وَقَالَ فَضِيلَة الشَّيْخ صَحَّ٥٧٨ نقلا عَن ابْن حجر: وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ على عدم شدّ الرّحال لمُجَرّد الزِّيَارَة، وَمَا روى عَن مَالك من كَرَاهِيَة أَن يُقَال: "زرت قبر النَّبِي ﷺ"، وَأجِيب على ذَلِك بِأَن كَرَاهِيَة مَالك للفظ فَقَط تأدبا، لَا أقل وَلَا أَكثر، لَا أَنه كره الزِّيَارَة؛ فَإِنَّهَا من أفضل الْأَعْمَال وَأجل القربات الموصلة إِلَى ذِي الْجلَال، وان مشروعيتها مَحل إِجْمَاع.
سطر الشَّيْخ هَذَا الْكَلَام وَلم يتعقبه بِحرف وَاحِد، بل إِن صَنِيعه فِيمَا كتبه بعد ذَلِك يدل على تَنْبِيه لهَذَا الْكَلَام وَرضَاهُ؛ فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم!!.
[ ٢٠٠ ]
فتعال معي أَيهَا الْأَخ الْمُحب للسّنة وَالتَّحْقِيق، والكاره للبدعة والتلفيق.. تعال لترى الْعَجَائِب:
أَولا: الْمَنْقُول عَن مَالك هُوَ كَرَاهِيَة الزِّيَارَة بِدُونِ شدّ رحال، بَيْنَمَا الْكَلَام هُنَا عَن مَسْأَلَة شدّ الرّحال؛ فبماذا نفسر صَنِيع الْحَافِظ ابْن حجر هَذَا؟.. إِن ابْن حجر كَغَيْرِهِ من النَّاس يُخطئ ويصيب.
ثَانِيًا: من الَّذِي أخبر ابْن حجر أَن كَرَاهِيَة مَالك للفظ فَقَط؟.. وَإِذا كَانَت الزِّيَارَة مَشْرُوعَة ومجمعا على مشروعيتها كَمَا زَعَمُوا كَيفَ يكره الإِمَام مَالك التَّلَفُّظ بذكرها؟ ١ هَل يكره مَالك للرجل أَن يَقُول: صليت أَو صمت أَو تَصَدَّقت أَو حججْت؟ وَقَوله: كره مَالك اللَّفْظ تأدبا، نقُول: يَا للعجب العجاب.. تأدب مَعَ من؟.. وَعَن مَاذَا؟.. أتأدبا مَعَ الشَّرْع بِأَن لَا يذكر مَا شَرعه؟.. أم تأدبا عَن ذكر الْمَشْرُوع فَلَا يتَلَفَّظ بِهِ اللِّسَان؟ وَهل هَذِه الْقَاعِدَة تسري على جَمِيع الْعِبَادَات؛ فيتأدب الْمُسلم عَن ذكرهَا؟.. أم هِيَ خَاصَّة بِهَذِهِ الْعِبَادَة الْمجمع عَلَيْهَا؟ ٢. ثمَّ مَا الَّذِي سوغ هَذَا الِانْتِقَال المفاجئ؟.. الحَدِيث عَن شدّ الرّحال.. وَذكر أَدِلَّة الْمُخَالف تعلق بِمُطلق الزِّيَارَة؟.. يَا لِلْإِسْلَامِ من أَهله.
ثمَّ هَذَا الْإِجْمَاع المزعوم هَل انْعَقَد على أساس دَلِيل من الْوَحْي؟.. أم بِدُونِ ذَلِك؟.. إِن كَانَ على أساس دَلِيل فَأَيْنَ ذهب ذَلِك الدَّلِيل؟.. ابْن حجر مُحدث كَبِير وإحاطته بالأحاديث لَا تكَاد تُوجد عِنْد غَيره بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة - هَذَا مبلغ علمي وَقد أكون على خطأ- فلِمَ لم يطلع على الدَّلِيل الَّذِي اسْتندَ إِلَيْهِ هَذَا الْإِجْمَاع؟.. وَإِن كَانَ قد اطلع فلِمَ لم يذكرهُ.؟
أم أَنه انْعَقَد على غير أساس من الْوَحْي؟.. إِن كَانَ كَذَلِك فلدينا أسئلة كَثِيرَة مِنْهَا:
أَولا: هَل يُوجد إِجْمَاع بِدُونِ مُسْتَند شَرْعِي؟..
