وَقَالَ فَضِيلَة الشَّيْخ حفظه الله ص ٥٧٧: "الثَّالِثَة: شدّ الرّحال للزيارة فَقَط، وَهَذِه الْحَالة الثَّالِثَة هِيَ مَحل الْبَحْث عِنْدهم ومثار النقاش السَّابِق، قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي على حَدِيث شدّ الرّحال: قَالَ الْكرْمَانِي: "وَقد وَقع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي عصرنا فِي الْبِلَاد الشامية مناظرات كَثِيرَة وصنفت فِيهَا الْمسَائِل من الطَّرفَيْنِ".
قلت: إِن ابْن حجر يُشِير بذلك إِلَى مَا رد بِهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ وَغَيره على الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية، وَمَا انتصر بِهِ الْحَافِظ شمس الدّين بن عبد الْهَادِي وغبره لِابْنِ تَيْمِية، وَهِي فِي مَشْهُورَة فِي بِلَادنَا، وَهَذَا يُعْطِينَا مدى الْخلاف فِيهَا وتاريخه.
وَقد أَشَارَ ابْن حجر إِلَى مُجمل القَوْل فِيهَا بقوله: "إِن الْجُمْهُور أَجَازُوا بِالْإِجْمَاع شدّ الرّحال لزيارة النَّبِي ﷺ، وَأَن حَدِيث "لَا تشد الرّحال.." إِنَّمَا يقْصد بِهِ خُصُوص الصَّلَاة.. الخ".
[ ١٩١ ]
مناقشة:
ومناقشتنا للشَّيْخ هُنَا حول قَول فضيلته: "وَهَذَا يُعْطِينَا مدى الْخلاف فِيهَا وتاريخه"؛ إِذْ إِن عِبَارَته تِلْكَ تفِيد أَنه يرى أَن مبدأ الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَانَ على يَد ابْن تَيْمِية، وَكَذَلِكَ مَا نَقله عَن ابْن حجر من قَوْله: إِن الْجُمْهُور أَجَازُوا بِالْإِجْمَاع.. الخ.
لهَذَا نسْأَل فضيلته فَنَقُول: إِذا كَانَ مبدأ الْخلاف فِي مَسْأَلَة شدّ الرّحال لزيارة قبر النَّبِي ﷺ على يَد ابْن تَيْمِية وَمن فِي زَمَنه، وَمَعْلُوم أَن ابْن تَيْمِية عَاشَ﵀- بَين الْقرن السَّابِع وَالثَّامِن، فَمَاذَا كَانَ عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأمة الإسلامية قبل وجود ابْن تَيْمِية بِخُصُوص هَذِه الْمَسْأَلَة؟.. هَل كَانُوا مُجْمِعِينَ على مَشْرُوعِيَّة شدّ الرّحال لزيارة الْقَبْر الشريف، أَو لزيارة النَّبِي ﷺ، كَمَا هُوَ تَعْبِير فضيلته؟.. وَهل إِجْمَاعهم على أَن هَذَا الْعَمَل وَاجِب أَو على أَنه مُسْتَحبّ أَو على أَنه مُبَاح؟. إِن كَانَ الْأَمر كَذَلِك أَلا يكون ابْن تَيْمِية خَارِجا على إِجْمَاع الْأمة هُوَ وَمن وَافقه؟.
أم أَنهم مجمعون على الْمَنْع؛ فَيكون السبكى وَمن وَافقه خَارِجين على الْإِجْمَاع؛ فيستحقون مَا يسْتَحقّهُ من خرق الْإِجْمَاع وَخرج عَلَيْهِ؟.. لَا ندرى أَي ذَلِك يكون الْجَواب عَلَيْهِ بنعم، فَأَي من هَذِه الأسئلة أجَاب عَلَيْهِ فضيلته بنعم؛ فَهِيَ ورطة لَا يَسْتَطِيع التَّخَلُّص مِنْهَا.
إِن الْخلاف قَائِم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مُنْذُ تكلم فِيهَا، وَإِن الْكَلَام فِيهَا وَالْخلاف حولهَا حَادث بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة من هَذِه الْأمة، أما زمن الْقُرُون الثَّلَاثَة فَلم يُوجد أحد يَقُول بِجَوَاز شدّ الرّحال لزيارة قبر من الْقُبُور؛ فضلا عَن الْوُجُوب أَو الِاسْتِحْبَاب.
والَّذِي أعتقده أَن فَضِيلَة الشَّيْخ لَا ينْسب وَلَا يرضى أَن ينْسب إِلَى مثل شيخ الْإِسْلَام ابْن تيمبة أَنه يخرج على إِجْمَاع الْأمة وَيضْرب بِهِ عرض الْحَائِط، وَيَأْتِي بِمذهب يُخَالِفهُ.
