إذا صلى الناسُ الظهر والعصر بمسجد إبراهيم كما ذكرنا، يذهب إلى عرفات، فهذه السنة، لكن في هذه الأوقات يكاد أحد يذهب إلى نَمِرة، ولا إلى مصلَّى النبي - ﷺ -، بل يدخلون عرفات على طريق المَأْزِمين، ويدخلونها قبل الزوال، ومنهم من يدخلها ليلًا، ويبيتون بها قبل التعريف، وهو الذي يفعله الناس كلُّهم اليومَ إلا ما شاء الله، ويجزي معه الحج، لكن فيه نقصٌ عن السنة، فيفعل ما يمكن من السنة، مثل الجمع بين الصلاتين، فيؤذن أذانًا واحدًا، ويقيم لكل صلاة، والإيقاد بعرفة وبمزدلفة بعد الرجوع من عرفة بدعة باتفاق العلماء.
وقال العز بنُ جماعة في "منسكه": وما يفعله جَهَلَة العوام من إيقاد الشموع ليلةَ عرفة ضلالةٌ فاحشة، وبدعة ظاهرة، جَمعت أنواعًا من القبائح، وتَشْغَلُ عن الذكر والدعاء المطلوبَيْن في ذلك الوقت الشريف، ويجب على مَنْ ولي الأمر، وعلى كل من تمكن من إزالة البدع إنكارُها وإزالتُها، والله المستعان، انتهى.
وبالجملة: يقف بعرفةَ من بعد الزوال إلى غروب الشمس، كما فعل سيدنا رسول الله - ﷺ -، لا يخرج منها حتى تغرب، ولو وقف نهارًا، ثم فارق عرفة قبل الغروب، أراق دمًا استحبابًا عند الشافعية، ووجوبًا عند أبي حنيفة، وفي أي موضع من عرفة وقف، أجزأه، لكن الأفضل عند الصخرات الكبار المفروشة، على مذهب الشافعية، والحنفية، والحنابلة. ومذهب مالك: أنه ليس لموضع من عرفة فضلٌ على غيره، وما اشتهر عند جهلة العوام من ترجيح الوقوف على الجبل، المسمى: بجبل الرحمة، فخطأ لا أصل له.
ووقف - ﷺ - في ذيل الجبل عند الصَّخَرات، والأفضلُ أن يكون الواقف مستقبلَ القبلة، متطهرًا، ساترًا عورتَه، فمن وقف على غير هذه الصفات، صح وقوفه بالاتفاق، وفاتته الفضيلة، والأولى لمن وقف بعرفة الفطرُ، سواء أطاق الصومَ، أم لم يطقْه، وسواء ضعف به، أم لا، اقتداء بالنبي - ﷺ -، وهو مذهب الشافعية، وأطلق كثير منهم أنه يُكره له صومُه، ومذهب الحنفية كما قال صاحب "المحيط": أنه مستحب في حق الحاج إن كان لا يضعفه، وإن كان يُضعفه،
[ ١٠٠ ]
فيستحب تركُه، وعند المالكية: أنه غيرُ مستحب له، بل يُستحب فطرُه، ومذهب الحنابلة: أنه لا يستحب صومُه إلا للتمتُّع إذا لم يجدِ الهدي، والسنةُ أولى بالاتباع.
ويستحب أن يستكثر من أعمال الخير في يوم عرفة وسائرِ أيام العَشْر، ويواظب في الوقوف بعرفة على تلاوة القرآن والذكر والدعاء بآدابه، فتارة يهلل، وتارة يقرأ القرآن، وتارة يكبر، وتارة يُسَبِّح، وتارة يستغفر، ويجتهد في هذه العشية، فهذا اليوم أفضلُ أيام السنة للدعاء، وهو معظم الحج، ومقصودُه المعوَّل عليه، فينبغي أن يستفرغ الإنسان وُسْعَه في الدعاء، ويدعو منفردًا، وفي جماعة لنفسِه ولوالديه ولأقاربه ومشايخه وأصحابه وأحبابه وأصدقائه، ولمن أحبَّ من سائر المسلمين، وسائر من أحسنَ إليه بما أحبَّ، وليحذرْ كلَّ الحذر من التقصير في ذلك كله؛ فإن هذا اليوم لا يمكن تداركُه؛ بخلاف غيره، ولا يتكلف السجعَ في الدعاء؛ فإنه يشغل القلب، ويُذهب الانكسارَ والخضوع، والافتقارَ والمسكنةَ والذلةَ والخشوع، ولا بأس بأن يدعو بدعواتِ محفوظٍ معه، له أو لغيره.
