إذا أراد افتتاح الطواف؛ إما للقدوم، وإما لغيره، فينبغي أن يراعي أمورًا.
الأول: الطهارة، وفي وجوبها في المطاف نزاع بين العلماء؛ فإنه لم ينقل أحدٌ عن النبي - ﷺ - أنه أمر بالطهارة للطواف، ولا نهى المحدِثَ أن يطوف، ولكنه طاف طاهرًا، وثبت عنه - ﷺ - أنه نهى الحائض عن الطواف، وقد قال - ﷺ -: "مفتاح الصلاة: الطهور، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم"، فالصلاة التي أوجب لها الطهارة، ما كان يفتتح بالتكبير، ويختتم بالتسليم، كالصلاة التي فيها ركوع وسجود، كصلاة الجنازة، وسجدتي السهو، وأما الطواف وسجود التلاوة فليس من هذا.
والاعتكافُ: يُشترط له المسجد، ولا يشترط له الطهارة بالاتفاق،
[ ٨٥ ]
والمعتكفة الحائض: تُنهى عن اللبث في المسجد مع الحيض، وإن كانت تلبث في المسجد وهي محدثة، ولم ير حماد ومنصور بأسًا في طواف البيت وهو غير متوضىء، واختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الطهارة فيه، ووجوبها، كما هو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، لكن لا يختلف مذهب أبي حنيفة أنها ليست بشرط، ومن كان به نجاسة ولا يمكن إزالتها؛ كالاستحاضة، ومَنْ به سلس البول، فإنه يطوف، ولا شيء عليه باتفاق الأئمة، وكذلك الحائض إذا لم يمكنها طواف الفرض، إلا حائضًا بحيث لا يمكنها التأخر بمكة، جاز، وفي أحد قولي العلماء الذين يوجبون الطهارة على الطائف: إذا طاف الحائض، والجنب، أو المحدث، أو حامل النجاسة مطلقًا، أجزأه الطواف، وعليه دم، إما شاة، وإما بدنة مع الحيض والجنابة، وشاة مع الحدث الأصغر، ومنع الحائض من الطواف قد يُعلل بأنه يشبه الصلاة، وقد يُعلل بأنها ممنوعة من الحدث كما تمنع من الاعتكاف، كما قال -﷿- لإبراهيم -﵇-: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، فأمر بتطهيره لهذه العبادات، فمنعت من دخوله.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب للطواف؛ ما يجب للصلاة من تحريم وتحليل وقراءة وغير ذلك، ولا يبطله الأكل والشرب والكلام وغيرُ ذلك، ولهذا كان يقتضي تعليل مَنْ منعَ الحائضَ لحرمة المسجد: أنه لا يرى الطهارة شرطًا، بل مقتضى قوله أنه يجوز لها دخول المسجد عند الحاجة، وقد أمر الله تعالى بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود، والعاكف فيه يُشترط له الطهارة من الحدث الأصغر باتفاق المسلمين، ولو اضطرت العاكفة الحائض إلى لبثها فيه للحاجة، جاز ذلك، وأما الركَّع السجود: فهم المصلون، والطهارة شرط للصلاة باتفاقهم، والحائض لا تصلي، لا قضاء، ولا أداء، بقي الطائف، هل يلتحق بالعاكف، أو بالمصلي، أو يكون قسمًا ثالثًا بينهما؟ هذا محل نزاع، وقولهم: الطواف بالبيت صلاة، لم يثبت عن النبي - ﷺ -، بل ثبت عن ابن عباس، وإن روي مرفوعًا.
