن يستصحب من المال الحلال الطيب ما يكفيه لذهابه وإيابه، من غير تقتير، بل على وجه يُمْكنه معه التوسُّع في الزاد، والرفقُ بالضعفاء والفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه، وإن قَلَّ، ولكن جاعلًا لزاده من أجلِّ كسبه، فقد ثبت عنه - ﷺ -: أن الله لا يقبل إلا طيبًا، وإذا حجَّ الرجل بمال حرام، صحَّ حجُّه عند الشافعية والحنفية والمالكية، ويُخشى عليه عدمُ القبول، وعند الحنابلة: لا يصح حجه. ويروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا حج الرجل بمال حرام، فقال: لبيك اللهمَّ لبيك، قال الله تعالى: لا لبيك، ولا سعديك، زادُك حرام، وراحلتُك حرام، وثوبك حرام، ارجعْ مأزورًا غيرَ مأجور". وقد أخرج ابن عدي، والديلمي في "مسند الفردوس" من حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه قال - ﷺ -: "إذا حج الرجل بمال من غير حِلِّه، فقال: اللهم لبيك، قال الله تعالى: لا لبيك ولا سعديك، هذا مردود عليك". وما أحسنَ القائل:
إذا حَجَجْتَ بمالٍ كلُّه سُحُتٌ فما حججتَ ولكن حَجَّتِ العِيرُ
لا يقبلُ الله إلا كلَّ صالحةٍ ما كلُّ مَنْ حجَّ بيتَ الله مبرورُ
ومنها:
٥ - أن يلتمس رفيقًا صالحًا، مُحبًا للخير، معينًا عليه، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن جَبُن شَجعه، وإن عجز قواه، وإن ضاق صدره صبره، فقد نهي - ﷺ - عن سفر الرجل وحدَه، وجاء عنه - ﷺ -: "أن الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب"، فلا يخرج إلا في ركب، ثم ليؤمر أحدهم.
ومنها:
٦ - أن يصلي ركعتين في منزله عند إرادة الخروج؛ لما أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا خرجت من منزلك، فصلِّ ركعتين يمنعاك مخرجَ السوء"، ولحديث المفطم بن المقدام: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما خلف أحدٌ عند أهله أفضلَ من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرًا" رواه الطبراني. قال النووي في "الأذكار": يقرأ في الأولى منهما الفاتحة، وقل يا أيها الكافرون،
[ ٣٤ ]
وفي الثانية: قل هو الله أحد، فإذا سلَّم، قرأ آية الكرسي، فقد جاء: أن من قرأ آية الكرسي قبل خروجه من منزله، لم يصبه شيء يكرهه حتى يرجع. ويستحب أن يقرأ سورة: لإيلاف قريش، فقد قال الإمام أبو الحسن القزويني: إنها أمان من كل سوء، ثم يدعو بإخلاص ورِقَّة، ومن أحسن ما يقول: اللهمَّ بكَ أَستعين، وعليك أتوكل، اللهم ذَلِّلْ لي صعوبة أمري، وسهل عليَّ مشقةَ سفري، وارزقني من الخير أكثرَ مما أطلب، واصرفْ عني كلَّ شر، ربِّ اشرح لي صدري، ويسرْ لي أمري، اللهمَّ إني أَستحفظك وأَستودعك نفسي وديني وأهلي وأقاربي، وكلَّ ما أنعمتَ عليَّ وعليهم به من آخرة ودنيا، فاحفظنا أجمعين من كل سوء يا كريم. ويفتتح دعاءه ويختتمه بالتحميد لله تعالى، والصلاةِ والسلام على رسول الله - ﷺ -، انتهى كلامه.
ومنها:
٧ - أن يجعل خروجه يوم الخميس في بكرته؛ فقد دعا النبي - ﷺ - بالبركة لأمته في بُكورها يومَ الخميس، وكان يحبُّ السفر في هذا اليوم.