وَأَنا أعجب كثيرا كَيفَ فهم فَضِيلَة الشَّيْخ من عبارَة ابْن حجر وَمَا نَقله ابْن حجر عَن الْكرْمَانِي؛ كَيفَ فهم من ذَلِك أَن مبدأ الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَانَ على يَد ابْن تيميه؟.. أما أَنا فَأَقُول: هَذَا الْفَهم لَا وَجه لَهُ وَلَا مَأْخَذ من كَلَام الرجلَيْن، وَإِنَّمَا ذكرا أمرا وَقع فِي ذَلِك الزَّمَان دون أَن يَقُولَا فِيهِ إِنَّه مبدأ الْخلاف فِي تِلْكَ الْقَضِيَّة، وَكَيف يزعمان مَا فهمه فَضِيلَة الشَّيْخ مَعَ أَن الْخلاف فِيهَا قد نَشأ مُنْذُ وجد من يَقُول بِجَوَاز شدّ الرّحال لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ، وَمِمَّنْ نُقل عَنهُ هَذَا القَوْل الْغَزالِيّ وَمن لف لفه من المبتدعة، وَمِمَّنْ نُقل عَنْهُم القَوْل بِالْمَنْعِ قبل ابْن تَيْمِية بمئات من السنين القَاضِي عِيَاض، وَالْقَاضِي حُسَيْن، وَإِسْحَاق ابْن إِسْمَاعِيل، وَأَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَغَيرهم كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله، فَهَل خَفِي ذَلِك على الْكرْمَانِي وَابْن حجر؟.. أَنا أَقُول: لَيْسَ فِي كَلَامهمَا مَا يدل على أَن ذَلِك خَفِي عَلَيْهِمَا، وَلكنه خَفِي على فَضِيلَة الشَّيْخ فَليُرَاجع مكتبته من الْآن إِن أحب أَن يقف على الْحَقِيقَة، علما بِأَن الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين أَعْلَاهُ كلهم من الْمَالِكِيَّة، وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ هُوَ مَذْهَب مَالك نَفسه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
[ ١٩٢ ]
تمّ قَالَ فَضِيلَة الشَّيْخ - نقلا عَن ابْن حجر-:" إِن الْجُمْهُور أَجَازُوا بِالْإِجْمَاع شدّ الرّحال.. الخ.."
فنسأل فضيلته: هَل هَذَا التَّعْبِير صَحِيح؟ هَل هُنَاكَ إِجْمَاع لِلْجُمْهُورِ وَإِجْمَاع للْأمة كلهَا؟.. وَهل الْجُمْهُور عدد مَحْدُود معِين حَتَّى نعلم أَنهم اتَّفقُوا فَنَقُول أجمع الْجُمْهُور؟.. وَهل مَذْهَب الْجُمْهُور يُسمى إِجْمَاعًا؟ أَلَيْسَ إِذا قيل: (يرى الْجُمْهُور) فَمَعْنَى هَذَا أَن هُنَاكَ من يخالفهم مِمَّن يعْتد بِرَأْيهِ ويحسب لمذهبه؟.. وَهل خطأ الأول يسوغ الْخَطَأ للثَّانِي؟.. أَلَيْسَ على كل وَاحِد من الْعلمَاء أَن يحرص على أَن لَا يَقع فِيمَا وَقع فِيهِ غَيره من الأخطاء؟..
الصَّحِيح فِي نَظرنَا أَن هَذَا التَّعْبِير خطأ، وَأَن الْإِجْمَاع مَا اتّفق عَلَيْهِ المجتهدون من عُلَمَاء هَذِه الْأمة قاطبة، فِي عصر من العصور دون أَن يُخَالف وَاحِد مِنْهُم، وَبِدُون ذَلِك لَا ترد كلمة إِجْمَاع، وَإِنَّمَا يُقَال: يرى الْجُمْهُور كَذَا، أَو ذهب الْجُمْهُور إِلَى كَذَا.
ثمَّ مَن هَؤُلَاءِ الْمعبر عَنْهُم بالجمهور الَّذين يرَوْنَ جَوَاز شدّ الرّحال لزيارة قبر النَّبِي ﷺ؟ هَل هم جُمْهُور الصَّحَابَة، أم جُمْهُور التَّابِعين، أَو تابعيهم، أَو الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَمن فِي عصرهم، أَو جُمْهُور عُلَمَاء الْقرن الثَّالِث؟
لَا نَدْرِي أَي جُمْهُور هَذَا، غير أننا لَا نستبعد أَن يكون المُرَاد هُنَا جُمْهُور الْعَامَّة فِي الْقرن الرَّابِع وَمَا بعده، بِمَا فيهم بعض المبتدعة من الْعلمَاء أَو المنسوبين للْعلم.
إِن كَانَ أُولَئِكَ هم الْجُمْهُور المُرَاد فِي هَذَا الْمَوْضُوع فالنقل صَحِيح.
أما إِن كَانَ المُرَاد بِهِ جُمْهُور الْعلمَاء من أهل الْقرن الأول أَو الثَّانِي أَو الثَّالِث، أَو الملتزمين بِالسنةِ من الْعلمَاء إِلَى يَوْمنَا هَذَا فالنقل غلط وَالدَّعْوَى مَرْدُودَة، بل الصَّحِيح الْعَكْس على طول الْخط؛ فَفِي الْقُرُون الثَّلَاثَة لم يُوجد من يَقُول بِجَوَاز شدّ الرّحال لزيارة الْقُبُور من الْعلمَاء المعتبرين، وَبعد الثَّلَاثَة وجد من يرى ذَلِك، وَلَكِن مِمَّن شاركوا فِي الابتداع فِي الدّين وَمن لَا يتقيدون بالنصوص الشَّرْعِيَّة، وَلَا يميزون بَين الحَدِيث الصَّحِيح من غَيره، أَمْثَال أبي حَامِد الْغَزالِيّ، وَمَعَ الْأَيَّام اسْتَقَرَّتْ هَذِه الْبِدْعَة - بل الْمعْصِيَة - حَتَّى صَارَت عِنْد كثير من المنتسبين للْعلم أمرا وَاقعا لَا يجوز الْجِدَال فِيهِ، بل يساء الظَّن بِمن يُنكره أَو يتَرَدَّد فِي الْجَزْم بمشروعيته؛ فأولوا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي مِنْهُ وَمَا أثر عَن الْأَئِمَّة من إِنْكَاره كلما احْتج عَلَيْهِم المتمسكون بِالسنةِ بِحَدِيث أَو قَول إِمَام، كَقَوْلِهِم: إِن مَالِكًا كره اللَّفْظ فَقَط، وَإِلَّا فزيارة قبر النَّبِي ﵊ من أفضل الْأَعْمَال وَأجل القربات الموصلة إِلَى ذِي الْجلَال، دون أَن يقدموا أدنى دَلِيل من السّنة على صِحَة مَا زَعَمُوا.
