عن الفضل بن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، قال: كنت رَديفَ رسول الله - ﷺ - من جَمْعٍ إلى مِنى، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، رواه الجماعة، وفي هذا دليل على أن التلبية تستمر إلى رمي جمرة العقبة، وإليه ذهب الجمهور، وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف. رواه ابن المنذر، وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعلي، وبه قال مالك، وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي، والليث، وعن الحسن البصري مثله، لكن قال: إذا صلى الغداة يوم عرفة.
[ ٨٢ ]
واختلف الأولون: هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة، أو عند تمام الرمي؟ فذهب جمهورهم إلى الأول، وإلى الثاني أحمدُ، وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم حديث فضل، قال: أفضتُ مع النبي - ﷺ - من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ويكبر مع كل حصاة، ثم يقطع التلبية مع آخر حصاة، قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أُبهم في الروايات الآخر، وإن المراد حتى رمى جمرة العقبة التي أتم رميها.
قال الشوكاني: والأمر كما قال ابن خزيمة؛ فإن هذه زيادة مقبولة خارجة مخرج الصحيح، غير منافية للمزيد، وقبولُها، متفق عليه كما تقرر في الأصول، وعن ابن عباس مرفوعًا: أنه كان يُمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر، رواه الترمذي وصححه. وعن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، قال: "يلبي المعتمر حتى يستلم الحجرَ" رواه أبو داود.
وقلت: ظاهره أنه يلبي في حال دخوله المسجد، وبعد رؤية البيت، وفي حال مشيه حتى يشرع في الاستلام، ويستثنى منه الأوقات التي فيها دعاء مخصوص. وقد ذهب إلى ما دل عليه الحديث من ترك التلبية عند الشروع في الاستلام: أبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وقال في القديم: يلبي، ولكنه يخفض صوته، وهو قول ابن عباس، وأحمد.