قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما المساجد التي بُنيت بمكة غير المسجد الحرام؛ كالمسجد الذي تحت الصفا، والذي في سفح أبي قبيس، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي - ﷺ - وأصحابه؛ كمسجد المولد وغيره، فليس قصدُ شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام، والمشاعر، ومزدلفة، ومنى، ومثل جبل حراء، والجبل الذي عند منى الذي يقال: إنه كان فيه قبة النداء، ونحوه؛ فإنه ليس من سنة النبي - ﷺ - زيارةُ شيء من ذلك، بل هو بدعة.
وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على آثار البقاع التي يقال: إنها من الآثار، فلم يشرع النبي - ﷺ - قصد شيء من ذلك بخصوصه، ولا زيارة شيء من ذلك، انتهى كلامه.
نعم، أجمع العلماء على استحباب زيارة المسجد الأقصى، والصلاة فيه، وعن النبي - ﷺ -: أن الصلاة فيه كألف صلاة، وزيارته عبادة مستقلة لا تعلق لها بالحج، وما يرويه العوام عن النبي - ﷺ - من قوله: من زراني، وزار أبي إبراهيم في عام واحد، ضمنتُ له الجنة، فحديث موضوع لا أصلَ له.
وبالجملة: فإذا كانت مساجد الآثار حكمُها كذلك، فما بال الأبنيةِ المستحدثة في نفس المسجد الحرام؛ فإنها بدعة مكروهة.
قال الشوكاني في "إرشاد السائل إلى دليل المسائل" مجيبًا لبعض العلماء السائلين عن المواضع المستحدثة في الحرم الشريف؛ كالمقامات والمنارات، والتعلية في البيوت زيادةً على الحاجة ما نصه: أقول: عِمارة المقامات بدعة بإجماع المسلمين، أحدثَها شرُّ ملوك الجراكسة فرج بن برقوق (١) في أوائل المئة
_________________
(١) هو الملك الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق، من سلاطين المماليك البرجيين في مصر، مات قتيلًا ٨١٥ هـ ١٤١٢ م.
[ ١٢٩ ]
التاسعة من الهجرة، وأنكر ذلك عليه أهلُ العلم في ذلك العصر، ووضعوا فيه مؤلفات.
وقد بينتُ ذلك في غير هذا الموضع، ويا لله العجب من بدعة يحدثها من هو شر ملوك المسلمين في خير بقاع الأرضين، كيف لم يغضب لها من جاء بعده من الملوك المائلين إلى الخير؟! ولا سيما قد صارت هذه المقامات سببًا من أسباب تفريق الجماعات.
وقد كان الصادق الصدوق - ﷺ - ينهى عن الاختلاف والفرقة، ويرشد إلى الاجتماع والأُلفة كما في الأحاديث الصحيحة، بل نهى عن تفريق الجماعات في الصلاة.
وبالجملة: فكل متشرع يعلم أنه حدثت بسبب هذه المذاهب التي فرقت الإسلام فرقة مفسدة أصيب بها الدين وأهله، وأن من أعظمها خطرًا وأشدها على الإسلام ما يقع الآن في الحرم الشريف من تفرق الجماعات (١) ووقوف كل طائفة
_________________
(١) لقد أزال تفرق الجماعات: حامي الحرمين جلالة الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ملك المملكة العربية السعودية حينما استولى الموحدون على الحجاز في عام (١٣٤٤ هـ ١٩٢٥ م)، وأقام جماعة واحدة، وحملها على الاقتداء بإمام واحد على طريق السلف الصالح في المسجد الحرام، فله الجزاء الأوفى على هذا العمل، واستمر تفرق الجماعات قرونًا عديدة. وكذلك قمع جميع البدع والخرافات، وقضى على مظاهر الشرك التي كانت شائعة في البلاد المقدسة، وأقام الدين الحنيف. ومن أعمال جلالته الهامة استتباب الأمن الذي فقد هناك، وأسس حكومته على أسس من العدالة التي كانت من أسباب تقدم البلاد في العمران وتعبيد الطرق والمواصلات، وتوفير الماء وإنشاء ميناء جدة، وهذه المشروعات كلها لم تبن إلا في ربع القرن الأخير، أي: القرن الرابع عشر الهجري، وكذلك المعاهد والمدارس، وتقدم الطباعة والنشر للكتب الدينية. وبعد رحيل المغفور له في عام (١٣٧٣ هـ ١٩٥٣ م)، خلفه على الحكم نجله عاهل المملكة العربية السعودية الإمام سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -أيده الله بنصره العزيز-، وتعيش البلاد تحت لوائه، وقد ازدهرت البلاد في عهده في جميع أنواع التقدم، ولهذا أصبح جلالته محبوبًا بين المسلمين، وفي رعيته؛ لما أقامه من أسس العدالة بين الرعية، ولما قام به من تجديد وتوسيع أشهرِ وأول مسجد في العالم الذي أسس على التقوى المسجد النبوي - ﷺ - =
[ ١٣٠ ]
في مقام من هذه المقامات، كأنهم أهلُ أديان مختلفة، وشرائعَ غيرِ مؤتلفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما رفع المنارات، فأصل وضعها لمقصد صالح، وهو إسماع البعيد عن محل الأذان، وهذه مصلحة مسوغة إذا لم تعارضها مفسدة من المفاسد المخالفة للشريعة، فدفعُ المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح؛ كما تقرر ذلك في الأصول، وأما تشييدُ البنيان ورفعه زيادة على حاجة الإنسان، فقد ورد النهيُ عنه، والوعيدُ عليه، وثبت: أنه - ﷺ - أمر بهدم بعض الأبنية، وليس ذلك مجردَ بدعة، بل خلاف ما أرشد إليه الشارع، انتهى كلامه.