قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
واتفق أهل العلم على أن الهدي مستحب للحاج المفرد، وللمعتمر المفرد، وواجب على المتمتع والقارن، وعلى من وجب عليه جزاءُ العدوان على الإحرام، فالمستحب: [أنْ] يأكله المُهدي ويتصدق به، قال النووي: أجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة، انتهى. وأما جزاء العدوان، فلا يأكله، ويتصدق به، وأما دم التمتع والقِران، فلا يأكله عند الشافعي، بل يتصدق بكله، وعند أبي حنيفة: يأكله، ويتصدق به.
قال الشوكاني: والظاهر: أنه يجوز الأكل من الهدي من غير فرق بين ما كان منه تطوعًا، وما كان فرضًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] ولم يفصل، والتمسك بالقياس على الزكاة في عدم جواز الأكل من الهدي الواجب لا ينتهض لتخصيص هذا العموم، انتهى.
ويسن في الهدي: التقليدُ، والإشعار، والتعريف، للأحاديث الواردة فيها، وعليه الشافعي، وكره أبو حنيفة الإشعار، والأحاديث تردُّ عليه، وقد خالفه الناس في ذلك، حتى صاحباه أبو يوسف ومحمد. والإشعار: أن يكشط جلد البدَنَة حتى يسيل دم، ثم يَسْلُته، فيكون ذلك علامة على كونها هَدْيًا، ويكون ذلك في صفحة سنامها الأيمن.
وقد ذهب إلى مشروعيته الجمهورُ من السلف والخلف إلا أبا حنيفة. قال ابن المنذر: أنكر مالكٌ وأصحابُ الرأي التقليدَ للغنم، وكأنهم لم يبلغهم الحديث. والمستحبُّ تقليد نعلينِ لا واحدة، وقد اشترطه الثوري، وقال غيره: تجزىء
[ ٦٠ ]
الواحدة، وقال آخرون: لا يتعين النعل، بل كلُّ ما قام مقامَها أحرى، وفي "الهداية": لا يجب التعريف، ولو عرف بهدي المتعة، فحسن، انتهى.
ويعتبر فيه ما يعتبر في الضحايا، ويتصدق بجلال الهدي وخطمها، وإن عطبت البدنة في الطريق، فقال أبو حنيفة: إن كان تطوعًا، نحرها، ولم يأكل هو ولا غيره من الأغنياء، وإن كان واجبًا، أقام غيرها مقامَها، وصنع بها ما شاء، وقال الشافعي: يأكل ويتمول إن كان تطوعًا، وإن كان واجبًا، لم تحل له ولا لرفقته، فقراءَ كانوا أو أغنياء، بل يغمس نعلها في دمها، ويضرب به صفحة سنامها؛ ليعلم من مر بها أنها هدي، فمن كان محتاجًا، أكل، ومن لم يكن محتاجًا، لم يأكل. ولا يحرم على من بعث بهدي شيء من الأمور التي تحل له، وبه قال الجمهور، وقد أخرج النسائي من حديث جابر: أنهم كانوا حاضرين مع رسول الله - ﷺ - بالمدينة بعث الهدي، فمن شاء أحرم، ومن شاء ترك، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث. ولا يجوز بيع الهدي لإبدال مثله أو أفضل.
وفي "سفر السعادة": كان النبي - ﷺ - يهدي الغنم والإبل، وكان يهدي عن أمهات المؤمنين البقر، ولما حجَّ، ساق الهدي معه، ولما اعتمر أيضًا ساق معه الهدي، وكان إذا أرسل الهدي على يد أحد، يأمره إذا أشرف شيء منها على الهلاك أن يذبحه، ولا يأكل هو ولا مَنْ في تلك الصحبة، وإن حضر أجانب، قسم المذبوح بينهم، وكان يهدي البقرة والبدَنة عن سبعة، وكان إذا ذبح الغنم، جعل قدمه المباركة على صفحتها. وأباح لأمته أن يأكلوا من هديهم، ويتزودوا، وكان يقسم الهدي حينًا، وحينًا يقول: "من له حاجة، فليقطعْ لنفسه"، واستدل بعضهم بهذا على جواز الانتهاب في النثار. وما ساق من الهدي في العمرة، نحر عند المروة، وما ساق في الحج، نحره في منى، ولم ينحر أبدًا إلا بعد صلاة العيد، ولم ينحر قبل يوم العيد أبدًا، انتهى.