ثمَّ نوجه هَذَا السُّؤَال إِلَى فَضِيلَة الشَّيْخ فَنَقُول: حسب علمنَا لَا يجوز أَن يعْتَبر الْجُمْهُور بِكَثْرَة الْعدَد فِي الشؤون العلمية والمذاهب الْفِقْهِيَّة والعقيدة الإبراهيمية المحمدية، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن ينظر إِلَى الكيف أَولا، وَبعد أَن نميز الْعلمَاء على الْحَقِيقَة لَا على الإدعاء والألقاب نَنْظُر بعد ذَلِك إِلَى مذاهبهم فِي مَسْأَلَة مَا، فَإِذا
[ ١٩٣ ]
وجدنَا كثرتهم ذَهَبُوا مذهبا، وقليلًا مِنْهُم ذهب مذهبا آخر قُلْنَا عَن مَذْهَب الْكَثْرَة: إِنَّه مَذْهَب الْجُمْهُور، أَي جُمْهُور الْعلمَاء الَّذين يسْتَحقُّونَ أَن يوصفوا بِالْعلمِ، أما مُجَرّد الْكَثْرَة فتسميتهم بالجمهور فِيهِ شئ من المغالطة والتغرير بِالنَّاسِ، أَرَأَيْت فِي زمن الإِمَام أَحْمد لما تبنى الْمَأْمُون فكرة القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَسقط فِي تِلْكَ الْفِتْنَة آلَاف الْعلمَاء بَين مقتنع ومداهن، ووقف بالمقابل عدد قَلِيل من الْعلمَاء قد لَا يبلغ عَددهمْ أَصَابِع الْيَد على رَأْسهمْ إِمَام أهل السّنة أَحْمد بن حَنْبَل، أَيجوزُ أَن يُقَال عَن مَذْهَب الْمَأْمُون وشلته مَذْهَب الْجُمْهُور، وَمذهب هَؤُلَاءِ الْقلَّة مَذْهَب شَاذ يُخَالف لجمهور الْمُسلمين؟..
وواقع الْأَمر فِي مَسْأَلَتنَا هَذِه هُوَ أَنه عبر بِكَلِمَة (الْجُمْهُور) عَمَّن هبّ ودب من عَالم مُبْتَدع وجاهل متعلم، وَصَارَ مَذْهَب فطاحل الْعلمَاء وأئمة الْهدى - أَمْثَال شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية - مذهبا شاذا مُخَالفا لِلْجُمْهُورِ.
وَصدق من قَالَ: "لَا تفتر بِالْبَاطِلِ لِكَثْرَة الهالكين وَلَا تزهد بِالْحَقِّ لقلَّة السالكين".
(ابْن تَيْمِية فِي زَمَنه هُوَ الْجُمْهُور حَتَّى وَلَو كَانَ وَحده خَاصَّة فِي مَوْضُوعَات العقيدة) ..
ونقول لفضيلة الشَّيْخ: نَحن نعتقد أَن ابْن تَيْمِية وَمن وَافقه فِي زَمَنه هُوَ الْجُمْهُور، خُصُوصا فِي أُمُور العقيدة؛ لالتزامهم بِالسنةِ الصَّحِيحَة مهما كلفهم الْأَمر، وَمن خَالفه فَهُوَ صَاحب الْمَذْهَب الشاذ وَحَتَّى وَلَو وَافقه أَكثر النَّاس؛ لِأَن الْحق بالبرهان وَالدَّلِيل لَا بكرَة الآخذين بِهِ وَقلة المتنكرين لَهُ.
وبرهانا على مَا قُلْنَا بِالنِّسْبَةِ لِابْنِ تيميه أَن من قَرَأَ كتبه وتتبع فَتَاوَاهُ وبحوثه ورسائله - وَهُوَ من أهل البصيرة فِي الدّين - يجد أَنه على مَذْهَب السّلف الصَّالح والرعيل الأول من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَمن على شاكلتهم من معاصريهم، فَهُوَ دَائِما يَدْعُو مخالفيه إِلَى الْكتاب وَالسّنة؛ فَيَقُول لَهُم: بيني وَبَيْنكُم كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ، فَمَا أثبتا فَهُوَ الثَّابِت وَمَا بطلا فَهُوَ الْبَاطِل، وَيَقُول لَهُم: إِذا اخْتَلَفْنَا فِي فهم آيَة أَو حَدِيث رَجعْنَا إِلَى فهوم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة المهديين من بعدهمْ؛ فَنَنْظُر بِمَاذَا فسروا تِلْكَ الْآيَة أَو ذَلِك الحَدِيث؛ فهم أعلم منا وأفْقَهُ للغة وَالشَّرْع.
فَمن كَانَ هَذَا مذْهبه وَهَذِه طَرِيقَته فَهُوَ وَمن وَافقه هم الْجُمْهُور مهما قلوا وَكثر مخالفوهم؛ لِأَن من تبع جُمْهُور السّلف من الْخلف فمذهبه مَذْهَب الْجُمْهُور، وَمن خَالف جُمْهُور السّلف من الْخلف فمذهبه خلاف مَذْهَب الْجُمْهُور، بل مَذْهَب شَاذ لَيْسَ حريًا بِالصَّوَابِ.