والسنة: أن يخفض صوته بالدعاء، ويُكثر من الاستغفار والتلفُّظ بالتوبة من جميع المخالفات، مع الاعتقاد بالقلب، ويلحُّ في الدعاء ويكرره، ولا يستبطىء الإجابة، ويفتح دعاءه ويختمه بالحمد له تعالى، والثناءِ عليه، والصلاةِ والتسليم على رسول الله - ﷺ -، وليحرصْ على أن يكون مستقبلَ القبلة، وعلى طهارة، قاله النووي في "الأذكار". وكان - ﷺ - في دعائه رافعًا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين.
وقد روي عن النبي - ﷺ -: "أنه قال: خيرُ الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير". وذكر من دعائه في الموقف:
اللهمَّ لك الحمدُ كالذي تقول، وخيرًا مما نقول، اللهمَّ لك صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، وإليك مآبي، ولك ربِّ تُراثي.
[ ١٠١ ]
اللهمَّ إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشَتات الأمر، اللهمَّ إني أعوذُ بك من شر ما تجيء به الرياح، اللهمَّ إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، وأنا العبدُ البائس الفقير، الخائفُ المستجير، الوَجِلُ المشفقُ المعترفُ بذنبه، أسألك مسألةَ المسكين، وأبتهلُ إليك ابتهالَ المذنِب الذليل، وأدعوك دعاءَ الخائف الضرير، مَنْ خضعت لك رقبتُه، وفاضت لك عيناه، وذل لك جسدُه، ورَغِمَ لك أنفُه.
اللهمَّ لا تجعلْني بدعائك ربِّ شقيًا، وكن لي رؤوفًا رحيمًا يا خيرَ المسؤولين ويا خير المعطين.
وعن علي -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي - ﷺ - قال: "أكثرُ دعائي ودعاءِ الأنبياء من قبلي يوم عرفة: اللهمَّ اجعلْ في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا.
اللهمَّ اشرحْ لي صدري، وَيسِّرْ لي أمري، وأعوذُ بك من وساوس الصدر، وشَتاتِ الأمر، وفتنة القبر.
اللهمَّ إني أعوذُ بك من شرِّ ما يَلجُ في الليل، ومن شر ما يلج في النهار، وشرِّ
ما تهبُّ به الرياح، ومن شر بوائق الدهر".
ومن الأدعية التي اختارها بعض العلماء:
اللهمَّ ربنا آتِنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذابَ النار.
اللهمَّ إني ظلمتُ نفسي ظلما كثيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنت، فاغفرْ لي
مغفرةً من عندك، وارحمْني إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهمَّ اغفر لي مغفرة تُصْلِح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمةً واسعةً
أسعَدُ بها في الدارين، وتب عليَّ توبة نصوحًا لا أنكثها أبدًا، وأَلزِمْني سبيلَ
الاستقامة لا أزيغ عنها أبدًا.
اللهم انقلْني من ذُلِّ المعصية إلى عِزِّ الطاعة، وأَغْنِني بحلالك عن حرامك،
وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عَمَّنْ سواك، ونَوِّرْ قلبي وقبري، وأعذني من
[ ١٠٢ ]
الشرِّ كلِّه، واجمع لي الخيرَ كلَّه، اللهمَّ إني أسألك الهُدى والتُّقى والعَفاف والغنى.
اللهمَّ يسر لي اليسرى، وجَنِّبني العسرى، وارزقْني طاعتَك ما أَبقيتَني.
اللهمَّ متعني بسمعي وبصري أبدًا ما أبقيتَني، واجعل ذلك الوارثَ مني، واجعل ثأري على من ظلمني، وانصرْني على مَنْ عاداني، ولا تجعلِ الدنيا أكبرَ هَمِّي، ولا مبلغَ علمي، ولا تسلِّط عليَّ بذنبي مَنْ لا يرحمُني يا أرحم الراحمين، استودعُك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيمَ عملي، وجميعَ ما أنعمتَ به عليَّ وعلى جميع أحبائي والمسلمين أجمعين.
وثبت في "صحيح مسلم": أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما مِنْ يومٍ أكثر من أن يُعتق اللهُ فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنون، ثم يباهي بهم الملائكة".
وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما رُئي أن الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رئي يوم بدر؛ فإنه قد رأى جبريل يزع -أي: يسوي- الملائكةَ" رواه مالك مرسلًا.