ومنها:
٨ - أن يودِّعَ رفقاءه المقيمين، وإخوانه وجيرانه، ويلتمس أدعيتهم؛ فقد كان ذلك من هديه - ﷺ -. أخرج ابن عساكر، والديلمي عنه - ﷺ -: "إذا خرج أحدُكم إلى السفر، فليودِّعْ إخوانه؛ فإن الله جاعلٌ في دعائهم البركة". وروينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" وغيره عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -: "إن الله تعالى إذا استوُدِع شيئًا، حفظه"، وروينا في "كتاب ابن السني" وغيره عن أبي هريرة، قال: من أراد أن يسافر، فليقل لمن يخلف: "أستودُعكم اللهَ الذي لا يُضيع ودائعَه"، وروينا في "سنن أبي داود" عن قزعة، قال: قال لي ابن عمر: تعال أودِّعْك كما ودعني رسولُ الله - ﷺ -: "استودع اللهَ دينَك وأمانتك وخواتيمَ عملك" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروينا في "كتاب الترمذي" عن أنس، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! إني أريدُ سفرًا، فزوِّدْني، فقال: "زودك اللهُ التقوى"، قال: زدني، قال: "وغفر ذنبك"، قال: زدني: قال، "ويسر لك الخير حيثما كنت" قال الترمذي: هذا حديث حسن. وكان من هديه - ﷺ - توصيتُه من يودعه
[ ٣٥ ]
بتقوى الله، والتكبير، والدعاء له بعد ذهابه؛ لما ثبت من أنه جاء إليه رجل، فقال: إني أريد سفرًا، قال: أوصيك بتقوى الله، والتكبيرِ على كل شَرَف، فلما ولَّى، قال: "اللهمَّ ازو له الأرضَ، وهَوِّنْ عليه السفرَ".
ومنها:
٩ - أن يقول عند نهوضه: ما أخرجه البيهقي وغيره عن أنس، قال: لم يرد رسول الله - ﷺ - سفرًا قط، إلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهمَّ بك انتشرتُ، وإليك توجهتُ، وبك اعتصمتُ، اللهم أنتَ ثقتي ورجائي، اللهمَّ اكفِني ما أهمَّني، وما لا أهمُّ به، وما أنت أعلمُ به مني، عزَّ جارُك، وجل ثناؤك، ولا إلهَ غيرُك، اللهم زَوِّدني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت"، ثم يخرج.
ومنها:
١٠ - ما في "صحيح مسلم" عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر، كبر ثلاثًا، ثم قال: "سبحان الذي سخَّر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهمَّ إنا نسألك في سفرنا هذا البرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هَوِّنْ علينا سفرنا هذا، واطوِعَنا بُعْدَه، اللهم أنتَ الصاحبُ في السفر، والخليفةُ في الأهل، اللهم إني أعوذُ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المَنْظَر، وسوءِ المُنْقَلَب في المال والأهل"، وكلٌّ من الألفاظ سنة يختار منها العبدُ ما شاء، والجمع أحسنُ، وفي رواية أبي داود: كان النبي - ﷺ - وجيوشه إذا عَلَوُا الثنايا، كَبَّروا، وإذا هبطوا سَبَّحوا. وروينا معناه من رواية جماعة من الصحابة أيضًا مرفوعًا: قال أنس: كان - ﷺ - إذا علا شرفًا من الأرض، أو نَشَزًا، قال: "اللهمَّ بكَ أشرفُ على كل شرف، ولك الحمد على كل حال".
ومنها:
١١ - ما روينا في "كتاب ابن السني" عن ابن مسعود، عن رسول الله - ﷺ -، قال: "إذا انفلتت دابةُ أحدِكم بأرض فلاة، فلينادِ: يا عباد الله! احبسوا، يا عباد الله! احبسوا؛ فإن لله -﷿- في الأرض حاصرًا سيحبسه". قال النووي: حكى لي بعضُ شيوخنا الكبار في العلم: أنه انفلتت له دابة، أظنُّها بغلة، وكان يعرف هذا الحديث، فقال، فحبسها الله عليهم في الحال، وكنت أنا
[ ٣٦ ]
مرة في جماعة، فانفلتت منها بهيمة، وعجزوا عنها، فقلته، فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام، انتهى. قلت: وقد وقع لي مثلُ ذلك في بعض الأسفار، وذهب السيل بالدابة، فقلت: يا عباد الله! أعينوني، فوقفت في الحال، ولله الحمد.
