١، ٢ - صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس:
فقد ثبت النهي عن صلاة التطوع في هذين الوقتين، والأصل في هذا:
(أ) حديث ابن عباس قال: «شهد عندي رجال مرضيون -وأرضاهم عند عمر ﵁- أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس» (٥).
_________________
(١) «الأم» (١/ ١٦١)، و«المجموع» (٤/ ٢٤٩)، و«المغنى» (١/ ٥٧٠)، و«اختلاف العلماء» (ص ٦٠).
(٢) «روضة الطالبين» (١/ ٣٣٧)، و«الإنصاف» (٢/ ١٧٨)، وانظر المذاهب الأخرى في «نيل الأوطار» (٣/ ٤٤ - ٣٤).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٥)، وأبو داود (٤٣٩)، والنسائي (٢/ ١٠٥).
(٤) حسن: أخرجه أحمد (١/ ٤٥٠)، وابن حبان (١٥٨٠).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٥٨١)، ومسلم (٨٢٦).
[ ١ / ٢٦٤ ]
(ب) حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» (١).
٣ - وقت الزوال (عند قائم الظهيرة):
لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف (٢) الشمس للغروب حتى تغرب» (٣).
علة النهي:
وقد بيَّن النبي ﷺ علة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات بقوله لعمرو بن عبسة: «صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنه حينئذ تُسجَّر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار» (٤).
ما يستثنى من النهي:
[١] عند الظهيرة يوم الجمعة: فإنه يستحب للمرء التنفل مطلقًا قبل صلاة الجمعة حتى يخرج الإمام، فإذا خرج امتنع من صلاة التطوع، قال ﷺ: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، فيتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهن، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام -إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٥).
وبهذا قال الشافعي -﵀- مستدلًاّ بهذا الحديث وبحديث أبي هريرة:
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٨٦)، ومسلم (٨٢٧).
(٢) تضيَّف الشمس: تميل الغروب.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٨٣١).
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٨٣٢).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٨٨٣).
[ ١ / ٢٦٥ ]
«أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة» (١) لكنه ضعيف ويغني عنه ما ذكرت ولله الحمد.
وللعلماء قولان آخران: الأول: أنه لا يكره الصلاة نصف النهار مطلقًا في الجمعة وغيرها على سواء، وهو مذهب مالك، وحجته عمل أهل المدينة، وهو مردود بالأحاديث المتقدمة.
والثاني: أنه يكره الصلاة نصف النهار مطلقًا في الجمعة وغيرها، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد.
ومذهب الشافعي أرجح، وهو اختيار شيخ الإسلام (٢).
[٢] صلاة ركعتي الطواف بالبيت الحرام:
فلا مانع من إيقاع ركعتي الطواف في أوقات النهي المتقدمة لما يأتي:
(أ) حديث جبير بن مطعم ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يا بني عبد مناف، لا تمنعواأحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى في أي ساعة شاء من الليل أو النهار» (٣).
(ب) أنه فعله ابن عباس والحسن والحسين وبعض السلف.
(جـ) أن ركعتي الطواف تابعتان له، فإذا أبيح المتبوع ينبغي أن يباح التبع.
وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وهو مروي عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاوس وأبي ثور (٤).
[٣] قضاء الفوائت في أوقات النهي:
وقد اختلف أهل العلم في حكم قضاء الفائتة في أوقات النهي على قولين:
الأول: لا يجوز في أوقات النهي: وهو مذهب أبي حنيفة وأصحاب الرأي (٥) وحجتهم:
١ - «أن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس أخرَّها حتى ابيضت الشمس» (٦).
_________________
(١) إسناده تالف: أخرجه الشافعي في «الأم» (١/ ٢٢٦)، وعنه البيهقي (٢/ ٤٦٤).
(٢) «زاد المعاد» لابن القيم (١/ ٣٧٨) ط. الرسالة.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذي (٨٦٩)، والنسائي (١/ ٢٨٤)، وابن ماجه (١٢٥٤).
(٤) «الأم» (١/ ١٥٠)، و«المجموع» (٤/ ٧٢)، و«المغنى» (٢/ ٨١).
