ذهب الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف ومحمد: إلى استحباب المجاورة بمكة، وخالف في ذلك ابن عباس، ومالك، قال في "المبسوط": لا بأس بالمجاورة؛ في قولهم، وإنه الأفضل، وعليه عمل الناس، خصوصًا مع ظلم الفَجَرة في سائر الأقطار، فلا بأس بالهُروع إلى بلد الله، والالتجاءُ ببلد رسوله والاعتصامُ بالله أولى من تحكم الأعداء في ضعفاء المسلمين، فضلًا عن أغنيائهم، وقال أحمد: جاور بها جابرٌ، وابن عمر، وليت أني الآنَ مجاور بمكة، قلت: قد جاور بها خلقٌ كثير، وسكنها من المعوَّل عليهم جمع عظيم، واستوطنها من الصحابة أربعة وخمسون رجلًا، ذكرهم أَبو الفرج، ومات بها أيضًا من الصحابة ومن كبار التابعين ومَنْ بعدهم جَمٌّ غفير، ذكرهم الطبري.
قال علي بن الموفق: جلست يومًا في الحرم بمكة المشرفة، وقد حججت ستين حجة، فقلت في نفسي: إلى متى أتردد في هذه المسالك والقفار؟ ثم غلبتني عيني، فنمت، وإذا قائل يقول: يا بن الموفق! هل تدعو إلى بيتك إلا مَنْ
[ ١٣ ]
تحبُّ؟ فطوبى لمن أحبَّه المولى، وحملَه إلى المُقام الأعلى، وأنشد يقول:
دعوتُ إلى الزيارةِ أهلَ وُدِّي ولمْ أطلبْ بها أحدًا سواهُمْ
فجاؤوني إلى بيتي كِرامًا فأهلًا بالكرام ومَنْ دعاهُمْ
وقال بعضهم:
هي البلدُ الأمين وأنتَ حِلٌّ فطاها يا أمينُ فأنت طاها
ووجِّهْ حيث كنتَ كذا إليها ولا تعدِلْ إلى شيء سواها
فوجهُ الله قبلةُ كلِّ حيٍّ لمن شهد الحقيقةَ واجتلاها
وهذا البيتُ بيتُ الله فيه إذا شاهدْتَ في المعنى سناها
فهلِّلْ عند مشهده كفاحًا وزمزمْ عندَ زمزمِه شِفاها
وقلْ بلِسان عرفك في رباها لنفسي في مِنى بلغَتْ مُناها
إليكَ شددتُ يا مولاي رَحْلي وجئتُ ومهجتي تشكو ظَماها
وها أنا جارُ بيتك يا إلهي وبالأستار ممتسكٌ عُراها
وللجيرانِ والضيفانِ حقٌّ على الجارِ الكريمِ إذا رعاها
إليكَ شفيعَنا الهادي محمَّد ومن قد حلَّ جهرًا فَي حِماها
شفيع الخلقِ يومَ الحشر حقًا رسولُ الله أقوى الخلق جاها
عليه من المهيمِنِ كلَّ وقتٍ صلاةٌ غيرُ منحصِرٍ مَداها