ومنها:
١٢ - ما روينا في "سنن النسائي"، و"كتاب ابن السني" عن صهيب: أن النبي - ﷺ - لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللهم رِبَّ السموات السبع وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضينَ السبعِ وما أقللنَ، وربَّ الشياطين وما أَضللن، وربَّ الرياح وما ذَرَيْنَ، أسألك خيرَ هذه القرية، وخيرَ أهلها، وخيرَ ما فيها، ونعوذ بكَ من شرها، وشرِّ أهلها، وشر ما فيها". وعن ابن مسعود، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خاف قومًا، قال: "اللهمَّ إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم" رواه أبو داود، والنسائي بسند صحيح. وعن خولة بنت حكيم، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من نزل منزلًا، ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضرَّهُ شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" أخرجه مسلم، ومالك، والترمذي، وغيرهم.
وعن عمر بن الخطاب، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر، فأقبل الليل، قال: "يا أرضُ! ربي وربُّك اللهُ، أعوذُ بالله من شرِّكِ، وشرِّ ما فيكِ، وشرِّ ما خُلق فيكِ، وشرِّ ما يدبُّ عليكِ، أعوذُ بك من أسدٍ وأسودَ، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والدٍ وما ولد" رواه أبو داود. وكان يرشد مَنْ سافر، إذا أشرفَ على وادٍ هَلَّلَ وكبر، وإذا هبط سبَّح.
ومنها:
١٣ - أن يرفُق بالدابة، فلا يحمِّلها ما لا تطيق، والنومُ عليها يؤذيها، وكان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة -أي: نعاسًا- عن قعود، ويُستحب أن ينزل عن دابته غدوة وعشية يروحها بذلك، فهو سنة، وفيه آثار عن السلف، وكل من آذى بهيمة، وحملها ما لا تطيق، طولب به يوم القيامة، وفي كل كبدٍ رطبةٍ أجر، فليراع حقَّ الدابة والمكاري جميعًا، وكان من هديه - ﷺ - الأمرُ لمن سافر في الخصب أن يعطي الإبلَ حظها من الأرض، وإذا سافر في السَّنَة،
[ ٣٧ ]
أن يسرع في السير، وذلك أن يرخي لها الزمامَ في الخصب، ويتركها تأكل من الأرض، وفي الجدب يبادر تخليصها من الطريق لتستريح بالإناخة وتُعلف، وكان يأمر بالتخفيف عن الدابة وإنزالها ما تعتاد، وينهى عن اتخاذها كراسيَ للتحادُث.
ومنها:
١٤ - ما قال الغزالي في "الإحياء": ألا ينزل حتى يحمى النهار، ويكون أكثر سيره بالليل، وليقلل نومه بالليل حتى يكون ذلك عونًا على السير، ويحتاط بالنهار، فلا يمشي منفردًا خارج القافلة؛ لأنه ربما يُغتال أو يَنقطع، ويكون بالليل متحفظًا عند النوم، فإن نام في ابتداء الليل، افترش ذراعه، وإن نام في آخر الليل، نصبَ ذراعه، وجعل رأسه في كفه، هكذا كان ينام رسول الله - ﷺ - في أسفاره، والأحبُّ في الليل أن يتناوب الرفيقان في الحراسة، فإذا نام أحدهما، حرسَ الآخرُ، فهو السنة، فإن قصده عدوٌّ أو سَبُع في ليل أو نهار، فليقرأ آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، انتهى.
ومنها:
١٥ - أن تكون اليد خالية من التجارة وغيرها من أغراض الدنيا الدنية، حتى يكون الهمُّ مجرَّدًا لله تعالى، والقلبُ مطمئنًا منصرِفًا إلى ذكر الله وتعظيم شعائره؛ فإنه -﷿- لا يقبل إلا الخالصَ لوجهه الكريم، فعليه الإخلاصُ لله، وصيانةُ الحج من شوائب سمعة ورياء.