وَالْخُلَاصَة:
أَن من كَانَ مَعَ الدَّلِيل فَهُوَ على الصَّوَاب وَلَو كَانَ وَاحِدًا بَين جَمِيع أهل الأَرْض، وَمن قَالَ أَو عمل بِغَيْر دَلِيل فَهُوَ بعيد عَن الصَّوَاب وَلَو أَنهم أهل الأَرْض جَمِيعًا،
[ ١٩٤ ]
وبصرف النّظر عَن كل مَا تقدم وَعَن كل من تقدم قبل زمن ابْن تَيْمِية، وَعَن كل مَا هُوَ الْوَاقِع عِنْد التَّحْقِيق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، بل يَصح مَا قيل من أَن مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة جَوَاز شدّ الرّحال لزيارة الْقَبْر الشريف - وأعني بذلك زمن ابْن تَيْمِية دون غَيره من الْأَزْمِنَة - الصَّحِيح أَن الْوَاقِع بِالْعَكْسِ، وَهُوَ أَن مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء فِي ذَلِك الزَّمَان هُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ شيخ الْإِسْلَام، وَهُوَ طَاعَة الله وَرَسُول بِالْتِزَام مُقْتَضى حَدِيث "لَا تشد الرّحال " الخ.
وَقد ذكرنَا فِيمَا سبق أَن مَسْأَلَة شدّ الرّحال لزيارة الْقَبْر سَوَاء قبر النَّبِي ﷺ أَو غَيره لم يتَكَلَّم فِيهَا أحد من أهل الْعلم، وَلم تخطر على بَال أحد مِنْهُم فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة الأولى من تَارِيخ الْإِسْلَام؛ عملا مِنْهُم بِحَدِيث "لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد"؛ وَلذَلِك لما سُئِلَ الإِمَام مَالك عَمَّن نذر السّفر لزيارة الْقَبْر الشريف، نهى عَن الْوَفَاء بِهَذَا النّذر قَائِلا: إِن كَانَ مُرَاده الْمَسْجِد فليأت الْمَسْجِد وَليصل فِيهِ، وَإِن كَانَ مُرَاده الْقَبْر فَلَا يَأْته؛ لحَدِيث "لَا تعْمل الْمطِي ". انْظُر: الرَّد على الأخنائي
ص٣٥ قَالَ شيخ الْإِسْلَام - يَعْنِي الإِمَام مَالك-: ومذهبه الْمَعْرُوف فِي جَمِيع كتب أَصْحَابه الْكِبَار وَالصغَار الْمُدَوَّنَة لِابْنِ قَاسم، والتفريع لِابْنِ الْجلاب أَنه من نذر إتْيَان الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة إِن كَانَ أَرَادَ الصَّلَاة فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ وفَّى بنذره، وَإِن كَانَ أَرَادَ غير ذَلِك لم يوفّ بنذره.
قلت: وَمَعْلُوم أَن النّذر إِذا كَانَ فِيهِ طَاعَة الله وَجب الْوَفَاء بِهِ، وَإِذا كَانَ فِيهِ مَعْصِيّة حرم الْوَفَاء بِهِ، وَإِذا كَانَ فِي أَمر مُبَاح فَلَا يلْزم الْوَفَاء بِهِ، وَإِذا وفى بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَفِيد شَيْئا عِنْد الله؛ وَلِهَذَا لما كَانَ مَالك - ﵀يرى أَن شدّ الرّحال لزيارة قبر الني ﷺ دَاخل فِي النَّهْي الَّذِي تضمنه حَدِيث "لَا تشد الرّحال.." نهى عَن الْوَفَاء بِنذر من نذر السّفر لهَذِهِ الزِّيَارَة، وَاسْتدلَّ لذَلِك بِالْحَدِيثِ نَفسه.
أما الَّذِي حصل فِيهِ الْخلاف بَين أَئِمَّة السّلف حول مَوْضُوع الزِّيَارَة فَهُوَ مَسْأَلَة الْفرق بَين الْقَرِيب والبعيد بِالنِّسْبَةِ للسلام على رَسُول الله ﷺ؛ إِذْ قد رأى بَعضهم أَن السَّلَام من قريب يحصل بِهِ الرَّد مِنْهُ ﵇ دون السَّلَام عَلَيْهِ من بعيد؛ لِأَن هَذَا الْبَعْض أوّل حَدِيث "مَا من أحد يسلم عَليّ.." الخ. على أَنه خَاص بِمن سلم من قريب، وَكَذَلِكَ استأنسوا بِفعل عبد الله بن عمر ﵄؛ نُقل ذَلِك عَن الإِمَام أَحْمد وَابْن حبيب.
كَمَا ذهب الْبَعْض الآخر إِلَى عدم الْفرق بَين الْقَرِيب والبعيد كَمَا تقدم، وَمَعْلُوم أَن هَذَا لَا يدْخل فِي مَسْأَلَة شدّ الرّحال.
وَتقدم أَن ذكرنَا عددا من عُلَمَاء الْأمة الإسلامية قبل زمن ابْن تَيْمِية يحرمُونَ شدّ الرّحال لزيارة أَي قبر من الْقُبُور، ويستدلون بِحَدِيث " لَا تشد الرّحال.." مِنْهُم القَاضِي عِيَاض وَالْقَاضِي حُسَيْن وَأَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَإِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق، وَهُوَ مَذْهَب الإِمَام مَالك - ﵀- كَمَا تقدم، بل ورد عَنهُ قَوْله
[ ١٩٥ ]
لما سُئِلَ عَن نذر السّفر الزِّيَارَة الْقَبْر الشريف: لَا وَفَاء لنذر الْمعْصِيَة وَهَذَا مَعْصِيّة؛ لِأَن الحَدِيث يَقُولوَذكره.
