يقول -﵀-: "منهج الدروس المهمة لعامة الأمة، الدرس الأول:
[ ٤ ]
يقول: "سورة الفاتحة وما أمكن من قصار السور -وما أمكن- من سورة الزلزلة إلى سورة الناس، تلقينًا وتصحيحًا للقراءة، وتحفيظًا وشرحًا لما يجب فهمه"، سورة الفاتحة أعظم سورة في كتاب الله، ولا تصح الصلاة بدونها، في الصحيحين وغيرهما من حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فهي ركن من أركان الصلاة، تجب على الإمام والمأموم والمنفرد، دون المسبوق عند جمهور العلماء، فالمسبوق تسقط عنه لحديث أبي بكرة، أما من أدرك قراءتها ولو كان مأمومًا فإنه يجب عليه أن يقرأها، في حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح أن النبي -﵊- وعده أن يخبره قبل أن يخرج من المسجد بأعظم سورة في القرآن، فلما أراد أن يخرج سأله عنها، فقال: «هي فاتحة الكتاب، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وإذا كانت الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام لا تصح بدونها عند جمهور العلماء، فحري بكل مسلم أن يحفظها، ويحافظ عليها، وجاء في فضلها أحاديث كثيرة، وقد رقى بها أبو سعيد الخدري سيد القوم الذي لدغ فبرئ فكأنما نشط من عقال، وحديثه في الصحيح، قرأ عليه الفاتحة فبرئ كأن لم يكن به وجع، في الترمذي أنه قرأها عليه سبع مرات، المقصود أن هذه السورة لا بد من تعلمها لتصحيح الصلاة.
[ ٥ ]
يقول: "وما أمكن من قصار السور" فإذا عرفنا فضلها فعلينا أن نحفظها، وأن نتقنها ونجودها، وأن نعربها الإعراب التام، فإذا حفظت على خطأ استمر الخطأ، فلا بد أن تلقن صحيحة بمدودها وشداتها وحركاتها، يعني إذا قرأ القارئ في الصلاة: "صراط الذين أنعمتُ عليهم" صلاته باطلة، "أهدنا الصراط" كذلك، فلا بد من ضبطها وإتقانها، والكلام هذا وإن كان معروف لدى طلاب العلم ألا أن الكتاب مؤلف لعامة المسلمين، وعلى أئمة المساجد وطلبة العلم التبعة في تلقين عامة المسلمين هذه السورة، وحثهم عليها، وإذا كانت البيوت مملوءة بمن يقرأ القرآن من ذكور وإناث، من صغار وكبار، وحلاقات التحفيظ -ولله الحمد- كثيرة متوافرة في كل حي، فما بقي لأحد عذر، لم يبقَ لأحد عذر، ولا عيب ولا ضير على أحد سواء كان كبيرًا أو صغيرًا أن يجلس إلى من يعلمه القرآن، ففي الحديث الصحيح: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
[ ٦ ]
"وما أمكن من قصار السور من سورة الزلزلة إلى سورة الناس" تفسير الفاتحة يحتاج إلى أوقات، وما فيها من علوم؛ لأن علوم الكتب السماوية كلها جمعها القرآن الكريم، ويقول أهل العلم: إن جميع علوم القرآن في الفاتحة، وعلم الفاتحة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] فتفسيرها وتوضيحها يحتاج إلى وقت طويل، فكيف إذا قرن معها سور؟! بضعة عشر سورة: الزلزلة والعاديات والقارعة والتكاثر والعصر الهمزة الفيل قريش الماعون الكوثر الكافرون النصر تبت الإخلاص المعوذتين، هذا يحتاج إلى وقت طويل، وعلى كل حال إذا عرفنا منزلة القرآن علينا أن نهتم به، وأن نديم النظر في كتاب الله، وأن نليه عناية تامة، فإذا كان عموم المسلمين ينظرون في الصحف المجلات الساعات الطوال، وليس لكتاب الله نصيب، هذا مسخ للقلوب، نسأل الله العافية، فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، الأمر ليس بسهل، فلا بد من إدامة النظر في كتاب الله، وحفظ ما يمكن حفظه منه، ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [(٤٩) سورة العنكبوت] القلب الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب، فعلينا أن نعتني بحفظ القرآن، وإدامة النظر فيه، وملازمة تلاوته، وأن نجعل لنا حزب يومي لا تغيب شمس اليوم إلا بعد قراءته، وعلينا أيضًا أن نقرأ مع الفهم والتدبر؛ لأنه كلام الله، وكلام موجه إليك، افعل أو اترك، فكيف تفعل أو تترك وأنت لا تفهم؟ والعلوم كلها تحت تدبر القرآن، يقول ابن القيم -﵀-:
فتدبر القرآن إن رمت الهدى فالعلم تحت تدبر القرآنِ
الآن لو جاء نظام موجه إلي عموم الموظفين لتطبيقه، تجد أول ما يرد هذا النظام مدير الدائرة ووكلاؤه ورؤساء الأقسام، يحتجبون عن الناس لمدارسة هذا النظام وفهمه، وهو نظام بشر، لكن تمر عليهم الآيات والكلمات التي تحتاج إلى فهم، تحتاج إلى توضيح واستيضاح من أهل العلم، أو بالرجوع إلى الكتب تمر كأنها لا تعني القارئ، أو لا تعني السامع.