ومنها:
١٦ - التوسُّع في الزاد، وطيبُ النفس بالبذل، وبذلُ الزاد في سبيل الحج نفقة في سبيل الله -﷿-، والدرهم بسبع مئة درهم، قال ابن عمر: أفضل الحاج أخلصُهم نية، وأزكاهم نفقة، وأحسنهم يقينًا.
ومنها:
١٧ - أن يكون طيبَ النفس بما أصابه من خسران ومصيبة في مال أو بدن؛ فإن ذلك من دلائل قبول حجِّه؛ فإن المصيبة في طريق الحج تعدل النفقةَ في سبيل الله، وهو بمثابة الشدائد في طريق الجهاد، فله بكل أذًى احتمله وخسرانٍ أصابه ثوابٌ، ولا يضيع منه شيء عند الله.
ومنها:
١٨ - ما قاله الغزالي: ألا يعاون أعداءَ الله سبحانه بتسليم المكس، وهم الصادون عن المسجد الحرام من أمراء مكةَ والأعراب. قلت: ومن الأتراك
[ ٣٨ ]
المترصدين في الطرق، الجالسين في الحديدة، وجدة، ونحوها، انتهى؛ فإن تسليم المال إليهم إعانةٌ على الظلم، فليتلطف في حيلة الخلاص، فإن لم يقدر، فقد قال بعض العلماء: ولا بأس بما قاله: إن ترك التنفل بالحج والرجوع عن الطريق أفضلُ من إعانة الظَّلَمَة؛ فإن هذه بدعة أحدثت، وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة مطَّردة، وفيه ذلٌّ وصَغار على المسلمين ببذل جزية، انتهى.
ومنها:
١٩ - إذا خرج ينبغي أن يستعمل مكارم الأخلاق مع رُفقته، ويحسن عشرته معهم، ويُلين جانبه لهم، ويعمل معهم ما يعملونه، ويبذل لهم الموجودَ من غير مضرة، لا سيما بذل الماء لذوي العطش، خصوصًا في طريق المدينة المنورة، ويروى أنه - ﷺ - سئل عن أثر الحج، فقال: "إطعامُ الطعام، ولينُ الكلام"، ويكفُّ لسانه إلا عن الخير، وجوارحَه إلا عن المعروف، وإعانة الملهوف، ويحتمل للجافي جفاه، وللموذي أذاه؛ فقد ورد أنها ما تجهزت رفقةٌ للحج، إلا جهز إبليسُ معها رفقةً من أجناده، تأزُّهم إلى الشر، وتبعدهم عن الخير، فالسعيد مَنْ عصمَه الله عن ذلك. وينبغي ألا يكون كثير الاعتراض على رفيقه وجِماله وخادمِه وغيرِهم من أصحابه، بل يخفض جناحه، ويُلين جانبه للسائرين إلى بيت الله؛ إذ ليس حسن الخلق كفَّ الأذى، بل احتمال الأذى، وقيل: سمي السفر: سفرًا؛ لأنه يُسْفِر عن أخلاق الرجال.
ومنها:
٢٠ - أن يترك الرفثَ والفسوقَ والجدال، كما نطق به القرآن الكريم، والرفث: اسمٌ جامع لكل لغوٍ وخَنَا وفحشٍ من الكلام، ويدخل فيه مغازلةُ النساء ومداعبتهن، والتحدثُ بشأن الجماع ومقدماته؛ فإن ذلك يهيج داعيةَ الجِماع، والداعي إلى المحظور محظورٌ، وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنسُ الرفث، فلهذا مُيز بينه وبين الفسوق وسائر المحظورات؛ كاللباس والطيب؛ فإنه وإن كان يأثم بها، فلا يفسد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين، والفسوق: اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله -﷿-، ويتناول كلَّ ما حرمه الله، ولا يختص بالسباب، وإن كان سباب المسلم فسوق، فالفسوق يعمُّ هذا وغيرَه، والجدال: هو المبالغة في الخصومة، والمماراة بما يورث الضغائن، ويفرق في
[ ٣٩ ]
الحال الهمة، ويناقض حسن الخلق، ولم ينه الله المحرمَ ولا غيره عن الجدال مطلقًا، بل الجدال قد يكون واجبًا أو مستحبًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقد يكون محرَّمًا؛ كالجدال في الحق بعد ما تبين، وهذا يعم الحجَّ وغيره.
