قال ابن بطال: أجمع أئمةُ الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، وإذا حج، كان له تطوُّعًا عند الجمهور، قال القاضي عياض: أجمعوا على أنه لا يجزيه إذا بلغ عن حجة الإسلام، إلا فرقةٌ شذت، فقالت: يجزيه؛ لقوله: "نعم"، وظاهره: كون حج الصبي حجًا مطلقًا، والحج إذا أطلق تبادر منه إسقاطُ الواجب، ولكن العلماء ذهبوا إلى خلافه، وقد ذهب طائفة من أهل البدع إلى منع الصغير من الحج، قال النووي: وهو مردود، ولا يُلتفت إليه؛ لفعل النبي - ﷺ - وأصحابه، وإجماع الأمة على خلافه، انتهى. قال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه، ولا يلزمه شيء من محظورات الحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب.
[ ٤٥ ]
وفي "نيل الأوطار" بعد ذكر أحاديث الباب: يؤخذ من مجموع هذه الأحاديث: أنه يصح حج الصبي، ولا يجزيه عن حجة الإسلام إذا بلغ، وهذا هو الحق، فتعين المصير إليه جمعًا بين الأدلة، انتهى. قال عز بن جماعة: يُحْرِم الصبي المميزُ بإذن وليه باتفاق الأربعة، ولا يصح إحرامه بغير إذن وليه عند الشافعية، والحنابلة، ويصح عند المالكية، ويُحْرِم عن الصبي الذي لا يميز وليُّه، وإن كان محرِمًا عن نفسه، ومتى صار الصبي محرمًا بإحرامه أو إحرام وليه، فعل الصبي ما قدر عليه، وفعل به الولي ما عجز عنه باتفاق الأربعة، والرقيق ينعقد إحرامُه بإذن سيده، وبغير إذنه عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وعند الحنفية أنه لا ينعقد إحرامه إلا بإذن سيده، انتهى.
وهكذا يصح الحج عن الغير، سواء كان حيًا أو ميتًا؛ للأحاديث الواردة في ذلك في الصحاح والسنن، وهي كثيرة، منها: حديث ابن عباس، وفيه: قالت: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: "نعم"، متفق عليه، واللفظ للبخاري وسأله رجل، فقال: إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال: "أرأيتَ إن كان على أبيك دَيْنٌ أكنت قاضيه؟ "، قال: نعم، قال: "فدين الله أحق"، رواه أحمد، ونحو ذلك، وهي تدل على أن السؤال والجواب إنما كان عن القبول والصحة، لا عن الوجوب، فافهم.