وهي سبعة:
١ - الأول: استحب بعض السلف أن يقول عند الدخول في أول الحرم وهو خارجَ مكة -شرفها الله تعالى وعظمها-: "اللهمَّ هذا حرمُك وأمنُك، فحرِّمْ لحمي ودمي وبَشَري على النار، وآمِنِّي عذابَك يوم تبعثُ عبادَك، واجعلني من أوليائك وأهلِ طاعتك". ويروى: أن في زمن الطوفان لم يأكل كبارُ الحيتان صغارَها في الحرَم؛ تعظيما له، فينبغي للإنسان أن يسلك في ذلك المحل الشريف غايةَ الأدب مع الله تعالى في حركاته وسكناته، ويرجو من فضل الله تعالى أُمنياته؛ فإن المحل عظيم، والمقام كريم. قلت: ولم يرد بذلك الأدب نص.
[ ٨٣ ]
٢ - الثاني: أن يغتسل بذي طوى؛ لأن النبي - ﷺ - كان يبيت بها، ويغتسل لدخول مكة، قالت الشافعية، والحنفية، والحنابلة: يستحب الغسلُ لمن دخل مكة وهو محرِم، حتى للحائض والنفساء، وعند المالكية: إنه مسنون لغير الحائض.
قلت: فمن تيسر له المبيت بها، والاغتسال فيها، وإلا، فلا شيء عليه من ذلك.
٣ - الثالث: أن يدخل من ثنية كَداء من أعلى مكة باتفاق الأربعة، إلا أن المالكية قالوا: يستحب لمن أتى من طريق المدينة، وفي حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-: كان النبي - ﷺ - إذا دخل مكة، دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج، خرج من الثنية السفلى، رواه الجماعة إلا الترمذي، وفي الباب عن عائشة عند الشيخين، وأبي داود.
٤ - الرابع: أن يدخلها نهارًا، باتفاقهم، وذلك أفضل، ولو دخل ليلًا، جاز؛ كدخولها راكبًا وماشيًا، وصحح النووي أن دخولها ماشيًا أفضل.
٥ - الخامس: أن يدخل مكة والمسجد من جميع الجوانب، لكن الأفضل أن يأتي من وجه الكعبة اقتداء بالنبي - ﷺ -، فإنه دخلها من وجهه من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلات، ولم يكن على عهد النبي - ﷺ - لمكة ولا للمدينة سور، ولا أبواب مبنية، ودخل المسجد من الباب الأعظم الذي يقال له: باب بني شيبة، وهذا أقرب الطريق إلى الحجر، ولم يكن قديمًا بناء يعلو البيت، ولا كان بين الصفا والمروة والمشعر الحرام، ولا كان بمنى ولا عرفات مسجدٌ، ولا عند الجمرات، بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين، ومنها ما أحدث بعد ذلك، فقد كان البيت يُرى قبل دخول المسجد.
٦ - السادس: إذا دخل مكة، ووقع بصره على البيت، فليقل: لا إله إلا الله، اللهُ أكبر، اللهمَّ زدْ هذا البيتَ تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزِدْ مَنْ شرَّفه وكرَّمه ممَّن حجَّه أو اعتمر تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبِرًّا، اللهمَّ افتح لي أبواب رحمتك، وأدخلني جنتك، وأعِذْني من الشيطان الرجيم، ثم يدعو بما
[ ٨٤ ]
شاء من خيري الدنيا والآخرة، ويستحب عند الشافعية: إذا رأى البيت أن يرفع يديه بباطن كفيه كما يرفعهما للدعاء، ولا يشير بيده ولا بالسبابة إلى البيت كما يفعله بعض العوام؛ فإن ذلك بدعة، وبه قال الحنابلة، وعند الحنفية: لا يرفع يديه عند رؤية البيت، وبه قال مالك، واستدلوا بحديث ابن جريج: أن النبي - ﷺ - كان إذا رأى البيت، رفع يديه، وقال: "اللهمَّ زِدْ. . . إلخ" رواه الشافعي في "مسنده"، وقال: ليس في هذا شيء، فلا أكرهه، ولا استحبه. قال البيهقي: فكأنه لم يعتمد على الحديث؛ لانقطاعه، وعن جابر: وسئل عن الرجل يرى البيتَ يرفع يديه، فقال: لقد حججنا مع رسول الله - ﷺ -، فلم يكن يفعله، رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وسنده ضعيف، وفيه مقال.
والحاصل: أنه ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت، وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل.
٧ - السابع: إذا دخل المسجد، بدأ الطواف؛ لأن النبي - ﷺ - لما دخل، بدأ به، ولم يصلِّ قبل ذلك تحيةَ المسجد، ولا غير ذلك، بل تحية المسجد الحرام هو الطواف بالبيت، فله ألا يعرج على شيء دون الطواف، إلا أن يجد الناس في المكتوبة، فيصلي معهم ثم يطوف.