ثَانِيًا: قدمنَا من القَوْل مَا يثبت أَن من أَئِمَّة الْإِسْلَام من ينْهَى عَن زِيَارَة الْقَبْر الشريف، فَأَيْنَ هم من الْإِجْمَاع وَأَيْنَ الْإِجْمَاع مِنْهُم؟
ثَالِثا: على مدعي الْإِجْمَاع أَن يُثبتهُ، وَإِلَّا فَهِيَ دَعْوَى بِلَا بَيِّنَة..
رَابِعا: إِذا كَانَت هَذِه الْمَسْأَلَة - ونعنى الزِّيَارَة فَقَط- مَحل إِجْمَاع، أَي مَشْرُوعِيَّة الزِّيَارَة؛ فَأَيْنَ الصَّحَابَة من هَذِه المشروعية وَمن هَذِه الْعِبَادَة؟.. هَل علمُوا بهَا؟ هاتوا برهانكم وأثبتوا دعواكم إِن كُنْتُم صَادِقين.
_________________
(١) ١ الصَّحِيح مَا تقدم أَن مَالك يكره مُطلق الزِّيَارَة لَا التَّلَفُّظ بهَا، أما شدّ الرّحال لَهَا فقد صرح بِتَحْرِيمِهِ كَمَا تقدم فِي أَكثر من مَوضِع من بحثنا هَذَا. الْمجلة.. (بل الصَّحِيح أَن الزِّيَارَة مَشْرُوعَة بِدُونِ شدّ الرّحال وَلَا معنى لكراهتها لفظا وَلَا معنى، وَلَا تفهم كَرَاهَة مُطلق الزِّيَارَة من قَول مَالك الْمشَار إِلَيْهِ، كَيفَ وَقد قَالَ النَّبِي ﵊: "أَلا فزوروها" فِي الحَدِيث الَّذِي تقدم ذكره فِي التَّعْلِيق السَّابِق. ٢ على حد زعمهم.
[ ٢٠١ ]
ثَالِثا: قَوْله: فَإِنَّهَا من أفضل الْأَعْمَال وَأجل القربات الموصلة إِلَى ذِي الْجلَال.
نقُول: هَذَا الْكَلَام لَا يَلِيق بِمثل الْحَافِظ ابْن حجر، وَلَا بِمثل فَضِيلَة أخينا فِي الله الشَّيْخ عَطِيَّة.
إِن الْحَافِظ ابْن حجر، وَكَذَلِكَ الشَّيْخ عَطِيَّة يعلمَانِ أَن التشريع من حق الله وَرَسُوله، وَلَا مدْخل فِيهِ لأحد من النَّاس سوى الرَّسُول ﵇ الَّذِي أخبرنَا الله جلّ وَعلا عَنهُ أَنه لَا يَأْتِي بِشَيْء من التشريع من تِلْقَاء نَفسه ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾؛ فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَكيف يسوغ للْعُلَمَاء أَن يَقُولُوا عَن مَسْأَلَة لَا دَلِيل إطلاقا على مشروعيتها لَا من الْكتاب وَلَا من السّنة وَلَا من الْإِجْمَاع.. كَيفَ يسوغ لَهُم أَن يدعوا أَنَّهَا من أفضل الْأَعْمَال وَأجل القربات الموصلة إِلَى ذِي الْجلَال..؟.
