عن عياش (١) بن ربيعة المخزومي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تزال هذه
الأمة بخير ما عَظَّموا هذه الحرمةَ حَقَّ تعظيمها، فإذا ضَيَّعوا ذلك، هلكوا" رواه
ابن ماجه، فمن أراد المجاورة بها ينبغي له أن يتأدب بآداب أهل التقى؛ لأنها
حضرة الله الخاصة في الأرض، وهي كثيرة، منها:
١ - ألا يخطر بباله معصية قطُّ مدة مجاورته بمكة، ولو في بيته، فضلًا عن المسجد الحرام، فضلًا عن الطواف، فضلًا عن الصلوات، فمن لم يعلم من نفسه السلامةَ، فلا ينبغي له الإقامةُ هناك حتى يجاهد نفسه، ولهذا احتاط ابن عباس لنفسه، فسكن الطائف دون مكة، وكذلك كره مالكٌ المجاورةَ بها، وقال: ما لنا ولبلد تُضاعف فيها السيئات كما تُضاعف الحسنات، ويؤاخذ الإنسان فيها بالخاطر؟
قلت: لم أقف على نص صريح في تضاعُف السيئات فيها، والمؤاخذةِ بالخاطر، بل عفا الله عن هذه الأمة ما حدَّثت به نفسَها، نعم المعصيةُ فيها أشدُّ وأكبر من غيرها؛ لشرف المكان، والعاصي فيها أسوأ حالًا وأقبح مآلًا؛ لقلة مبالاته بسخط الرحمن، كيف! والمعصية -وإن كانت فاحشة حيث وجدت- لكنها في حضرة الإله وفِناء بيته ومحلِّ اختصاصه وحرمه أفحشُ وأقبح، وأمرُ الذنب بها عظيم، فليبادر الإنسان من حينِ نزوله بها إلى الذل والانكسار، والتوبة والافتقار، والندم والاستغفار. ومنها:
٢ - أن يأكل الحلال الصِّرْفَ مدةَ إقامته: إما بعملِ حرفة شرعية؛ كالكتابة والخياطة والقِصارة والبِزازة ونحوِها، وإما أن يتوجه إلى الله تعالى أن يسخر له الحلال، من بين فَرْثِ الحرام ودم الشبهات.
قلت: وذلك كله غيرُ مخصوص بمكة، بل يتحرى له في كل بلدة. ومنها:
٣ - أن لا يبيت وعليه دينار أو درهم دين لأحد إلا أوفاه أو أوصى به.
_________________
(١) في سنن ابن ماجه: عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، وهو هاجر هجرتين.
[ ١٦ ]
ومنها:
٤ - ألا يسأله أحدٌ في الحرم شيئًا، ويمنعَه منه، إلا إن كان هو أحوجَ إليه من السائل. ومنها:
٥ - ألا يحنو قطُّ إلى وطنه وبلاده وأصحابه وأولاده، فيصير ملتفتا عن حضرة ربه. ومنها:
٦ - يقلل الأكل جهدَه، ويجعلُ أكثرَ غذائه زمزمَ. ومنها:
٧ - ألا يأكل قط وعينٌ تنظر إليه من المحتاجين إلا وأشرَكَه معه في الأكل. ومنها:
٨ - ألا يغالي هناك الملابسَ الفاخرة الغالية ولا الروائح الطيبة إلا أن يعلم أنه ليس بمكة عريان ولا جوعان. ومنها:
٩ - ألا يرى نفسَه قط أنه خير من أحد من المسلمين في سائر أقطار الأرض. ومنها:
١٠ - ألا يبول ولا يتغوط في الحرم إلا إذا كان يتأتى له ضرر من البول والغائط خارج الحرم. قلت: ولا يساعده دليل يعتمد عليه. ومنها:
١١ - ألا يمشي في الحرم بتاسومته إلا لضرورة؛ كشدة حر أو برد أو جرح أو نحو ذلك. قلت: وهذا أيضًا يحتاج إلى دليل يصار إليه. ومنها:
١٢ - ألا يرى منه عبادة هناك على وجه الكمال من غير إعجاب أبدًا؛ لئلا يقع في الزهو فيهلك، أما الاعترافُ بالنعمة فلا بأس. قلت: وذلك لا يختص بها، بل يعم البلاد كلها. ومنها:
١٣ - ألا يستحليَ قولَ من قال في حقه: هنيئًا لفلان. ومنها:
١٤ - ألا يذكر أحدًا بسوء من سكان الحرم وسائر أقطار الأرض.
قلت: وهذا هو الغيبة وحكمها معلوم. ومنها:
١٥ - أن يخاف تعجيل العقوبة حالًا. وكان عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- يدور على الحجاج بعد قضاء النسك بالدرَّة، ويقول: يا أهل اليمن! يمنَكُم، ويا أهل الشام! شامَكُم، ويا أهل العراق! عراقَكم، أبقى لحرمة بيت ربكم في قلوبكم، ولذلك همَّ بمنع الناس من كثرة الطواف، وقال: خشيت أن يأنس الناس بهذا البيت، فتزول هيبته من صدورهم.