الدرس الرابع: أقسام التوحيد، وهي ثلاثة: توحيد الإلوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
توحيد الإلوهية هو: توحيد الله -﷾- وإفراده بالعبادة، هذا توحيد العبد وإفراده ربه -﷿- بعبادته بأن لا يصرف لغيره شيئًا مما يختص به الله -﷾-، فلا يجوز أن يعبد ولا يؤلّه غير الله -﷾-، فلا ينذر إلا له، ولا يستغاث إلا به، ولا يدعى سواه، ولا يصلى إلا له، وهكذا جميع أنواع العبادة لا يجوز صرف شيئًا منها لغير لله -﷿-، وبهذا يتم تحقيق توحيد الإلوهية.
وأما توحيد الربوبية والإقرار بوجوده، وأنه الرب الخالق الرازق المتصرف الذي لا شريك له في هذا الباب في الخلق ولا في الرزق، والإقرار به والاعتراف بتوحيد الربوبية لا يكفي وحده دون تخليص توحيد الإلوهية من الشوائب؛ لأنه لو كان كافيًا لما قاتل النبي –﵊- الكفار حتى يقولوا: لا إله إلا الله، هم يعترفون بوجود الله، وأنه لا خالق غيره، وأنه لا رازق سواه، ولكنهم يشركون معه غيره.
[ ١٧ ]
وأما توحيد الأسماء والصفات: فالله -﷾- له الأسماء الحسنى وله الصفات العلى، يجب الإيمان بجميع ما جاء عن الله -﷾- في كتابه، وعلى لسان رسوله -﵊- كما جاءت، ولا نتعرض لتأويلها ولا تحريفها ولا التكيف، نؤمن بأن الله -﷾- له الأسماء الحسنى، ونؤمن بجميع ما جاء في النصوص مما صح عن الله وعن رسوله -﵊-، كما يليق بجلاله وعظمته، ونؤمن بأن له الصفات العلى الكاملة الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، وكذلك الإيمان بالصفات يكون توقيفيًا، فلا نصف ولا نسمي الله -﷾- إلا بما سمى به نفسه، أو وصفه بها، ثم ذكر -﵀- أقسام الشرك، وأنها ثلاثة: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي، الشرك الأكبر: أن تعبد مع الله -﷾- غيره، وهذا الشرك هو المحبط للعمل، وهو الذي يوجب الخلود في النار، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [(٦٥) سورة الزمر]، ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء]، وأما الشرك الأصغر فأمره أسهل من الشرك الأكبر، وإن كان خطرًا عظيمًا، وإن كان الشرك الأصغر خطرًا عظيمًا حتى قال بعضهم: إنه لا يغفر، ولا يدخل تحت المشيئة كالكبائر، كبائر الذنوب التي يقترفها المسلم داخلة تحت المشيئة إن شاء الله -﷾- عذبه، وإن شاء غفر له، لكن الشرك الأصغر إطلاق الشرك عليه يقتضي أنه لا يغفر، بل يدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء]، وعلى كل حال هو لا يقتضي الخلود في النار، ولا يخرج من الملة، فصاحبه إذا عُذب ونقي من هذا الشرك فإنه مآله إلى الجنة -إن شاء الله تعالى-، الشرك الخفي وهو الرياء، من أمثلة الشرك الأصغر: الحلف بغير الله -﷾-، وقول: ما شاء الله وشاء فلان، ولولا الله وفلان، هذا شرك أصغر.
[ ١٨ ]
والشرك الخفي هو الرياء، مرآة الغير بعمل الخير، تطيل الصلاة، تسكن في صلاتك، تخشع في قراءتك لما ترى من نظر غيرك إليك، هذا نسأل الله العافية من أنواع الشرك، وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، وله كفارة كما جاء في الخبر تقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" هذا فيما تخشى أن تقع فيه؛ لأنه خفي، والشيطان حريص على إحباط أعمال الإنسان، وهذا الرياء وهذا الشرك إذا خالط العمل الصالح إن لم يبطله ويحبطه نقص ثوابه، فإن قارنه من أوله إلى أخره فلا شك في بطلانه، وإن طرأ على المصلي أو على الصائم أو على الحاج أو غير ذلك ثم قاومه فإنه لا يضره -إن شاء الله -﷾-.
من أنواع الشرك ما يسمى بالتشريك في العبادة، تعمل العمل لله ولغيره، نعم هذا تشرك في العبادة، أن تعمل لله ولغيره، فمن التشريك ما يضر بالعبادة، ومنه ما لا يضر، إذا شركت في العبادة أمرًا محرمًا ضر، وأن شركت بها أمرًا مباحًا فالأمر أسهل، وأن شركت عبادة بعبادة فالأمر -إن شاء الله- لا شيء فيه، لو قدر أن شخص تزوج لقضاء الوطر، نقول: يؤجر، وهو في عبادة، وإن كان تزوج من أجل قضاء شهوته كما جاء في الحديث: «وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام» فإذا شرك العبادة بغيرها طاف بالبيت ويقصد بذلك ثواب هذا الطواف، ويقصد مع ذلك التخفيف، نصحه الأطباء بأن يمشي، يكثر المشي مثلًا، فقال: بدلًا من أن أمشي في الأسواق والطرقات أمشي في المطاف له أجر وإلا ليس له أجر؟ نعم، له أجر، يؤجر -إن شاء الله تعالى- لأن عدله من المشي في الطرقات إلى المطاف لا شك أنه عدول إلى خير، لو أمر بحمية، فقال: أصوم بدلًا من أن أفطم نفسي بدون أجر، أصوم وأحتمي في الوقت نفسه يؤجر -إن شاء الله تعالى- لأنه عدوله إلى هذه العبادة خير له، لكن من خلصت نيته للعبادة لا شك أنه أعظم أجرًا، تطويل الركوع من أجل الداخل هذا تشريك في العبادة لكن فيه مصلحة لأخيك المسلم من أجل أن يدرك الركعة، فلا شيء فيه عند أهل العلم ما لم يضر بالمصلين، وإن قال القرطبي ونقل عن المالكية: أنه من التشريك المذموم.