وبالجملة: فليكنْ أهم اشتغاله في هذا اليوم الدعاء، ففي مثل هذه البقعة، ومثل ذلك الجمع ترجى إجابة الدعوات، ولْيُلِحَّ في الدعاء، وليعظم المسألةَ؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء. ويستحب الإكثارُ من التلبية فيما بين ذلك، وبين الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأن يُكثر من البكاء معَ الذكر والدعاء، فها هنالك تُسكب العبرات، وتُستقال العَثَرات، وترتجى الطلبات، وإنه لموقفٌ عظيم، ومجمَعٌ جليل، تجتمع فيه خيار عباد الله الصالحين، وهو أعظم مجامع الدنيا.
قال مُطَرِّفُ بنُ عبد الله وهو بعرفة: اللهمَّ لا تَرُدَّ الجميعَ لأجلي.
وقال بكر بن [عبد الله] المزني: لما نظرتُ إلى أهل عرفات، ظننت أنهم قد غُفر لهم لولا أني كنت فيهم. وقد خطر ببالي مثلُ ذلك بعرفة، ولله الحمد.
وروي أن الفضيلُ بنَ عياض نظر إلى بكاء الناس بعرفة، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل، فسألوه دانقًا، أكان يردُّهم؟ قالوا: لا والله، فقال: للمغفرةُ عندَ الله أهونُ من إجابة رجل بدانق.
[ ١٠٣ ]
وينبغي ألا يشتغل ذلك اليوم بغير الله. ويروى أن سالمَ بنَ عبد الله بنِ عمرَ بنِ الخطاب رأى سائلًا يسأل الناس، فقال: يا عاجزًا! في هذا اليوم يُسأل غيرُ الله؟!
ويجوز الوقوف راكبًا وماشيًا، وأما الأفضل، فيختلف باختلاف الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه، أو كان يشق عليه تركُ الركوب، وقف راكبًا، وهكذا الحج؛ فإن من الناس من يكون حجه راكبًا أفضل، ومنهم من يكون حجه ماشيًا أفضل.
قال العز بن جماعة: وقوف الرجل راكبًا أفضل من الوقوف راجلًا إقتداء برسول الله - ﷺ -، ووقوف المرأة قاعدة أفضل، وقال الحنفية والمالكية: إن الركوب أفضل، ثم القيام، ولم يفرقوا بين المرأة والرجل، وقال المالكية: لا يجلس إلا الكلال، وأطلق الحنابلة: أن الركوب أفضل، انتهى.
ويصح وقوف الحائض وغيرِ الحائض، ويُستحب الإكثار في الجملة من التلبية عند الشافعية والحنفية والحنابلة، وعند المالكية: أنه يقطع التلبية قبل الوقوف بعد الزوال إذا راح إلى مسجد إبراهيم بِنَمِرَة، ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية بلا إفراط، وتخفيض صوته فيما سوى التلبية، كما قال الشافعية: ولْيُخلصِ الواقف التوبة من جميع المخالفات، مع الندم بالقلب والبكاء، ثم لْيُحسنِ الظنَّ بالله تعالى، قال الغزالي: وإن أمكنه الوقوف يوم الثامن ساعةً عند إمكان الغلط في الهلال، فهو الحزم، وبه الأمن من الفوات.
ويغتسل للوقوف باتفاق الأربعة، والاغتسالُ لعرفة قد روي فيه حديث عن النبي - ﷺ - رواه ابن عمر وغيره، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال:
١ - غسل الإحرام،
٢ - والغسل عند دخول مكة،
٣ - والغسل يوم عرفة، وما سوى ذلك كالغسل عند رمي الجمار والطواف والمبيت بمزدلفة لا أصل له عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابه، ولا استحبه مالك، ولا أبو حنفية، ولا أحمد، وإن كان قد ذكره طائفة، إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب، مثل أن تكون عليه رائحة يؤذي بها الناس، فيغتسل لإزالتها.
[ ١٠٤ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: عرفةُ كلُّها موقف، ولا يقف ببطن عرنة، وأما صعود جبل الرحمة، ويقال لها: إِلال -على وزن هلال- فليس من السنة، وكذا القبة التي فوقه، يقال لها: قبة آدم لا يستحب دخولها، ولا الصلاة فيها، والطواف بها من الكبائر، وكذلك المساجد التي عند الجمرات لا يستحب دخول شيء منها، ولا الصلاة فيها، وأما الطواف بها أو بالصخرة، أو بحجرة النبي - ﷺ -، أو ما كان غير "البيت العتيق"، فهو من أعظم البدع المحرمة.