(٥) «المبسوط» (١/ ١٥٠).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢) عن عمران بن حصين.
[ ١ / ٢٦٦ ]
٢ - أنها صلاة، فلم تجوز في هذه الأوقات كالنوافل.
٣ - ما رُوي عن أبي بكرة ﵁ «أنه نام في دالية، فاستيقظ عند غروب الشمس، فانتظر حتى غابت الشمس ثم صلاها» (١).
٤ - ما رُوي عن كعب بن عجرة: «أن ابنه نام حتى طلع قرن الشمس فأجلسه، فلما أن تعالت الشمس قال له: صلِّ الآن» (٢).
الثاني: يجوز قضاء الفوائت في أوقات النهي وغيرها: وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور الصحابة والتابعين (٣)، وحجتهم:
١ - قول النبي ﷺ «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (٤).
٢ - حديث أبي قتادة مرفوعًا: «إنما التفريط في اليقظة على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها» (٥).
ففيهما الأمر بالصلاة حين ذكرها أو الاستيقاظ لها من غير استثناء لأوقات النهي.
قلت: وهذا هو الراجح، وأما تأخير النبي ﷺ الصلاة حتى ابيضَّت الشمس فهم لم يوقظهم إلا حر الشمس أصلًا، وقد تقدم أنه ﷺ بيَّن أن العلة أنه «مكان حضر فيه الشيطان» فجعل المانع من الصلاة المكان لا الزمان، والله أعلم.
[٤] قضاء السنن الرواتب في أوقات النهي:
يجوز قضاء السنن الرواتب ولو في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لما يأتي:
(أ) حديث أم سلمة أنها رأت النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد العصر فسألته عن ذلك فقال: «يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، فإنه أتاني أناس من بني عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (٦).
(ب) ما روي عن قيس بن عمرو قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر، فقال: «ما هاتان الركعتان يا قيس؟» قلت: يا
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٦٦)، وعبد الرزاق (٢٢٥٠).
(٢) إسناده ضعيف: ذكري الترمذي تعليقًا (١/ ١٥٨)، ووصله ابن أبي شيبة (٢/ ٦٦).
(٣) «المدونة» (١/ ١٣٠)، و«الأم» (١/ ١٤٨)، و«المغنى» (٢/ ٨٠)، و«الأوسط» (٢/ ٤١١).
(٤) صحيح: تقدم كثيرًا.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٣١١) وغيره وقد تقدم.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٢٩٧).
[ ١ / ٢٦٧ ]
رسول الله، لم أكن صليت ركعتي الفجر، قال: «فسكت عنه» (١) وفي رواية «فلم ينكر ذلك عليه».
(جـ) لعموم قوله ﷺ: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها » وهذا مذهب مالك والشافعي (٢).
[٥] الصلاة على الجنازة بعد الصبح والعصر:
أجمع العلماء على جواز الصلاة على الجنازة بعد صلاة الصبح والعصر (٣).
ثم اختلفوا في إيقاعها في الأوقات المذكورة في حديث عقبة بن عامر: حين تطلع الشمس حتى ترتفع، وعند قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب، على قولين:
الأول: لا تجوز صلاة الجنازة في هذه الأوقات الثلاثة: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم (٤)، لحديث عقبة بن عامر قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا فذكرها» (٥).
الثاني: يجوز صلاة الجنازة في جميع أوقات النهي: وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد (٦) وحجة الشافعي أنها صلا ذات سبب فتستثنى من النهي.
قلت: الأظهر أنها لا تجوز في هذه الأوقات الثلاثة لأجل النص، لأن فيه مع النهي عن الصلاة، النهي عن الدفن فيها فيتناول النهي عن الصلاة على الجنازة فيها، فيمنع استثناءها من النهي، ثم إن هذه الأوقات الثلاثة قصيرة وليس في الانتظار حتى تفوت ما يخشى منه والله أعلم.
[٦] الصلوات التي لها سبب: كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الكسوف ونحوها فهذه اختلف فيها العلماء على قولين:
_________________
(١) حسن بطرقه: أخرجه أبو داود (١٢٦٧)، والترمذي (٤٢٢)، وأحمد (٥/ ٤٤٧) وهو مرسل وله طريق أخرى عند ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٩١)، والحاكم (١/ ٢٧٤)، والبيهقي (٢/ ٤٨٣) وبمجموعها يحسن الحديث.