[ ١٩ ]
يقول الشيخ -﵀-: فالشرك الأكبر يوجب حُبوط العمل، والخلود في النار، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [(٨٨) سورة الأنعام] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [(١٧) سورة التوبة] لا شك أن عمارة المساجد من أفضل الأعمال، لكن لا بد أن يقترن بالعمارة الحسية العمارة المعنوية ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [(١٨) سورة التوبة] قد يقول القائل: لماذا هذا الحصر؟ ما المانع مثلًا أن يتبرع كافر ببناء مسجد؟ نقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [(١٨) سورة التوبة] أما عمارة الكافر للمسجد فإنها لا تنفعه، بل هي حابطة؛ لأنه مشرك، وبعض الناس يذم من يعمر المساجد ويقول: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [(١٩) سورة التوبة] يرددها بعض الناس، ويقول: إن عمارة المسجد الحرام ..، نعم هي ليست كمن آمن بالله، لكن إذا قارنت الإيمان فهي من أفضل الأعمال، أما إذا صارت قسيمًا للإيمان عمارة المساجد أو الإيمان بالله، فعمارة المساجد وسقاية الحاج لا خير فيها دون الإيمان، ولا أجر فيها ولا ثواب بدون الإيمان؛ لأن الإيمان شرط لقبول جميع الأعمال، وهذا عمل من أعمال الخير. يقول: "وأن من مات عليه فلن يغفر له، والجنة عليه حرام، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [(٧٢) سورة المائدة] نسأل الله العافية.
[ ٢٠ ]
يقول الشيخ: "ومن أنواعه: دعاء الأموات والأصنام، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، والذبح لهم، ونحو ذلك" وغير ذلك من أنواع العبادة التي لا يجوز صرف شيء منها لغير لله -﷾-، التوكل على غير الله، السجود لغير الله، نسأل الله العافية كل هذا من الشرك الأكبر.
أما الشرك الأصغر يقول: "فهو ما ثبت بالنصوص من الكتاب والسنة تسميته شركًا، ولكنه ليس من جنس الشرك الأكبر كالرياء في بعض الأعمال، والحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشاء فلان، ونحو ذلك لقول النبي -ﷺ-: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» فسئل عنه فقال: «الرياء» رواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي عن محمود بن لبيد الأنصاري -﵁- بإسناد جيد، ورواه الطبراني بأسانيد جيدة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج عن النبي -ﷺ-" مرة يروى عن محمود بن لبيد بدون واسطة ومرة بواسطة رافع بن خديج، ومحمود بن لبيد معروف أنه صحابي صغير جدًا عقل المجة التي مجها النبي -﵊- في وجهه وهو ابن خمس سنين، فلا يبعد أن يروي عن النبي -ﷺ- بواسطة.
"وقوله -ﷺ-: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب -﵁-، ورواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح من حديث ابن عمر -﵄- أن النبي -﵊- أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» وقوله -ﷺ-: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان -﵁-"، وهذه أمثله للشرك الأصغر، يقول -﵀-: "وهذا النوع لا يوجب الردة، ولا يوجب الخلود في النار، ولكنه ينافي كمال التوحيد الواجب" هذا النوع لا يوجب الردة، ولا يوجب الخلود في النار، لا يحبط العمل، ولا يلزم منه أن يخلد، يبقى خالدًا في النار لا يخرج منها، والجنة ليست عليه حرام، أنما يعذب بقدر شركه هذا الأصغر، ثم إذا نقي يدخل الجنة -إن شاء الله تعالى-.
[ ٢١ ]
"أما النوع الثلاث: وهو الشرك الخفي، فدليله قوله -ﷺ-: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه» رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري" هذا هو الرياء، هذا هو إيش؟ الرياء الذي هو نوع من أنواع الشرك الأصغر، وهذا الخفي مع دقته وخفائه على المسلم أن يلاحظه، وأن يراقب قلبه، فلا يجعله يشرد ويذهب يمينًا وشمالًا، بل عليه أن يخلص وجه لله -﷾-.
"ويجوز أن يقسم الشرك إلى نوعين فقط: أكبر وأصغر، فأما الشرك الخفي فإنه يعمهما" يعني يدخل في الأكبر والأصغر "فيقع في الأكبر كشرك المنافقين؛ لأنهم يخفون عقائدهم الباطلة، ويتظاهرون بالإسلام رياءً وخوفًا على أنفسهم، ويكون في الشرك الأصغر كالرياء كما في حديث محمود بن لبيد الأنصاري المتقدم، والله أعلم".
مقصود الشيخ -﵀- أن الشرك يقسم إلى ثلاثة أنواع أكبر أصغر وخفي، ويكمن أن يجعل الخفي من النوعين، قسم من النوع الأول، وقسم من النوع الثاني، داخل في النوع فما ظهر من الشرك الأكبر يكون شرك جلي، وما خفي من الشرك الأكبر يكون شركًا خفيًا، وما ظهر من الشرك الأصغر يكون شرك أصغر جلي وما خفي منه يكون شرك أصغر خفي، وعلى كل حال فالتقسيم مجرد اصطلاح، والحصر مرده الاستقرار.