ومنها:
٢١ - ما روى أبو هريرة عنه - ﷺ -: أنه قال: "ثلاثُ دَعَوات مستجابات لا شكَّ فيهن:
١ - دعوة المظلوم،
٢ - ودعوة المسافر،
٣ - ودعوة الوالد على ولده" رواه أبو داود، وابن ماجه، وحسنه الترمذي، وليس في راوية أبي داود: "على ولده"، وعن عمر: جاء غلام إلى النبي - ﷺ -، فقال: إني أريد الحج، فمشى معه رسول الله - ﷺ -، فقال: "يا غلام! زَوَّدَكَ اللهُ التقوى، ووجَّهك في الخير، وكفاك الهمَّ"، فلما رجع الغلام، سلم على النبي - ﷺ -، فقال: "قبلَ اللهُ حجَّك، وغفرَ ذنبك، وأخلف نفقتك" رواه ابن السني. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اللهم اغفرْ للحاجِّ، ولمن استغفر له الحاجُّ" رواه البيهقي، وقال الحاكم: هو صحيح على شرط مسلم.
ومنها:
٢٢ - الإحرامُ من دُوَيْرَةِ أهلِه، فقد قيل: إن ذلك من تمام الحجّ، قاله عمر، وعلي، وابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومنها:
٢٣ - ألا يركب إلا زاملةً، وحجَّ رسولُ الله - ﷺ - على راحلة، وكان تحته رحلٌ رَثٌّ، وقَطيفة خَلَقَة ثمنُها أربعة دراهم، وقيل: إن هذه المحامل أحدثها الحَجَّاج، وكان العلماء في وقته يُنكرونها، وكان ابن عمر إذا نظر إليها يقول: الحاجُّ قليل، والركبُ كثير، ثم نظر إلى رجل مسكين رثِّ الهيئِة تحتَ جوالقَ، فقال: هذا من الحُجاج.
وفي "سفر السعادة": وكان - ﷺ - راكبًا على بعير عليه رحل، وليس عليه شقذف، ولا محارة، ولا محمل، ولا هودج، ولا مِحَفَّة، انتهى. فينبغي أن يكون رثَّ الهيئة، أشعثَ أغبرَ، غيرَ مستكثر من الزينة، ولا مائل إلى أسباب التفاخر والتكاثر، فيكتب في ديوان المتكبرين، لا يسرف في التنعُّم والترفُّه والتزيُّن؛ فإن ذلك بعيد عن المسكنة التي هي مقصودة بعبادة الحج، وفي
[ ٤٠ ]
الحديث: "إنما الحاج الشعثُ التَّفِلُ، يقول الله تعالى: انظروا إلى زوار بيتي، قد جاؤوا شُعْثًا غُبْرًا من كل فجٍّ عميق"، وقال تعالى: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ والتفث: الشعث، والاغبرار، وقضاؤه بالحلق وقصِّ الشارب والأظفار.
ومنها:
٢٤ - أنه كان من هديه - ﷺ - في أسفاره، قصرُ الصلاة الرباعية، والاقتصارُ على الفرائض دون نوافها، إلا سنَة الفجر والوتر؛ فإنه كان لا يدعُهما.
ومنها:
٢٥ - أنه كان من هديه - ﷺ - إذا ارتحل بعد زوال الشمس، جمع الظهر إلى العصر، وصلى الصلاتين معًا، وإن ارتحل قبلَه، أخَّر الظهر إلى العصر، فينزل لهما معًا، وكذلك المغرب والعشاء، لم يأتِ أنه - ﷺ - صلى الصلاة لأول وقتها منفردة عن الأخرى، وكان من هديه أداءُ الناقلة المطلقة على راحلته.
هذه آداب السفر التي ذكرها أهل المناسك في كتبهم، وهي لا تختص بالحج والعمرة، بل تعم الأسفارَ كلَّها، ولكن إذا كان مراعاتها في آحاد الأسفار يستحب ويسن، ففي سفر الحج الذي هو خير الأسفار وأصعبها بالأولى، فلذلك ذكرتُها، وإن طالت ذيولها.