ونعود الْآن إِلَى الْمَوْضُوع الَّذِي بدأنا الْكَلَام فِيهِ، وَهُوَ إِثْبَات كَون مَذْهَب ابْن تَيْمِية فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هُوَ مَذْهَب جُمْهُور عُلَمَاء زَمَانه فَنَقُول:
إِنَّه لما حصلت المناظرة بَين ابْن تَيْمِية وَبَعض الْقُضَاة الرسميين فِي مَسْأَلَة شدّ الرّحال، وَاخْتِلَاف بَعضهم مَعَه فِيهَا أثاروا الْحُكُومَة ضِدّه، وأغروها بِهِ فسجن ظلما بسببهم، - ودائمًا الْعَاجِز عَن إِقَامَة الْحجَّة يلجأ إِلَى قُوَّة الْحَاكِم؛ فيوهمه أَن خَصمه مجرم يَنْبَغِي التنكيل بِهِ وإهانته وإرغامه على الرُّجُوع عَن رَأْيه بِالْقُوَّةِ - فَلَمَّا سجن هبَّ الْعلمَاء من أقطار الْعَالم الإسلامية يطالبون الْحُكُومَة بالإفراج عَنهُ معلنين أمامها أَن مَا ذهب إِلَيْهِ هَذَا الرجل هُوَ وَالْحق وَالصَّوَاب، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْإِسْلَام قَدِيما وحديثًا.
انْظُر لذَلِك مَا دونه الإِمَام الْحَافِظ ابْن عبد الْهَادِي فِي كِتَابه الْعُقُود الدرية فِي مَنَاقِب شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، وَانْظُر هُنَاكَ كم كتابا نَقله عَن عُلَمَاء بَغْدَاد وَحدهَا لتعرف صِحَة مَا قَررنَا.
ملخصات لبَعض خطاباتهم:
وَأَنا أورد هُنَا مقتطفات مِمَّا تضمنته خطاباتهم:
قَالَ ابْن عبد الْهَادِي ص٣٤٢ من الْكتاب الْمشَار إِلَيْهِ - العنوان (انتصار عُلَمَاء بَغْدَاد للشَّيْخ فِي مَسْأَلَة شدّ الرّحال للقبور) - ثمَّ قَالَ: "وَقد وصل مَا أجَاب بِهِ الشَّيْخ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى عُلَمَاء بَغْدَاد؛ فَقَامُوا فِي الِانْتِصَار لَهُ وَكَتَبُوا بموافقته، وَرَأَيْت خطوطهم بذلك وَهَذِه صُورَة لما كتبُوا:
ملخص الْخطاب الأول:
ولَا ريب أَن الْمَمْلُوك وقف على مَا سُئِلَ عَنهُ الإِمَام الْعَلامَة وحيد دهره وفريد عصره تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية، وَمَا أجَاب بِهِ فَوَجَدته خُلَاصَة مَا قَالَه الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب حسب مَا اقْتَضَاهُ الْحَال من نَقله الصَّحِيح، وَمَا أدّى إِلَيْهِ الْبَحْث من الْإِلْزَام والالتزام لَا يداخله تحامل وَلَا يَعْتَرِيه تجاهل، وَلَيْسَ فِيهِ - وَالْعِيَاذ بِاللَّه - مَا يَقْتَضِي الإزراء والتنقيص بِمَنْزِلَة الرَّسُول ﷺ.
وَهل يجوز أَن يتَصَوَّر مُتَصَوّر أَن زِيَارَة قَبره تزيد فِي قدره؟.. وَهل تَركهَا مِمَّا ينقص من تَعْظِيمه؟ حاشا للرسول من ذَلِك..
إِلَى أَن قَالَ:
مَعَ أَن الْمَفْهُوم من كَلَام الْعلمَاء وأنظار الْعُقَلَاء أَن الزِّيَارَة لَيست عبَادَة وَطَاعَة لمجردها، حَتَّى لَو حلف أَنه يَأْتِي بِعبَادة أَو طَاعَة لم يبر بهَا - يَعْنِي الْقيام بزيارة الْقَبْر الشريف - مَا اعْتبر بارا بِيَمِينِهِ.
[ ١٩٦ ]
لَكِن القَاضِي ابْن كج - من متأخري أَصْحَابنَا - ذكر أَن نذر هَذِه الزِّيَارَة عِنْده قربَة تلتزم ناذرها.
وَهُوَ مُنْفَرد بِهِ لَا يساعده فِي ذَلِك نقل صَرِيح وَلَا قِيَاس صَحِيح، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ مُطلق الْخَبَر النَّبَوِيّ فِي قَوْله - ﵇ -: "لَا تشد الرّحال" إِلَى آخِره.. أَنه لَا يجوز شدّ الرّحال إِلَى غير مَا ذكر؛ فَإِن فعله كَانَ مُخَالفا لصريح النَّهْي، وَمُخَالفَة النَّهْي إِمَّا كفر أَو غَيره على قدر الْمنْهِي عَنهُ ووجوبه وتحريمه وَصفَة النَّهْي، والزيارة أخص من وَجه؛ فالزيارة بِغَيْر شدّ الرّحال غير مَنْهِيّ عَنْهَا وَمَعَ الشد مَنْهِيّ عَنْهَا.
حَرَّره ابْن الكتبي الشَّافِعِي..
ملخص كتاب آخر:
مَا أجَاب بِهِ الشَّيْخ الْأَجَل الأوحد، بَقِيَّة السّلف وقدوة الْخلف رَئِيس الْمُحَقِّقين وخلاصة المدققين تَقِيّ الْملَّة وَالْحق وَالدّين من الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة صَحِيح مَنْقُول فِي غير مَا كتاب أهل الْعلم لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي ذَلِك؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ ثلب للرسول - ﷺ - وَلَا غض من قدره ﵇، وَقد نَص الشَّيْخ أَبُو نَاصِر الْجُوَيْنِيّ فِي كتبه على تَحْرِيم السّفر لزيارة الْقُبُور، وَهَذَا اخْتِيَار القَاضِي الإِمَام بن مُوسَى فِي إكماله، وَهُوَ من أفضل الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَابنَا.
