عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي - ﷺ - كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة: يكبر على كل شَرَف من الأرض ثلاثَ تكبيرات، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" متفق عليه.
وفيه: استحبابُ التكبير والتهليل والدعاء المذكور عند كل شرف من الأرض يعلوه الراجعُ إلى وطنه من حج أو عمرة أو غزوة، ويكررها حتى يدخل البلد، ويستحب إذا قرب مَنْ وطنه أن يبعث إلى أهله مَنْ يخبرهم بقدومه، كيلا يقدم عليهم بغتة، وكره - ﷺ - أن يطرق الرجل أهلَه ليلًا، وكان - ﷺ - لا يقدم إلا غدوة أو عشية.
وكان من هديه إذا رجع من سفره، بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، وكان يأمر أصحابه بذلك، كما في حديث جابر بن عبد الله في قصة البعير، وفيه: أنهم لما قدموا المدينة، أمره - ﷺ - أن يأتي المسجد، فيصلي ركعتين إن لم يكن وقت
_________________
(١) = بالمدينة المنورة، وكذلك المسجد الحرام؛ أي: "البيت العتيق" بمكة المكرمة. ولم تر تلك القارة من كل ناحية في عمرها مثل هذا التقدم.
[ ١٣١ ]
كراهة، ويدعو عقبهما، ويحمد الله تعالى، ويشكره على ما أنعم عليه من قضاء نسكه، وزيارة مسجد نبيه - ﷺ -، وقبره المنور، وعوده إلى وطنه.
وقد بوب أبو داود للإطعام عند القدوم، فأخرج بإسناده إلى جابر بن عبد الله، قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة، نحر جزورًا وبقرة. ثم يندب للقادم أن يهدي إلى أهله ما تيسر.
فقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، أنها قالت: إذا قدم أحدُكم إلى أهله من سفر، فليهدِ لأهله ما يُطرفهم، ولو كان حجارة، وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء مرفوعًا: "إذا قدم أحدكم من سفر فليقدم معه هدية، ولو أن يلقي في مخلاته حجرًا"، وإن كان الحديثان قد ضعفا، فالهدية مطلقًا من السنة، ولهدية القادم موقعٌ في القلب لا يخفى.
ويندب لمن يلقاه من المقيمين أن يصافحه ويعانقه، وكره مالك المعانقة، ويطلب منه أن يستغفر له؛ لما أخرجه أحمد في "مسنده" من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا لقيتَ الحاجَّ، فسلِّمْ عليه، وصافحْه، ومُرْه أن يستغفر لكَ قبلَ أن يدخل بيتَه؛ فإنه مغفور له" وهو حديث حسن. وهو نظير حثه - ﷺ - على طلب الاستغفار من المريض؛ لأن المغفور له مجاب الدعوة.
ويستحب لمن يسلم على القادم أن يقول له: "قَبِلَ الله حجَّكَ، وغفرَ ذنبَك، وأخلفَ نفقتك"، وليحرص الآتي من سفره قبل مفارقته رفقتَه على أن يتحلَّلَ منهم، وليحذرْ بعد الحج من مقارفة الذنوب؛ فإن النكسة أشدُّ من المرض، وليوفِ بعهد الله ورسوله - ﷺ -، ولا يكن كالتي نقضَتْ غزلها.
فعلامة قبول عبادة الحج: أن يكون بعدها خيرًا مما كان قبلها، ويترك ما كان عليه من المعاصي والآثام، وأن يستبدل بإخوانه البطالين إخوانًا صالحين؛ وبمجالس اللهو والغفلة مجالسَ الذكر واليقظة. يروى أن بعض الصالحين قدم من الحج، فدعته نفسُه إلى أمر سوء، فسمع هاتفًا يقول له: ويلك! ألم تحجَّ؟ ويلك! لم تحج؟ فعصمه الله تعالى بسبب ذلك.
[ ١٣٢ ]
نسأل الله تعالى الاهتداء بهدي رسوله الكريم في كل ما نأتي ونذر، وأن يسلك بنا سبيل رضاه، ويدخلنا في واسع فضله النعيم، وأن يعافينا من كل بلية في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك، والقادرُ عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
* * *
[ ١٣٣ ]