[ ٨٦ ]
ونقل بعض الفقهاء عنه -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: إذا طاف بالبيت وهو جنب، عليه دم، ولا ريب أن المراد بذلك أنه يشبه الصلاة من بعض الوجوه، وليس المراد: أنه نوع من الصلاة التي تشترط لها الطهارة، وهذا كقوله: إذا أتى أحدكم المسجد، فلا يُشَبكنَّ بين أصابعه؛ فإنه في صلاة، ما كانت الصلاةُ تحبسُه وما دام ينتظر الصلاة، وما كان يعمد إلى الصلاة، ونحو ذلك، فلا يجوز لحائض أن تطوف إلا طاهرة إذا أمكنها ذلك باتفاق العلماء، ولو قدمت المرأة حائضًا، ولم تطف بالبيت، لكن تقف بعرفة، وتفعل سائر المناسك، وإن اضطرت إلى الطواف، فطافت، أجزأها على الصحيح من قول العلماء، وعن عائشة: أن أول شيء بدأ به النبي - ﷺ - حين قدم مكة: أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، متفق عليه.
٢ - الثاني: ستر العورة؛ لحديث أبي بكر، قال: لا يطوف بالبيت عُريان، رواه الشيخان، وفيه دليل على وجوب سترها حال الطواف، واختلف هل الستر شرط لصحة الطواف أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه شرط، وذهب الحنفية إلى أنه ليس بشرط، فمن طاف عريانًا، أعاد ما دام بمكة، وإن خرج، لزمه دم.
٣ - الثالث: الاضطباع، وهو مستحب عند الجمهور، سوى مالك، وقال الشافعية: هو في طواف ليس فيه الرمَل، وعند الحنفية: مستحب، أو سنة في جميع طواف القدوم، وطواف العمرة خاصة، وعند الشافعية: يستديم الاضطباع إلى آخر السعي إلا في ركعتي الطواف، وعند الحنفية والحنابلة: أنه في الطواف خاصة، ولا يشرع عند المالكية الاضطباعُ في الطواف، ولا في غيره، والحديث يردُّ عليهم، وكأنه لم يبلغهم.
والاضطباع: أن يجعل وسطَ ردائه تحت إبطه اليمنى، يجمع طرفيه على منكبه الأيسر، فيرخي طرفًا وراء ظهره، وطرفًا على صدره بالاتفاق.
٤ - الرابع: أن يَرْمُل في ثلاثة أشواط، ويمشي في الأربعة الآخر على الهيئة المعتادة؛ لحديث جابر: أن رسول الله - ﷺ - لما قدم مكة: أتى الحَجَر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، رواه مسلم، والنسائي، ولم
[ ٨٧ ]
يقل: نويت طوافي لكذا، ولا أفتتحه بالتكبير كما يفعله كثير ممن لا علم عنده، وذلك من البِدَع المنكَرة.
ومعنى الرمَل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، وهو دون العَدْو وفوقَ المشي المعتاد، ولا يعدو كما يفعل العوام؛ فإن ذلك مكروه، والمقصودُ منه ومن الاضطباع: إظهارُ الشطارة والجلادة والقوة، هكذا كان القصد أولًا؛ قطعًا لطمع الكفار، وبقيت تلك السنة، والأفضل الرمَلُ مع الدنو من البيت، فإن لم يمكنه من الزحمة، فالرمَلُ مع البعد أفضل، فليخرج إلى حاشية المطاف، وليرمُل ثلاثًا، ثم ليقرب إلى البيت في المزدحم، وليمش أربعًا، وإن أمكنه استلامُ الحجر في كل شوط، فهو الأحب، وإن منعته الزحمة، أشار باليد، وقَبَّل يَده.
٥ - الخامس: ألا يطوف في جورب ونحوه، ومن طاف فيه وفي نحوه لئلا يطأ نجاسة من خُرْ الحمام، أو غطى يده لئلا يمسَّ امرأة ونحو ذلك، فقد خالف السنة؛ فإن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين ما زالوا يطوفون بالبيت، وما زال الحمام بمكة، والاحتياط حسن ما لم يُفْضِ بصاحبه إلى مخالفة السنة المعلومة، فإذا أفضى إلى ذلك، كان خطأ، وكما أن القول الذي تيقن مخالفتها خطأ، كذلك قول من قال: إنه كان يخلع نعليه في الصلاة المكتوبة، وصلاة الجنازة؛ خوفًا من أن يكون فيها نجاسة خطأ مخالف السنة؛ فإن النبي - ﷺ - كان يصلي في نعليه، وقال: "إن اليهود لا يصلون في نعالهم، فخالفوهم" وقال: "إذا أتى أحدُكم المسجدَ، فلينظر في نعليه، فإن كان بهما أذًى، فليدْلُكْهما بالتراب؛ فإن التراب لها طهور"، وكما يجوز أن يصلي في نعليه، كذلك يجوز أن يطوف في نعليه.
