التيمم لغة وشرعًا (٢):
التيمم لغة: القصد، يقال: (تيممت فلانًا ويممته وتأممته وأممته، أي: قصدته).
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (٣).
وشرعًا: القصد إلى الصعيد (وجه الأرض) للتطهير لاستباحة ما يبيحه الوضوء والغسل.
مشروعية التيمم:
ثبتت مشروعية التيمم بالكتاب والسنة والإجماع:
١ - فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤).
٢ - ومن السنة:
-قول النبي ﷺ: «جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وعنده طهوره» (٥).
-وحديث عمران بن حصين قال: صلى رسول الله ﷺ ثم رأى رجلًا معتزلًا لم يصلِّ مع القوم، فقال: «يا فلان، ما منعك ألا تصلي مع القوم؟» فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» فلما حضر الماء أعطى النبي ﷺ هذا الرجل إناء من ماء فقال: «اغتسل به» (٦).
٣ - وأما الإجماع: فقال: ابن قدامة في «المغنى (١/ ١٤٨):
_________________
(١) استفدت كثيرًا في هذا الباب من بحث كان أعدَّه شقيقي طارق سالم -أثابه الله- تمهيدًا للحصول على «الماجستير» في الشريعة.
(٢) المجموع (٢/ ٢٣٨)، والمغنى (١/ ١٤٨)، والمبسوط (١/ ١٠٦).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٥) حسن: أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٢) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٣٤٨)، ومسلم (١٥٣٥).
[ ١ / ١٨٨ ]
«وأما الإجماع، فأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة» اهـ.
عَمَّ يجزئ التيمم؟
التيمم بدل عن الوضوء والغسل عند انعدام الماء أو تعذُّر استعماله، قال النووي: هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود (١) وإبراهيم النخعي التابعي، فإنهم منعوه [يعني: منعوا التيمم عن الحدث الأكبر] قال ابن الصباغ وغيره: وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا.
واحتج أصحابنا والجمهور بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو عائد إلى المحدث والجنب جميعًا اهـ (٢).
قلت: وثمة دليل آخر على مشروعية التيمم من الحدث الأكبر، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣).
فالمراد بالملامسة في الآية: الجماع، على قول فريق من أهل العلم منهم ابن عباس ﵄ (٤).
ثم قد صح عن النبي ﷺ ما يدل على إجزاء التيمم عن الجنابة ومن ذلك:
١ - حديث عمران بن حصين المتقدم وفيه قول النبي ﷺ لمن أصابته جنابة: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» (٥).
٢ - حديث عمار بن ياسر قال: أجنبت فتمعَّكْت في التراب، فأخبرت
_________________
(١) جاء في صحيح البخاري (٣٤٥)، ومسلم (٧٩٦) منع ابن مسعود التيمم من الجنابة، واحتجاج أبي موسى عليه بالآية، قلت: لعل منع ابن مسعود ذلك مُخَرَّج على ما صح عنه عند الطبري (٩٦٠٦) في تفسيره لقوله تعالى ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بأن «الملامسة ما دون الجماع» فليُحرر.
(٢) المجموع (٢/ ٢٤٠).
(٣) سورة النساء، الآية: ٤٣.
(٤) «تفسير الطبري» (٩٥٨٣) بسند صحيح عنه.
(٥) متفق عليه: وتقدم قريبًا.
[ ١ / ١٨٩ ]
النبي ﷺ بذلك، فقال: «إنما كان يكفيك هكذا: وضرب يديه على الأرض، ومسح وجهه وكفيه» (١).
هل يُيَّمَّم الميت إذا عُدم الماء؟
يُيمم الميت كالحي إذا عدَم الماء، لأن غسله فرض، وقد تقدم أن التراب طهور إذا لم يوجد الماء، وهذا عام لكل طهور واجب ولا خلاف في أن كل غسل طهور (٢).
الأحوال التي يباح فيها التيمم
يُباح التيمم في حالتين:
١ - عند انعدام الماء سواء في السفر أو الحضر.
٢ - عند تعذُّر استعماله، ولهذا صور تأتي، إن شاء الله.
قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٣).
لا يشترط أن يكون السفر طويلًا حتى يشرع للمسافر التيمم.
للمسافر -إذا عدم الماء- أن يتيمم سواء كان سفره طويلًا أو قصيرًا في أصح قولي العلماء (٤)، لإطلاق السفر في الآية الكريمة.
ويشهد لذلك:
١ - حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام النبي ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله ﵎ آية التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ » (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٧٩٨).
(٢) انظر المحلى (٢/ ١٥٨).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٤) المحلى (٢/ ١١٦)، والمغنى (١/ ١٤٨).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٣٣٤)، ومسلم (٧٦٤).
[ ١ / ١٩٠ ]
٢ - وعن ابن عمر: «أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم فمسح وجهه ويديه، وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة» (١).
قال الشافعي: (الجرف) قريب من المدينة.
الصحيح أن المسافر يتيمم في سفره -إذا عدم الماء- سواء سافر لطاعة أو لمعصية، لأن التيمم عزيمة فلا يجوز تركه بخلاف بقية الرخص، ولأنه حكم لا يختص بالسفر فأبيح في سفر المعصية كمسح يوم وليلة (٢).
قلت: ولأنه لا يسقط عنه فرض فلزمه أن يحقق شرط صحتها (التيمم) ويبقى في حقه الإثم لأجل سفر المعصية. والله أعلم.
