الأذان إذا جلس الخطيب على المنبر:
عن السائب بن يزيد قال: «إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان خلافة عثمان ﵁وكثروا- أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك، فلم يعب الناس ذلك عليه، وقد عابوا عليه حين أتَّم الصلاة بمنى» (٢) وفي هذا الحديث فائدتان:
الأولى: أن الأذان يوم الجمعة يكون جلوس الإمام على لمنبر.
الثانية: أن السنة الأذان الواحد للجمعة حين جلوس الإمام، وأما فعل عثمان ﵁ فلا يحسن الاقتداء به في عصرنا، فهو إنما زاد الأذان الأول لعلة معقولة وهي كثرة الناس وتباعد منازلهم عن المسجد النبوي فأراد إعلامهم بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، فمن صرف النظر عن هذه العلة، وتمسك بأذان عثمان مطلقًا لا يكون مقتديًا به ﷺ بل هو مخالف له حيث لم ينظر بعين الاعتبار إلى تلك العلة التي لولاها لما كان لعثمان أن يزيد على سنة النبي ﷺ وخليفتيه.
ولا يخفى أن هذا الإعلام حاصل في عصرنا بدون زيادة هذا الأذان، إذ لا يكاد المرء يمشي خطوات حتى يسمع أذان الجمعة من على المنارات وقد وضع عليها الآلات المكبرة للأصوات مع انتشار «ساعات ضبط الوقت» ونحو ذلك (٣).
_________________
(١) انظر: «اللمعة في حكم الاجتماع للدرس قبل الجمعة» لمحمد موسى نصر.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٩١٦)، وأبو داود (١٠٨٧)، والترمذي (٥١٦)، والنسائي (٣/ ١٠١)، وابن ماجه (١١٣٥).
(٣) انظر: «الأجوبة النافعة» للألباني -﵀- (ص: ٢٨).
[ ١ / ٥٧٩ ]
ومع هذا فقد كان ابن عمر ينكر على عثمان الأذان الأول، فيقول: «إنما كان النبي صلى الله عليه
وسلم إذا صعد المنبر، أذَّن بلال، فإذا فرغ النبي ﷺ من خطبته أقام الصلاة، والأذان الأول بدعة» (١).
وعلى كلٍّ فإن وجد السبب المقتضي للأخذ بأذان عثمان ﵁، وضع في مكان الحاجة والمصلحة وإلا فلا يزاد على سنة النبي ﷺ وصاحبيه، والله أعلم.
لأذان الجمعة وقتان:
(أ) عند الزوال وعند جلوس الإمام على المنبر:
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن وقت الجمعة وقت الظهر بعد الزوال لأن الجمعة بدل عن الظهر (!!) إلا أنهم استحبوا تعجيلها في أول وقتها بعد الزوال واستدلوا:
١ - بحديث سلمة بن الأكوع قال: «كنا نجمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء» (٢).
٢ - وحديث أنس: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» (٣).
(ب) قبل الزوال إذا جلس الإمام على المنبر:
وقد أجازه الإمام أحمد -﵀- واستدل بالحديثين السابقين، فظاهرهما أن الصلاة هي التي كانت حين الزوال فدلَّ ذلك على أن الأذان قبل ذلك، وأصرح منهما:
٣ - حديث جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا، فنزيحها حين تزول الشمس، يعني: النواضح» (٤).
وقد صحت عدة آثار عن الصحابة ﵃ تفيد جواز الأذان للجمعة قبل الزوال، منها:
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٨).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٩٠٤)، وأبو داود (١٠٨٤)، والترمذي (٥٠٣)، وأحمد (٣/ ١٢٨).
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٨٥٨)، والنسائي (٣/ ١٠٠)، وأحمد (٣/ ٣٣١).
[ ١ / ٥٨٠ ]
٤ - عن أبي رزين قال: «كنا نصلي مع عليٍّ الجمعة، فأحيانًا نجد فيئًا وأحيانًا لا نجده» (١).
٥ - عن عبد الله بن سلمة قال: «صلى بنا عبد الله (يعني: ابن مسعود) الجمعة ضحىً، وقال: خشيت عليكم الحر» (٢).
٦ - عن بلال العبسي: «أن عمَّارًا صلى بالناس الجمعة والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت
الشمس، وبعضهم يقول: لم تزل» (٣).
٧ - وعن سماك بن حرب قال: «كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعد ما تزول الشمس» (٤).
يحرم البيع بعد أذان الجمعة: لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ (٥).
والنهي -عند الجمهور- يشمل البيع والنكاح وسائر العقود، وقال الحنابلة، ووافقهم ابن حزم: لا يحرم غير البيع.
وهل يصح البيع بعد الأذان؟ قولان للعلماء مبنيان على أن النهي هل يقتضي الفساد مطلقًا أم لا؟ والجمهور من الحنفية والشافعية وبعض المالكية على صحته لأن المنع منه لمعنى في غير البيع خارج عنه وهو ترك السعي، فكان البيع في الأصل جائزًا لكنه يكره تحريمًا.
والمشهور عند المالكية والحنابلة أن البيع فاسد غير منعقد.