تمّ قَالَ: وَمن الْمُدَوَّنَة: "وَمن قَالَ عَليّ الْمَشْي إِلَى الْمَدِينَة أَو بَيت الْمُقَدّس؛ فَلَا يَأْتِيهَا أصلا إِلَّا أَن يُرِيد الصَّلَاة فِي مسجديهما فليأتهما، فَلم يَجْعَل نذر زِيَارَة قَبره - ﷺ - طَاعَة يجب الْوَفَاء بهَا؛ إِذْ من أصلنَا أَن من نذر طَاعَة لزمَه الْوَفَاء بهَا، وَكَانَ من جِنْسهَا مَا هُوَ وَاجِب بِالشَّرْعِ، كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، أَو لم يكن قَالَ القَاضِي أَبُو إِسْحَاق عقيب هَذِه الْمَسْأَلَة: لَوْلَا الصَّلَاة فيهمَا لما لزمَه إتيانهما"، ثمَّ ذكر أَن ذَلِك فِي كتب الْمَالِكِيَّة كالتقريب للقيرواني، والتنبيه لِابْنِ سِيرِين.
كتبه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْبَغْدَادِيّ، الْخَادِم للطائفة الْمَالِكِيَّة بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفَة المستنصرية.
ملخص كتاب ثَالِث:
بعد الْبَسْمَلَة وَالْحَمْد لَهُ وَالصَّلَاة وَالتَّسْلِيم على خير الْبَريَّة وَآله وصحابته قَالَ: مَا ذكره مَوْلَانَا الإِمَام الْعَالم الْعَامِل جَامع الْفَضَائِل بَحر الْعُلُوم، ومنشأ الْفضل جمال الدّين - جمل الله بِهِ الْإِسْلَام وأسبغ عَلَيْهِ سوابغ الْأَنْعَام - أُتِي فِيهِ بِالْحَقِّ الْجَلِيّ الْوَاضِح، وَعرض فِيهِ عَن أَعْضَاء الْمَشَايِخ؛ إِذْ السُّؤَال وَالْجَوَاب اللَّذَان تقدماه لَا يخفى على ذِي فطنة وعقل أَنه أُتِي فِي ذَا الْجَواب المطابق للسؤال بحكاية أَقْوَال الْعلمَاء الَّذين تقدموه، وَلم يبْق عَلَيْهِ فِي ذَلِك إِلَّا أَن يَعْتَرِضهُ معترض فِي نَقله فيبرزه لَهُ من كتب الْعلمَاء الَّذين حكى أَقْوَالهم، والمعترض لَهُ بالتشنيع إِمَّا جَاهِل لَا يعلم مَا يَقُول، أَو متجاهل ليحمله حقده وحمية الْجَاهِلِيَّة على رد مَا هُوَ عِنْد الْعلمَاء مَقْبُول، أعاذنا الله من غوائل الْحَسَد، وعصمنا من مخائل النكد.
كتبه الْفَقِير إِلَى رضوَان ربه: عبد الْمُؤمن ابْن عبد الْحق الْخَطِيب.
[ ١٩٧ ]
هَذِه ثَلَاثَة خطابات من مَجْمُوع عدد كَبِير من الخطابات الموجهة من عُلَمَاء بَغْدَاد إِلَى حُكُومَة الشَّام؛ للدفاع عَن ابْن تَيْمِية ومذهبه فِي مَسْأَلَة شدّ الرّحال، وَالشَّهَادَة مِنْهُم بِأَن مذْهبه فِيهَا هُوَ الْحق المتمشي مَعَ الحَدِيث الصَّحِيح، وَأَنه مَذْهَب جَمَاهِير عُلَمَاء الْأمة وَأَن من خَالفه فَلَا حجَّة مَعَه وَلَا بَيِّنَة لدعواه.
وَأَنا أُحِيل على كتاب (الْعُقُود الدرية فِي مَنَاقِب شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية) لِابْنِ عبد الْهَادِي؛ من أَرَادَ مزيدًا من الإطلاع والتأكد بِالنِّسْبَةِ لما لخصت من خطابات هَؤُلَاءِ الْعلمَاء، وبالنسبة لما تركت تجنباَ للإطالة؛ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ معي إِن الْجُمْهُور المزعوم - يَا فَضِيلَة الشَّيْخ - إِنَّمَا يُوجد فِي الخيال فَقَط، أما فِي عَالم الْحَقِيقَة فَلم يُوقف لَهُ على أثر وَلم يعثر لَهُ على خبر، هَذَا الْجُمْهُور الَّذِي يضْرب بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح عرض الْحَائِط أَو يؤوله حسب مزاجه وعاطفته؛ ليشرع للنَّاس مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَلم يكن من هدى رَسُول الله ﷺ!.
