قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] واختلف أهل العلم في تفسير الصيد، فقال في "الهداية": صيد البحر: ما يكون توالده ومثواه في البحر، وقال في "الأنوار": لا يحرم ما لا يعيش إلا في البحر، ويحرم الطائر الذي يغوص في الماء ويخرج؛ فإنه برّي، انتهى. ويحرم عليه صيدُ البر المأكولُ والمتولدُ من مأكول غيره، سواء كان مملوكًا، أو غير مملوك، ووحشيًا، أم في أصله وحشي، ويحرم قتله وضربه وتنفيره، وإتلاف شيء من أجزائه أو جنينه أو فرخه أو بيضه، ويحرم إثباتُ اليد عليه، والإعانةُ على شيء من ذلك بقول أو فعل، أو إشارة أو إعارةِ آلة باتفاق الأربعة على جميع ذلك.
ويجب في ذلك الضمان، ولذلك يحرم عند الحنفية والمالكية: صيدُ الممتنع المتوحِّش بأصلِ الخلقة الذي ليس بمأكول، ولا له أصل مأكول، ولا يحرم
[ ٧١ ]
ذلك، ولا جزاء فيه عند الشافعية، ولا يأكل المحرم لحمَ صيد ذبحه قبل الإحرام، ويأكل لحم صيد اصطاده الحلال لا لأجله، ولا بإشارته. وقيل بتحريم الأل من الصيد على المحرِم مطلقًا، وبجوازه مطلقًا، وبه قال الكوفيون وطائفة من السلف.
قال الشوكاني: وكذا الحديثين يستلزم اطراحَ بعضِ الأحاديث الصحيحة بلا موجِب، والحقُّ ما ذهب إليه الجمهور من الجمع بين الأحاديث المختلفة، فقالوا: أحاديث القَبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه، ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، ويؤيد هذا الجمعَ حديث جابر: أن النبي - ﷺ - قال: "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوا، أو يصاد لكم" رواه الخمسة إلا ابن ماجه، قال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيسُ، فهذا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم، أو يصيد غيرُه له، وبين أن يصيده المحرم ولا يصاد له، بل يصيده الحلال لنفسه، ويطعمه المحرم، ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة؛ كحديث الصَّعب، وطلحةَ، وأبي قتادة، ومخصِّص لعموم الآية المتقدمة، انتهى.