٦ - السادس: ألا يستلم من الأركان إلا اليمانيين؛ لحديث ابن عمر، قال: لم أر النبي - ﷺ - يمسُّ من الأركان إلا اليمانيين، رواه الجماعة إلا الترمذي، لكن له معناه من رواية ابن عباس، وعنه: كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحَجَر في كل طوافه، رواه أحمد، وأبو داود. وإنما اقتصر على استلام هذين الركنين
[ ٨٨ ]
لأنهما على قواعد إبراهيم -﵇-، دون الشاميين، فعلى هذا يكون للركن الأول فضيلتان: كونه الحجر الأسود، وكونه على قواعد إبراهيم -﵇-، وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما، فكذلك يقبل الأول، ويستلم الثاني، ولا يُقَبَّل الآخران، ولا يُستلمان على رأي الجمهور.
٧ - السابع: يُستحب أن يقبل الحجرَ الأسود، وإليه ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وسائر العلماء، والتقبيلُ بالفم، والاستلامُ المسحُ باليد، فإن لم يستطع التقبيل، ولم يمكن استلامُه، وقف في مقابلته، وقَبَّل يديه، وإلا، أشار إليه. عن أبي الطفيل عامر ابن واثلة، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بالبيت، ويستلم الحجر بمِحْجَن معه، ويقبل المحجنَ، رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. وعن مالك: لا يقبل يده، وبه قال القاسم بن محمد بن أبي بكر، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل، والحديث والآثار ترد عليه.
قال الشوكاني: وقد استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر، وكذلك تقبيل المِحْجن: جواز تقبيل كلِّ من يستحق التعظيم من آدمي وغيره، وقد نقل الإِمام أحمد: أنه سئل عن تقبيل منبر النبي - ﷺ -، واستبعد بعضُ أصحابه صحةَ ذلك، ونُقل عن أبي الصيف اليماني أحدِ علماء مكة من الشافعية: جوازُ تقبيل المصحف، وأجزاء الحديث، وقبور الصالحين، كذا في "الفتح"، انتهى.
قلت: هذا الاستنباط غير مرضي عندي؛ فإنه لا يساعده دليل شرعي، والقياس على الحَجَر وتقبيلِه قياسٌ مفارق؛ لأن أعمال الحج خاصة به، ولا يقاس عليها شيء، وإلا كان السجود أيضًا لكل من يستحق التعظيم، فقد ثبت السجودُ على الحجر الأسود، كما ثبت التقبيل كما سيأتي.
٨ - الثامن: يُستحب السجدة عليه عند الشافعية والحنفية؛ لحديث ابن عباس موقوفًا: أنه كان يقبل الحجرَ الأسودَ، ويسجد عليه، أخرجه الشافعي، والبيهقي، ورواه الحاكم والبيهقي من حديثه مرفوعًا، وروى أبو داود الطيالسي، والدارمي، وابن خزيمة، وأبو بكر البزار، وأبو علي بن السكن، والبيهقي بإسناد متصل إلى ابن عباس: أنه رأى عمر يقبله ويسجد عليه، ثم قال: رأيت
[ ٨٩ ]
رسول الله - ﷺ - فعل هذا، وفي سنده اضطراب، وحكى ابن المنذر عن عمر، وابن عباس، وطاوس، والشافعي، وأحمد: أنه يستحب بعد تقبيل الحجر الأسود السجود عليه بالجبهة، وبه قال الجمهور، وروي عن مالك: أنه بدعة، واعترف القاضي عياض بشذوذ مالك في ذلك.