الْعَلامَة السهواني وَالشَّيْخ دحلان:
وَإِلَى فَضِيلَة الشَّيْخ خَاصَّة وطلبة الْعلم عَامَّة أنقل مَا سطره الْعَلامَة مُحَمَّد بشير السهواني الْهِنْدِيّ فِي كِتَابه (صِيَانة الْإِنْسَان عَن وَسْوَسَة الشَّيْخ دحلان)، قَالَ ﵀ - وَهُوَ يُنكر أَن يكون ثَبت عَن أحد من السّلف عمل الزِّيَارَة مُطلق حَتَّى وَلَو بِدُونِ شدّ رحال - قَالَ: وَكَذَلِكَ دَعْوَاهُ إِجْمَاع السّلف وَالْخلف على قَوْله - يَعْنِي قَول دحلان - فَإِن أَرَادَ بالسلف الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين تبعوهم بِإِحْسَان فَلَا يخفى أَن دَعْوَى إِجْمَاعهم مجاهرة بِالْكَذِبِ، وَقد ذكرنَا غير مرّة فِيمَا تقدم أَنه لم يثبت عَن أحد من الصَّحَابَة شَيْء فِي هَذَا، إِلَّا عَن عبد الله بن عمر وَحده؛ فَإِنَّهُ ثَبت عَنهُ إتْيَان الْقَبْر للسلام عِنْد الْقدوم من سَفَره، وَلم يَصح هَذَا عَن أحد غَيره وَلم يُوَافقهُ أحد من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ؛ لَا من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَلَا من غَيرهم، وَقد ذكر عبد الرازق فِي مُصَنفه عَن معمر عَن عبيد الله بن عمر أَنه قَالَ: مَا نعلم أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فعل ذَلِك إِلَّا عبد الله، ثمَّ قَالَ ﵀: وَكَيف ينْسب مَالك إِلَى مُخَالفَة إِجْمَاع السّلف وَالْخلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَهُوَ أعلم أهل زَمَانه بِعَمَل أهل الْمَدِينَة قَدِيما وحديثًا، وَهُوَ يُشَاهد التَّابِعين الَّذين شاهدوا الصَّحَابَة وهم جيرة الْمَسْجِد وأتبع النَّاس للصحابة، ثمَّ يمْنَع النَّاذِر من إتْيَان الْقَبْر، وَيُخَالف إِجْمَاع الْأمة؟ هَذَا لَا يَظُنّهُ إِلَّا جَاهِل كَاذِب على الصَّحَابَة وَأهل الْإِجْمَاع.
ثمَّ قَالَ: وَقد نهى عَليّ بن الْحُسَيْن زين العابدين - الَّذِي هُوَ أفضل أهل بَيته وأعلهم فِي وقته - ذَلِك الرجل الَّذِي كَانَ يَجِيء إِلَى فُرْجَة كَانَت عِنْد الْقَبْر فَيدْخل فِيهَا فيدعو، وَاحْتج عَلَيْهِ بِمَا سَمعه من أَبِيه عَن جده عَليّ بن أبي طَالب - ﵃- عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: "لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيدًا، وَلَا بُيُوتكُمْ قبورا؛ فَإِن تسليمكم يبلغنِي أَيْنَمَا كُنْتُم"، وَكَذَلِكَ ابْن عَمه الْحسن بن الْحسن بن عَليّ شيخ أهل بَيته كره أَن يقْصد الرجل الْقَبْر للسلام عَلَيْهِ وَنَحْوه عِنْد غير دُخُول الْمَسْجِد، وَرَأى أَن ذَلِك من اتِّخَاذه عيدًا، وَقَالَ للرجل الَّذِي رَآهُ عِنْد الْقَبْر: مَالِي رَأَيْتُك عِنْد الْقَبْر؟.. فَقَالَ: سلمت على النَّبِي
[ ١٩٨ ]
ﷺ، فَقَالَ: إِذا دخلت الْمَسْجِد فَسلم، ثمَّ قَالَ: إِن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: "لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيدًا وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر، لعن الله الْيَهُود اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد، وصلوا عَليّ؛ فَإِن صَلَاتكُمْ تبلغني حَيْثُمَا كُنْتُم"، ثمَّ قَالَ: مَا أَنْتُم وَمن بالأندلس إِلَّا سَوَاء.
تمّ قَالَ: الْعَلامَة السهسواني - ﵀ -: "كَذَلِك سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ أحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام، وقاضي الْمَدِينَة فِي عصر التَّابِعين ذكر عَنهُ ابْنه إِبْرَاهِيم أَنه كَانَ لَا يَأْتِي الْقَبْر قطّ، وَكَانَ يكره إِتْيَانه".
ثمَّ قَالَ - ﵀-: "أفيظن بهؤلاء السَّادة الْأَعْلَام أَنهم خالفوا الْإِجْمَاع، وَتركُوا تَعْظِيم رَسُول الله - ﷺ- وتنقصوه؛ لما لم يرَوا مَشْرُوعِيَّة زِيَارَة قَبره، عاملين بِالْحَدِيثِ الثَّابِت عَنهُ ﵇؟ "
ثمَّ قَالَ: "فَهَذَا لعمر الله هُوَ الْكَلَام الَّذِي تقشعر مِنْهُ الْجُلُود".
تمّ قَالَ: "وَلَيْسَ مَعَ عباد الْقُبُور من الْإِجْمَاع إِلَى مَا رَأَوْا عَلَيْهِ الْعَوام والطغاة فِي الْأَعْصَار الَّتِي قل بهَا الْعلم وَالدّين، وضعفت فِيهَا السّنَن الخ مَا كتبه - ﵀- من كَلَام صَحِيح وَتَحْقِيق يعجز عَن نقضه من ادّعى سواهُ".
قلت: إِن هَؤُلَاءِ الْعَوام والطغاة فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة - كَمَا أَشَارَ الْعَلامَة مُحَمَّد بشير السهسواني ﵀ - هم الجذور الَّذِي يعنيه من زعم أَن جَوَاز شدّ الرّحال لزيارة الْقَبْر الشريف هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور، وَالَّذِي نَقله فَضِيلَة الشَّيْخ عَطِيَّة مُوَافقا عَلَيْهِ أَو مستدلا بِهِ١.
