ثم ذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- في الدرس الثاني الشهادتين، ومعناهما، وشروط لا إله إلا الله، ثم في الدرس الثالث ذكر -رحمه الله تعالى- أركان الإيمان، وقال: "هي أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الأخر وتؤمن بالقدر خيره شره من الله تعالى"، أولًا: الإيمان في الأصل هو: التصديق الجازم، وهو في الشرع: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، وهو عند المحققين يزيد وينقص، كما قرره سلف هذه الأمة، والأركان المتعلقة بالإيمان ستة: ذكرت في مواضع من القرآن، وأجاب النبي -﵊- بها في تعريف الإيمان لما سأله جبريل عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الأخر وتؤمن بالقدر» الإيمان بالله أن تعترف بوجود لله، وأن تقر وتعتقد اعتقادًا جازمًا أنه موجود، وأنه هو المستحق للعبادة وحده دون من سواه، وأن تذعن لأوامره، وأن تجتنب نواهيه، والإيمان بالملائكة أن تعتقد اعتقادًا جازمًا لا يساوره أدنى شك بان لله ملائكة جاء وصفهم في الكتاب والسنة بأنهم لا يعصون الله -﷾-، وأنهم في عبادته وخدمته، وأنهم عدد كبير وجمع غفير، فنؤمن بمن نعرف اسمه من الملائكة، ونؤمن بالبقية أجمالًا، وأن لله -﷾- ملائكة عدد كببر، كما جاء في الأخبار في حديت الأطيط: «أطت السماء وحق لها أن تئط فما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو قائم» والبيت المعمور يدخله في اليوم سبعون ألف ملك، كل يوم يدخله سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
[ ١٥ ]
فالملائكة خلق نوراني، خلق من نور، خلقهم الله -﷾- لخدمته وعبادته، والمقصود بالخدمة لا يعني أنها من حاجة، فالخلق كلهم خالقهم الله -﷾- من غير حاجة إليهم، ولا يزيدون في ملكه، ولا ينقصون منه شيئًا، فلو كان الخلق كلهم جنهم وإنسهم، حيهم وميتهم، قديمهم وحديثهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما ضر من ملك الله شيء، وبالعكس لو كانوا على أتقى قلب رجل، فليس خلق الله –﷾- للملائكة ولغيرهم من المخلوقات لحاجة إليهم، بل هو الغني الغنى المطلق.
والإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان لا يتم الإيمان إلا به، فنعتقد اعتقادًا جازمًا، ونوقن يقينًا لا يساوره أدنى شك بأن الله -﷾- أرسل الرسل إلى الأمم ليحذروهم وينذروهم، وأن عددهم كما جاء في حديث أبي ذر على ما فيه من الكلام أكثر من ثلاثمائة، وأما الأنبياء فجم غفير، ونؤمن بمن عرفنا اسمه من هؤلاء الرسل، وعلينا أن نؤمن بالرسل كلهم، سواء عرفنا أسماءهم أو لم نعرف أسماءهم، ووظيفة الرسول أنه يأمر الخلق بطاعة الله -﷾- وبعبادته، بعبادته -﷿-، وليس عليهم إلا البلاغ، ولا يجوز أن يصرف لهم أي حق من حقوق الله -﷾-، وأفضل الرسل كما هو معروف محمد -﵊-، وهو رسول مرسل من عند الله -﷾-، وهو أيضًا في الوقت نفسه عبد من عباد لله، ذكره الله -﷾- بالعبودية في أشرف المقامات ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [(١) سورة الإسراء] ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [(١٩) سورة الجن] إلى غير ذلك، فلا يجوز أن يصرف له، ولا لغيره من الرسل والأنبياء أي شيء مما يجب صرفه لله -﷾-، فهم خلق من خلقه، نعم لهم مزية على بقية الخلق، شرفهم الله بحمل هذه الرسالة، لكن لا يجوز أن يصرف لهم شيء من حقوق الله -﷾-، والإيمان بالرسل ولاسيما نبينا -﵊-، يستلزم الإيمان به: طاعته فيما أمر، والتصديق بما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع -﵊-.
[ ١٦ ]
وباليوم الآخر: نؤمن بأن هناك يوم آخر، وأنه بعد الموت بعث، لا بد من الإيمان بالبعث بعد الموت، نؤمن به كما جاء في النصوص، وأن الله -﷾- يعيد الخلق بعد موتهم، والإيمان بالقدر خيره وشره من الله -﷾-، وأن كل شيء بقدر، وأنه لا يصب الإنسان، ولا يصيب الشعوب والأمم إلا شيء كتبه الله -﷾- عليهم، لا يكون في خلقه ما لا يريده -﷾-.
الإيمان بالقدر أن تعلم وتوقن وتجزم بأن ما أصبك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطئك لم يكن ليصيبك، وأن الأمم لو اجتمعت عليك ليضروك بشيء لم يكتبه الله -﷾- عليك فإنهم لا يستطيعون ذلك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يقدره الله لك ولم يكتبه لك لم يستطيعوا ذلك.