٩ - التاسع: ألا يستلم ولا يقبِّل غيرَ ما ذُكر من البيت وغيره. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم، وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين؛ كحجرة نبينا محمد - ﷺ -، ومغارة إبراهيم -﵇-، ومقام نبينا - ﷺ - الذي كان يصلي فيه، وصخرة بيت المقدس، وغير ذلك، فلا يُستلم، ولا يُقبل باتفاق الأئمة، وأما الطواف بذلك، فهو من أعظم البدع المحرمة، ومن اتخذه دينًا، يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل.
ولو وضع يده على الشاذَرْوان الذي تربط فيه أستار الكعبة، لم يضره ذلك في أصح أقوال العلماء، وليس الشَّاذَرْوان من البيت، بل جعل عماد البيت، انتهى.
قال العز بن جماعة: وقد قال جماعة من السلف: إنه لا يقبل مقامَ إبراهيم -﵇-، ولا غيره من الأحجار التي بمكة وبغيرها، قالوا: ولولا أن رسول الله - ﷺ - شرع تقبيل الحجر الأسود، واستلام الركن اليماني، لما فعلنا ذلك، انتهى.
١٠ - العاشر: أن يطوف ماشيًا، وإن لم يمكنه فطاف راكبًا أو محمولًا، أجزأه بالاتفاق، قال في "الفتح": لا دليل في طوافه - ﷺ - راكبًا على جواز الطواف راكبًا بغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز، إلا أن المشي أولى، والركوب مكروه تنزيهًا، والذي يترجح المنعُ؛ إذ طوافه - ﷺ -، وكذا طواف أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، فإذا حوط، امتنع داخله؛ إذ لا يؤمن التلويث، فلا يجوز بعد التحويط، بخلاف ما قبله، فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي، انتهى.
١١ - الحادي عشر: استحب الشافعي وأصحابه، والحنابلةُ أن يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر: "بِاسم الله، واللهُ أَكبر، اللهمَّ إيمانًا بك،
[ ٩٠ ]
وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، وإتباعًا لسنة نبيك - ﷺ -، واستحبوا أن يأتي بهذا الدعاء عند محاذاة الحجر الأسود واستلامه في كل طوفة.
ومذهب الشافعي: أن قراءة القرآن في الطواف أفضلُ من الدعاء بغير المأثور عن النبي - ﷺ -، وأن الاشتغال بالدعاء المأثور الصحيح أفضلُ من الاشتغال بقراءة القرآن، وقال أبو حنيفة: ذكرُ الله أفضلُ من القراءة، وكرهَها مالك، والصحيح عند الحنابلة: أنه لا بأس بها سرًا، والذي صحَّ عن النبي - ﷺ - في الطواف: أنه كَبَّرَ عندَ أركان البيت، وقال بين الركنين اليماني والحجر الأسود: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وأن ذلك كان أكثر دعائه - ﷺ - فيه.
وفي "الصحيحين" من غير تقييد بالطواف. قال الشافعي: إنه أحبُّ ما يقال فيه، وصح عنه - ﷺ -: أنه كان يدعو في الطواف بـ: اللهم قَنّعني بما رزقتني، وباركْ لي فيه، واخلفْ عليَّ كلَّ غائبة لي بخير". وحكى صاحب "الهداية" وغيرُه من الحنفية عن محمد بن الحسن: أنه لم يذكر أدعيةً خاصة لمشاهد الحج؛ لأن التوقيت في الدعاء يُذهب رقةَ القلب، وقال: أن يترك بالمنقول عن النبي - ﷺ - فحسن، وأنكر مالك: التحديد في الدعاء في الطواف وغيره من مشاهد الحج، وغير المحدود منه سنة عندهم في الطواف. ويروى: أن الدعاء يستجاب فيه، فليدع الطائفُ لنفسه، ولمن أحبَّ بما أحبَّ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس فيه ذكر محدود عن النبي - ﷺ -، لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك، فلا أصل له، انتهى. وأباح الله سبحانه فيه الكلام، فمن تكلم فيه، فلا يتكلمْ إلا بخير.