وَأَقُول مرّة أُخْرَى: أَلَيْسَ مَذْهَب ابْن تَيْمِية أقرب إِلَى مَذْهَب خصومه مِمَّا نقل عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة من التَّابِعين وتابعيهم؟.. الْجَواب بِلَا؛ ذَلِك لِأَن ابْن تَيْمِية لَا يمْنَع زِيَارَة الْقَبْر الشريف مُطلقًا، بل يُصَرح بِأَن زيارته بِدُونِ شدّ رَحل عمل صَالح إِذا لم يصل الْأَمر إِلَى الْمُبَالغَة والغلو، كالإكثار من التَّرَدُّد عَلَيْهِ بِحَيْثُ يصل ذَلِك بالإنسان إِلَى اتِّخَاذه عيدًا، أَو يتَجَاوَز ذَلِك إِلَى دُعَائِهِ ﵇ والإستغاثة بِهِ، وَنَحْو ذَلِك من أُمُور الْعِبَادَة الَّتِي صرفهَا لغير الله كفر وشرك.
أما هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة فَكَمَا ترى النَّقْل عَنْهُم يرَوْنَ عدم مَشْرُوعِيَّة هَذِه الزِّيَارَة ونمها لَيست عملا صَالحا
_________________
(١) ١ يفهم من كَلَام الْكَاتِب وَمن كَلَام السهسواني الَّذِي نقل عَنهُ أَن زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ غير مَشْرُوعَة، وَلم تثبت عَن أحد من السّلف مُطلقًا، وَأَن مُجَرّد إِتْيَانه يعْتَبر اتِّخَاذه عيدا. وَهَذَا خلاف مَا يدل عَلَيْهِ عُمُوم قَوْله ﷺ: " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، أَلا فزروها فَإِنَّهَا تذكر الْآخِرَة"، وَقد خلط الْكَاتِب - عَفا الله عَنهُ - بَين حكم شدّ الرّحال وَبَين حكم زِيَارَة الْقَبْر نَفسه، وَالْفرق وَاضح بَين الْحكمَيْنِ لمن تَأمل؛ لِأَن شدّ الرّحال غير جَائِز لقصد الْقَبْر عِنْد التَّحْقِيق، أما زِيَارَة الْقَبْر بِدُونِ شدّ الرّحال فمشروعة، وَالله أعلم.. "الْمجلة".
[ ١٩٩ ]
وَينْهَوْنَ عَنْهَا، ويستدلون على ذَلِك بالأحاديث١.
فَلْينْظر الْمنصف، ولتأمل طَالب الْحق، وليتراجع المندفع على غير هدى، وليعلم أَن الدّين لَيْسَ بالعواطف وَلَيْسَ بالتقليد الْأَعْمَى، وَأَن أَي عَالم مهما ارْتَفَعت دَرَجَته وعلت مَنْزِلَته لَا يَنْبَغِي أَن يعْتَبر قَوْله ومذهبه واختياره أمورًا مسلمة غير قَابِلَة للمناقشة والتمحيص.
سُؤال موجه يُرْجَى الْجَواب عَلَيْهِ:
وَهَذَا سُؤال نوجهه إِلَى فَضِيلَة الشَّيْخ نرجوه الْجَواب عَلَيْهِ وَهُوَ:
إِذا كَانَ ابْن حجر قَالَ: يرى الْجُمْهُور بِالْإِجْمَاع جَوَاز شدّ الرّحال الخ، فبصرف النّظر عَمَّا تقدم من مناقشتنا لهَذِهِ الدَّعْوَى أصلا وفروعًا أَقُول الْآتِي: مادام أَن الْقَضِيَّة قَضِيَّة جَوَاز - أَعنِي إِبَاحَة فَقَط - فَمَا فَائِدَة هَذِه الزِّيَارَة؟.. أتريدون من الْإِنْسَان أَن يُسَافر من أقْصَى الأَرْض إِلَى أدناها يجوب المسافات الشاسعة والفيافي الْبَعِيدَة والقفار الموحشة، وَينْفق الْأَمْوَال ويعرض نَفسه للمخاطر؛ ليتوصل إِلَى أَمر مُبَاح غَايَة مَا فِيهِ أَنه غير محرم وَلَا مَكْرُوه؟..
يَا للعجب العجاب - يَعْنِي مُجَرّد سياحة لَا أقل وَلَا أَكثر -، هَذَا إِذا ثَبت أَن الصَّحِيح هُوَ هَذَا الْمَذْهَب الْمَنْسُوب لِلْجُمْهُورِ - كَمَا زَعَمُوا - فَمَعْنَى هَذَا أَن هُنَاكَ مذهبا آخر لغير الْجُمْهُور يرى عدم الْإِبَاحَة، وَهَذَا الْمَذْهَب الآخر قد يكون هُوَ الصَّوَاب٢؛ إِذْ إِنَّه لَا يلْزم أَن يكون الْحق دَائِما مَعَ الْجُمْهُور.
_________________
(١) ١ بل الحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ " كنت نَهَيْتُكُمْ.. الخ"، يدل على عكس مَا يرَاهُ الْكَاتِب، وَمَا نقل عَنْهُم وَسَمَّاهُمْ أَئِمَّة، وَقد أثبت شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية الْحق الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الْمَذْكُور، والعجيب من الْأَمر أَن الْكَاتِب نقل كَلَام شيخ الْإِسْلَام فِي هَذَا الْمَعْنى فِي نفس هَذِه الصفحة، ثمَّ تَركه دون تَعْلِيق، وَنقل كَلَام من تبنى فكرتهم من عدم مَشْرُوعِيَّة زِيَارَة الْقُبُور مُطلقًا، وَأَنه عمل غير صَالح وحبذه، ودعا إِلَيْهِ كَمَا ترى ٠٠"الْمجلة". ٢ بل الصَّوَاب هُوَ مَا ذكر فِي التَّعْلِيق رقم (١) .. "الْمجلة".
[ ٢٠٠ ]