[ ٧ ]
"وما أمكن من قصار السور من سورة الزلزلة" ولا أعرف لتخصيص هذا القدر بالنسبة لعامة الناس أصل، وكأن الشيخ -﵀- نظر إلى أن سورة البينة صعبة على كثير من الناس، فقصر الأمر دونها، نعم يروي الترمذي -وإن كان الحديث فيه مقال- أن أعرابي سأل النبي -﵊- ماذا يحفظ من القرآن؟ لأن كبر سنه، وصعب عليه الفهم والحفظ، ولسانه لا يطاوعه، فقال: «اقرأ من ذوات ألف لام ميم راء» أو ألف لام راء، فذكر أنه لا يستطيع ذلك فقال: «اقرأ من ال حاء ميم» فأعاد عليه فقال: «اقرأ إذا زلزلت» فإن كان الشيخ أعتمد على هذا النص وإلا فلا أعرف لتخصيص هذا القدر من الزلزلة إلى الناس أصل، فعلى كل إنسان أن يحفظ من القرآن ما يتيسر له حفظه، ما لم يعجز عنه يحفظه، وإذا عرفنا فضل القرآن، وفضل تلاوته القرآن، له في كل حرف عشر حسنات، يعني لو تقرأ جرايد الدنيا وش لك من الحسنات؟ كتب الدنيا كلها ما فيها أجر مرتب على حروفها إلا هذا الكتاب، حتى السنة ليس فيها مثل هذا الأجر، نعم من قرأ السنة ليتفقه ويتعلم يرجى له ما يرجى لأهل العلم، ويرجى له ما يرجى لمن سلك طريق يلتمس فيه علمًا، لكن كل حرف عشر حسنات! الختمة الواحدة ثلاثة ملايين حسنة بل أكثر، هذا شيء عظيم، ولا يفرط به إلا محروم، لكن الذي لا يستطيع لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، شخص يعالج نفسه الأيام والشهور والأعوام ليحفظ القرآن ما أستطاع، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لكن عليه أن يحفظ ما يستطيع، فيبدأ بالفاتحة لما ذكرنا، ويبدأ بالمعوذتين وسورة الإخلاص، وقل يا أيها الكافرون، ومن المهم مما أهمله الشيخ أية الكرسي، وأواخر سورة البقرة، وأواخر الحشر، وعشر آيات من سورة الكهف، من أولها أو من أخرها، فإذا حفظ هذا القدر، واستطاع أن يحفظ غيره فإن أستكثر فالله أكثر، لكن ما نقول: أن هذا الشخص لا بد أن يحفظ من الزلزلة إلى الناس، هذا عامي هذا فرضه، هذا نصيبه، لا، يحفظ ما تيسر، إن حفظ هذا القدر يزيد عليه، وليس هناك حد محدود للقدر الذي يحفظه، وأعتاد الناس أن يلقنوا الصبيان المفصل يبدءون به قبل أن يدخلونهم في بقية العلوم، ثم يحفظون الباقي على التدرج مع بقية العلوم والفنون
[ ٨ ]
الأخرى، وهذه طريقة المشارقة، يخلطون القرآن بغيره في أول الأمر، أما طريقة المغاربة فلا يلتفتون إلى شيء من العلوم قبل حفظ القرآن كاملًا، "من سورة الناس إلى سورة الزلزلة تلقينًا" لأن المسألة مفترضة في من؟ فيمن لا يقرأ ولا يكتب، يحرص على من يلقنه هذه السور، من ابن أو بنتٍ أو زوجة أو أخ أو إمام المسجد، أو عالم يتصدى لإقراء الناس، والملاحظ أن العلماء لا ينتبهون ولا يلتفتون لمثل هذه الأمور، بل يتركونها لغيرهم، قصار السور يقرأها المقرءون، وأنا أتفرغ لكبار العلم، لا، العالم الرباني كما في الصحيح عن ابن عباس معلق، "الذي يبدأ بتعلم الناس صغار العلم قبل كباره" فيجعل من وقته للمبتدئين، ويجعل من وقته قسط للمتوسطين، ويخص أيضًا طلبة العلم المدركين بجل وقته، كما هو معروف.
"تلقينًا وتصحيحًا للقراءة وتحفيظًا وشرحًا لما يجب فهمه" هناك كلمات في هذه السورة وفي غيرها يحتاج إلى حلها، يحتاج إلى تفهيمها وشرحها وتوضيحها وبسطها، وهناك تفاسير ميسرة، يفهمها طالب العلم، ويفهمها العامي، ويفهمها المبتدئ والمتوسط، ويستفيد منها المنتهي، فتفسير الشيخ ابن السعدي -﵀-، تفسير ميسر ومسهل، مبسوط بأبسط عبارة، تفسير الشيخ فيصل بن مبارك -﵀-، تفسير نفيس، يستفيد منه طلاب العلم، فعلينا أن نراجع تفسير هذه السور وغيرها مما يشكل في هذه الكتب المذكورة، أما التصدي لتفسير هذه السور السبعة عشر سورة، سورة سورة مع الفاتحة هذا يحتاج إلى وقت طويل، يحتاج إلى دورات، وليس إلى دورة واحدة، لكن يحال الإخوة إلى التفاسير الميسورة السهلة.