عن ابن عباس مرفوعًا: "ماءُ زمزم لِما شُرب له"، فإن شربته تستشفي، شفاك الله، وإن شربته مستعيذًا، أعاذك الله، وإن شربته لقطع ظمئك، قطعه، ذكره القرشي. وكان ابن عباس إذا شرب زمزم، قال: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء، رواه الحاكم، والدارقطني. قال ابن العربي: وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة -يعني: العلم والرزق والشفاء- لمن صحَّت نيتُه، وسلمت طويته، ولم يكن به مكذبًا، ولا يشرب مجربًا؛ فإن الله مع المتوكلين، انتهى.
قلت: وقد دعوتُ بما دعا به ابن عباس عندَ شربي له، وأرجو من الله القَبول. وفي حديث إسلام أبي ذر: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إنها مباركة، وإنها طعام طعم" رواه مسلم، وزاد أَبو داود: "وشفاء سُقْم". وعن جابر: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ماء زمزم لما شُرب له" أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي. واستسقى عبد الله بن المبارك من زمزم شربة، واستقبل الكعبة، وقال: اللهم إن أبا الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ماء زمزم لما شرب له"، وهذا أشربه لعطشِ يوم القيامة، ثم شرب، أخرجه الحافظ شرف الدين الدمياطي، وقال: إنه على رسم الصحيح.
وقد قلت ما قاله ابن المبارك، وأرجو قبوله، فما ذلك على الله بعزيز، وفي "الصحيح": أنه لما قدم أبو ذر ليُسْلِم، أقام ثلاثين يومًا وليلةً، وليس له طعامٌ إلا زمزم، فسمن حتى تكسَّرت عُكَنُ بطنه، ولم يجد على بطنه سُخْفَة جوع. عن ابن
[ ٢٧ ]
عباس: أن رسول الله - ﷺ - قال: "الحُمَّى من فيح جهنم، فأبردوها من ماء زمزم" رواه أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن حبان في "صحيحه"، وانفرد البخاري بإخراجه، فقال: "فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم". وفي حديث شق الصدر: "ثم غسله بماء زمزم". رواه البخاري. وعن ابن عباس، قال رسول الله - ﷺ -: "خيرُ بئر على وجه الأرض ماء زمزم" أخرجه ابن حبان، والطبري بسند رجاله ثقات، وعنه: كان النبي - ﷺ - إذا أراد أن يُتحف الرجل، سقاه من ماء زمزم، رواه الدمياطي، وصححه.
وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن رسول الله - ﷺ - قال: "آيةُ ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضَلَّعون من ماء زمزم" رواه ابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، والتضَلُّع: الامتلاء حتى تمتدَّ الأضلاع؛ وكم تضلعت به ولله الحمد. وعن ابن عباس، قال: نسميها شبعة -يعني: زمزم-، وكنا نجدها نعمَ العونُ على العِيال، رواه الطبراني في "الكبير"، وهو موقوف صحيح الإسناد، وبالجملة: فقد أجمعوا على أن ماء زمزم أفضلُ من جميع المياه على الإطلاق، إلا الماءَ الذي نبع من بين أصابعه - ﷺ -، كيف وهي هزمةُ جبرئيل، وسُقيا إسماعيل -﵉-، وفي شربها منافُع لا تحصى، ذكر بعضَها الحضراوي في "العقد الثمين".