إذا غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث تذهب الصفرة، فالسنة أن يفيض الإمام والناسُ من عرفة مُلَبين، وعند غير المالكية ذاكرين داعين شاكرين مستبشرين بنعمة الله عليهم وفضله، فقد جاء عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "إن الله تعالى يقول للملائكة: انظروا عبادي أتوني شُعْثًا غبرًا، أُشهدكم أني قد غفرتُ لهم ذنوبهم، وإن كانت عدد قطر السماء، ورمل عالج، أفيضوا عبادي مغفورًا لكم، ولمن شفعتم له".
وعنه - ﷺ - أنه قال: "إن إبليس يضع التراب على رأسه، ويدعو بالوبل والثبور بعد إفاضة الناس من عرفة، فيجمع إليه شياطينه، فيقولون: ما لك؟ فيقول: قومٌ فتنتُهم ستين وسبعين سنة غفر لهم في طرفة عين". ومن أفاض من عرفة، وخرج منها قبل غروب الشمس، ولم يعد إليها حتى طلع الفجر من ليلة النحر، فقد فاته الحج عند المالكية؛ خلافًا للثلاثة، قال أحمد: إذا أفضتَ من عرفات، فهلِّل وكبر ولَبِّ وقلْ:
"اللهمَّ إليكَ أفضتُ، وإليك رغبت، ومنك رَهِبت، فاقبلْ نسكي، وأعظم أجري، وتقبل توبتي، وارحم تضرُّعي، واستجبْ دعائي، وأعطني سؤلي".
والسنة أن يفيض بالسكينة والوقار، لا كما يفيض الجهال بالإسراع والزحمة المؤذية، ويجتنبُ وجيفَ الخيل وإيضاع الإبل كما يعتاده الجهال؛ فإن رسول الله - ﷺ - نهى عنه، وقال: "أيها الناس! عليكم بالسكينة، فإن البِرَّ ليس بالإيضاع، واتقوا الله، وسيروا سيرًا جميلًا، لا توطئوا ضعيفًا، ولا تؤذوا
[ ١٠٥ ]
مسلمًا"، ويكون في الطريق رافعًا صوته بالتلبية، فإذا وصل إلى مزدلفة، فلْيبتْ بها، وهو واجب عند الشافعي والحنابلة، وسنة عند الحنفية والمالكية، لكن عند المالكية النزولُ بها واجب، ويحصل المبيت بالحضور بالمزدلفة ساعةً من النصف الثاني من الليل، وهو مقتضى مذهب الحنابلة، والسنة عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة: أن يصلي بها المغرب قبل حطِّ الرحال وتبريك الجمال إن تيسَّر، فإذا حطوا رحالهم، يصلي العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولا يصلي بينهما شيئًا، وعند الحنفية: أنه لو صلى المغرب أو العشاء في الطريق أو بعرفة، لم يجز به عند أبي حنيفة، ومحمد، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر فإذا طلع الفجر، سقط القضاء.
وقالوا: إن من ضلَّ الطريق بين عرفة ومزدلفة، أو كان مريضًا لا يقدر على المشي، وليس له محمل، لا يصليهما دون المزدلفة، إلا أن يخاف طلوع الفجر قبل بلوغ المزدلفة، فيجوز، والخلاف فيمن يجمع ويقصر، ومن لا يجمع ولا يقصر، كالخلاف في صلاة الظهر والعصر يوم عرفة، وقد تقدم، غير أن الحنفية لا يشترطون في جواز هذا الجمع ما حكيناه عنهم أنهم شرطوه في الجمع بعرفة.
ويستحب عند الشافعية: الاغتسالُ بالمزدلفة بعد نصف الليل للوقوف بالمشعر الحرام، وقالت الحنابلة: إنه مستحب للمبيت. قلت: وليس بسنة ثابتة كما مر، ويستحب الإكثار في هذه الليلة من التلاوة والذكر والدعاء والصلاة، قال الغزالي: إحياء (١) هذه الليلة الشريفة من محاسن القربات لمن يقدر عليه، انتهى.
ويروى أن الدعاء يستجاب بالمزدلفة، وهذه الليلة هي ليلة العيد، وقد انضم إلى شرف الليلة شرفُ المكان، وكونه في الحرم والإحرام ومجمع الحجيج، ويجوز عند الأربعة: تقديم الضعفاء من النساء والصبيان ونحوهم بعد نصف
_________________
(١) لم يرو عن النبي - ﷺ - في إحياء هذه الليلة، بل في هديه أنه هو نام بالمزدلفة حتى أصبح، ولم يحي تلك الليلة، وأيضًا ما ثبت عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء.
[ ١٠٦ ]
الليل إلى منى قبل زحمة الناس، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر حتى يطلع الفجر، ويصلوا بها الصبح، ويتأهب للرحيل من مزدلفة إلى منى.
واستجب الشافعية أن يأخذ منها الحصى لرمي جمرة العقبة، ففيها حجار رخوة صغار، فيأخذ سبعين [٧٠] حصاة، فإنها قدر الحاجة، ولا بأس بأن يستظهر بزيادة، فربما يسقط منه بعضها، ولتكن الحصى خفافًا بحيث يحتوي عليه أطراف البراجم، وأمر - ﷺ - ابن عباس بلقط حصى الخذف، وقال للناس: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين، ولم يلتقطها من الليل كما يفعله الناس اليوم، ولا كسرها من الجبال.
قال الشافعية: يأخذ الحصى لرمي أيام التشريق من غير المزدلفة، وقال جماعة من الحنفية: يأخذ من المزدلفة سبعين حصاة، وقال صاحب "المحيط": يأخذ حصى الجمار من قارعة الطريق، وعند المالكية: يأخذ من أي موضع، وقال كثير من الحنابلة: يأخذ جميع حصى الجمار من المزدلفة، ومن أي موضع أخذ الحصى، أجزأه عند الأربعة، إلا أن الحنابلة قالوا: إنه يجزي الرمي بما رمى به هو أو غيره، ولا بالحجر النجس في الأصح.
والسنة بالاتفاق: أنه يصلي بالمزدلفة الصبح في أول وقتها، ثم يسير إلى قُزَح، ومزدلفةُ كلها موقف كما قال - ﷺ - فحيث وقف منها، جاز بالاتفاق، وعند المالكية: أنه لا فضل لموضع على موضع؛ كما قالوا في عرفة، والسنة: أن يتوجه إلى منى بعد الإسفار الكثير بالاتفاق، لكن المالكية قالوا: لا وقوف بعد الإسفار، ويستحب أن ينفر منها بسكينة ووقار كما قلنا.