وَالْخُلَاصَة نقُول: يَا من زعمت مَشْرُوعِيَّة الزِّيَارَة بشد الرحل أَو بِدُونِ شدّ الرحل! تفضل علينا بِبَيَان دليلك؛ فإننا وَمن قبلنَا أَئِمَّتنَا أهل السّنة والتوحيد مُنْذُ ألف وَأَرْبَعمِائَة سنة والبحث جَار عَن دَلِيل هَذِه الْمَسْأَلَة وَلم يعثر عَلَيْهِ، فيا حبذا وَيَا عظم فَضلكُمْ لَو تقدمتم إِلَى أمة مُحَمَّد ﷺ بالكشف عَن هَذَا الدَّلِيل، وَإِلَّا فَارْجِعُوا إِلَى الْحق تؤجروا عِنْد الله، وتسلموا من تبعة القَوْل على الله وَرَسُوله بِلَا دَلِيل، وَلَكِن اعلموا مقدما أننا لَا نقبل حَدِيثا مَا لم تثبت صِحَّته عَن الْمُصْطَفى ﷺ، أما أَحَادِيث الوضاعين والدجالين الَّتِي كفانا مُؤنَة إِبْطَالهَا أهل الْعلم والدراية فَنحْن وَأَنْتُم متفقون على عدم الِالْتِفَات إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تقوم بهَا الْحجَّة وَلَا يجوز الِاسْتِدْلَال برهَا، وَنحن نُرِيد دَلِيلا من وَحي الرَّحْمَن١.
ثمَّ التَّعْبِير بقَوْلهمْ: "وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ على عدم مَشْرُوعِيَّة شدّ الرّحال" تَعْبِير رَكِيك نَاقص؛ إِذْ أَنه لَا يُوجد وَلم يُوجد من يَقُول إِن شدّ الرّحال- بِمُجَرَّدِهِ - مَشْرُوع أَو مَمْنُوع؛ فالتعبير الصَّحِيح أَن يُقَال: "وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ على عدم جَوَاز شدّ الرّحال لزيارة الْقُبُور.. الخ"، وَكَذَلِكَ قَوْلهم عَن المانعين إِنَّهُم استدلوا بِمَا روى عَن مَالك.. الخ. الصَّحِيح أَن قَول مَالك وَغَيره من الْعلمَاء لَا يسْتَدلّ بِهِ فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وَإِنَّمَا يسْتَدلّ بنصوص الشَّرْع إِن وجد شَيْء مِنْهَا فِي الْمَوْضُوع، وَإِلَّا نظر هَل حصل إِجْمَاع من الْأمة فِي حكم الْمَسْأَلَة المبحوثة، وَإِن لم يُوجد رَجَعَ إِلَى الْقيَاس إِن كَانَت الْمَسْأَلَة فِي غير العقيدة وَفِي غير الْعِبَادَات.
أما قَول الْعلمَاء كل وَاحِد على انْفِرَاد فَلَا يَنْبَغِي أَن يُسمى أَو يعْتَبر دَلِيلا تثبت بِهِ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وَإِنَّمَا يسْتَأْنس بِهِ فَقَط، كَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فهم هَذَا الإِمَام أَو الْعَالم لنَصّ من النُّصُوص أَو مذْهبه فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل، وَكَذَلِكَ يحْتَج بِهِ على من نسب إِلَى هَذَا الْعَالم خلاف مَا ثَبت عَنهُ، أما اعْتِبَار قَول مَالك أَو غَيره
_________________
(١) ١ أما مَشْرُوعِيَّة زِيَارَة الْقُبُور بِمَا فِي ذَلِك قبر رَسُول الله ﷺ - بِدُونِ شدّ الرّحال - فقد سبق أَن ذكرنَا فِي تعليقاتنا السَّابِقَة دليلها بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح: " كنت نَهَيْتُكُمْ الحَدِيث"، كَمَا نوهنا على أَن شدّ الرّحال غير جَائِز لغير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة؛ عملا بِحَدِيث: "لَا تشد الرّحال الحَدِيث" وَالَّذِي يُلَاحظ أَن الْكَاتِب يَقع أَحْيَانًا فِي الْخَلْط بَين الْأَمريْنِ. "الْمجلة".
[ ٢٠٢ ]
دَلِيلا من أَدِلَّة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة دون أَن يكون هُنَاكَ إِجْمَاع من عُلَمَاء الْأمة فاصطلاح غير مَقْبُول، كَمَا أَنه لَا يصدر إِلَّا عَن إِنْسَان مبالغ فِي تَعْظِيم الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة والآراء البشرية إِلَى حد إحلالها مَحل النُّصُوص الشَّرْعِيَّة- عياذا بِاللَّه -.
[ ٢٠٣ ]