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ١٣٧)، و«الأم» (١/ ١٤٩).
(٣) نقله ابن قدامة في «المغنى» (٢/ ٨٢).
(٤) «المدونة» (١/ ١٩٠)، و«المبسوط» (١/ ١٥٢)، و«المغنى» (٢/ ٨٢)، و«معالم السنن» (١/ ٣١٣).
(٥) صحيح: تقدم قريبًا.
(٦) «الأم» (١/ ١٥٠)، و«المجموع» (٤/ ٦٨).
[ ١ / ٢٦٨ ]
الأول: لا تجوز في أوقات النهي: وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد (١).
الثاني: يجوز، وهو مذهب الشافعي (٢) والرواية الثانية عن أحمد، وحجتهم:
١ - أنه ثبت جواز ركعتي الطواف في كل وقت، وقد تقدم.
٢ - ثبت جواز الصلاة عقيب الوضوء في أي وقت، كما في حديث بلال وسؤال النبي ﷺ له: أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام فقال: ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي» (٣).
٣ - قوله ﷺ في الكسوف: «فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة» (٤).
٤ - أن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٥).
٥ - ثبوت صلاة النبي ﷺ سنة الظهر بعد العصر كما تقدم.
٦ - الإجماع على جواز الصلاة على الجنازة بعد الصبح والعصر.
قالوا: فهذه كلها صلوات ذوات سبب وجاز فعلها مطلقًا، فتستثنى من النهي.
قلت: ويُستدل لهذا المذهب كذلك بما يلي:
٧ - حديث أبي ذر عن رسول الله ﷺ قال: «يا أبا ذر، كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة (أو قال: يؤخرون الصلاة عن وقتها» قلت: فبما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، فإذا أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة» (٦).
وفي حديث ابن مسعود موقوفًا: «ستكون أمراء يسيئون الصلاة يخنقونها إلى شَرَق الموتى، (يعني: إلى آخر النهار) » (٧) وذكر نحو حديث أبي ذر، فأجاز النافلة في وقت الكراهة للسبب المذكور.
_________________
(١) «المبسوط» (١/ ١٥٢)، و«شرح فتح القدير» (١/ ٢٠٤)، و«المغنى» (٢/ ٩٠).
(٢) «الأم» (١/ ١٤٩)، و«المجموع» (٤/ ٦٩).
(٣) صحيح: تقدم في «الوضوء».
(٤) صحيح: يأتي في «صلاة الكسوف».
(٥) صحيح: يأتي في «صلاة التطوع».
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (٦٤٨)، وأبو داود (٤٣١)، وانظر «تعظيم قدر الصلاة» (١٠٠٨) بتحقيقي.
(٧) صحيح: أخرجه مسلم (٥٣٤) وغيره، وانظر «قدر الصلاة» (١٠١٥) بتحقيقي.
[ ١ / ٢٦٩ ]
٨ - حديث يزيد بن الأسود قال: شهدت مع رسول الله ﷺ حجَّته، فصليتُ معه صلاة الصبح في مسجد الخيف من منى، فلما قضى صلاته إذا رجلان في آخر الناس لم يصليا، فأُتي بهما ترعُد فرائضهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» قالا: يا رسول الله، كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» (١) قال الخطابيُّ: وفي قوله: (فإنها نافلة) دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب. اهـ (٢).
قلت: وعلى ما تقدم فإن النهي عن الصلاة في الأوقات الواردة في النصوص خاص بمطلق التنفل من غير سبب، وبمن قصد تحرى الصلاة فيها، ويؤيده حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتحرَّى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها» (٣).
فائدة: أوقات النهي المتقدمة إنما هي ما كان النهي فيها متعلقًا بالأوقات الأصلية، وهناك أوقات أخرى نهى عن الصلاة فيها لتعلقها بأمر خارج عن أصل الوقت، وستأتي مفرقة في مواضعها في «صلاة التطوع» إن شاء الله.