عن عبد الله بن عدي: أنه سمع رسولَ الله - ﷺ - يقول: "والله! إنك لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إليّ، ولولا أني أُخرجت، ما خرجت منك" رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وصححه، وبذلك استدل من قال: إنها أفضل من المدينة. قال القاضي عياض: اختلفوا في أفضلهما، فقال أهل مكة، والكوفة، والشافعي، وابن وهب، وابن حبيب المالكيان: إن مكة أفضل، وإليه مال الجمهور، وذهب عمر وبعض أصحابه، ومالك، وأكثر المدنيين: إلى أن المدينة أفضل، واستدل الأولون بالحديث المذكور، وقد أخرجه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما.
وقال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف، فلا ينبغي العدولُ عنه، وقد ادعى القاضي عياض الاتفاق على استثناء البقعة التي قُبر فيها رسول الله - ﷺ -، وعلى أنها أفضل البقاع.
قلت: ولم أقف على دليل يؤيد هذا الاتفاق، ولا أدري من أين أتوا به، وقد استدل القائلون بأفضلية المدينة بأدلة: منها: حديث: "ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة" كما في البخاري وغيره، ومنها: حديث: "اللهم إنهم أخرجوني من أحبِّ البلاد إليّ، فأَسكني في أحبِّ البلاد إليك" أخرجه الحاكم في "المستدرك"، إلى غير ذلك. قال الشوكاني بعدما ذكر استدلال الفريقين بالبسط: اعلم أن الاستيعاب ببيان الفاضل من هذين الموضعين الشريفين، كالاشتغال ببيان الأفضل من القرآن الكريم والنبي - ﷺ -، والكلُّ من فضول الكلام
[ ٧٧ ]
الذي لا يتعلق به فائدةٌ غير الجدال والخصام، وقد أفضى النزاع في ذلك وأشباهه إلى فتن، وتلفيقِ حجج واهية؛ كاستدلال المهلَّب على أفضلية المدينة؛ بأنها هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام، فصار الجميع في صحائف أهلها وبأنها تنفي الخبيث، كما ثبت في الحديث الصحيح.
وأجيب عن الأول: بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابتٌ للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيلُ إحدى البقعتين على الأخرى.
وعن الثاني: بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، والمنافق خبيث بلا شك.
وقد خرج من المدينة بعد النبي - ﷺ -: معاذ، وأبو عبيدة، وابن مسعود، وطائفة، ثم علي -﵁-، وطلحة، والزبير، وعمار، وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيصُ ناس دون ناس، ووقتٍ دون وقت، على أنه إنما يدل ذلك على أنها فضيلة، لا أنها فاضلة، انتهى كلامه.
وما أحقَّه بالسمع والقبول؛ لأنك إن أردت قحَّ السنة واتباعها، فهي تركُ الخوض في أمثال ذلك [من] الأمور، وبالله التوفيق.
* * *
[ ٧٨ ]