من كان معه ماء لا يكفي إلا لبعض أعضائه: فلأهل العلم في هذه المسألة مذهبان:
الأول: أنه يغسل ما استطاع من أعضاء ويتيمم عن الباقي:
وهو مذهب أحمد، وأحد القولين للشافعي، وبه قال ابن حزم (٣) وحجتهم:
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤).
وقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (٥).
قال ابن حزم: وهذا مستطيع لأن يأتي ببعض وضوئه أو ببعض غسله، غير مستطيع على باقيه، ففرض عليه أن يأتي من الغسل بما يستطيع في الأول من أعضاء الوضوء وأعضاء الغسل حيث بلغ، فإذا نفد لزمه التيمم لباقي أعضائه ولابد، لأنه غير واجد للماء في تطهيرها، فالواجب عليه تعويض التراب كما أمره الله تعالى اهـ.
الثاني: أنه يتيمم ابتداء: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحد القولين عند الشافعية، وبه قال جماعة من السلف (٦).
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه مالك (الطهارة - ص ٧٣)، والبيهقي (١/ ٢٢٤).
(٢) المحلى (٢/ ١١٦)، والمغنى (١/ ١٤٨).
(٣) المحلى (٢/ ١٣٧)، والمغنى (١/ ١٥٠)، والأوسط (٢/ ٣٢).
(٤) سورة التغابن، الآية: ١٦.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (٣١٩٩).
(٦) المجموع (٢/ ٣١٢)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٤٥٣).
[ ١ / ١٩١ ]
قالوا: لأنه لا يجمع بين طهارة الماء وطهارة التيمم، إما هذا وإما هذا، واحتج ابن المنذر لهذا المذهب فقال (١):
«قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ الآية، فأوجب على الجنب الاغتسال بالماء، فإن لم يجد تيمَّمَ، وأوجب على المُظاهر رقبة، فإن لم يجد صام شهرين، فلما كان الواجد بعض رقبة في معنى من لا يجد، وفرضه الصوم، كان الواجد من الماء ما يغسل به بعض بدنه في معنى من لا يجد، وفرضه الصوم، كان الواجد من الماء ما يغسل به بعض بدنه في معنى من لا يجد وفرضه التيمم، والجواب في المتمتع يجد بعض ثمن الهدى، والحانث في يمينه يجد ما يطعم أقل من عشرة مساكين، حكم من ذكرنا، فأما أن يفرض على بعض من ذكرنا فرضين فغير جائز» اهـ.
قلت: ولعل الأظهر أنه يتيمم ابتداءً، لعدم الجمع بين الأصل والبدل، ولأنه لو لم يكن معه ما يكفي جميع أعضاء الوضوء أو الغسل، فاستعمل البدل (التيمم) فإنه يكون أتى ما استطاع من أمر الله ورسوله كذلك، على أن الذي يظهر لي أن هذا الذي يتيمم بعد غسل بعض الأعضاء إنما حصلت له الطهارة بالتيمم وحده لا بمجموع الغسل والتيمم، فلم يكن لغسل بعض الأعضاء -مع تيقن عدم كفاية الماء - معنى والله أعلم.
من كان معه ماء، إلا أنه يخاف على نفسه أو رفيقه أو دابته العطش إن استعمله:
قال ابن المنذر (٢):
«أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا خشي على نفسه العطش ومعه مقدار يتطهر به من الماء، أنه يُبقى ماءه للشرب ويتيمم» اهـ.
وقال ابن قدامة (٣): «والخائف على بهائمه خائف من ضياع ماله فأشبه ما لو وجد ماء بينه وبينه لص أو سبع يخافه على بهيمته أو شيء من ماله، وإن وجد عطشان يخاف تلفه لزمه سقيه وتيمم» اهـ.
_________________
(١) الأوسط لابن المنذر (٢/ ٣٤).
(٢) الأوسط (٢/ ٢٨).
(٣) المغنى (١/ ١٦٥)، وانظر المجموع (٢/ ٢٨١).
[ ١ / ١٩٢ ]
[مسألة]: إذا اجتمع ميِّتٌ، وجنبٌ، وحائضٌ، ومن على بدنِه نجاسةٌ، والماءُ لا يكفي إلا أحدَهم فمن أحق به؟
١ - إذا كان الماء ملكًا لأحدهم فهو أحق به، وبهذا قطع الجمهور (١).
٢ - وإذا كان الماء مباحًا لهم، فعلى ما يأتي:
(أ) الميت أحق به من أصحاب الأحداث، كما قال الشافعي وأحمد (٢) وذلك لعلتين، إحداهما: أنه خاتمة أمره فخُصَّ بأكمل الطهارتين، والأحياء سيجدون الماء، والثانية: أن القصد من غسل الميت تنظيفه ولا يحصل بالتراب، والقصد من طهارة الأحياء استباحة الصلاة، وهي حاصلة بالتيمم.
(ب) صاحب النجاسة أحق بالماء من أصحاب الأحداث، وبه قال الشافعية والحنابلة (٣)، قال النووي: لأنه لا بدل لطهارته. اهـ.
(جـ) الحائض أحق بالماء من الجنب، لغلظ حدثها، ولأنها تقضي حق الله تعالى وحق زوجها في إباحة وطئها.
وفي المسألة خلاف: فعند الحنابلة والشافعية وجهان وعند الشافعية وجه ثالث وهو أنهما يستويان ويقرع بينهما (٤).
(ء) إذا اجتمع الجنب والمحدث: فالعبرة بالماء الموجود فإن كان يكفي للاغتسال فالجنب أحق به وإلا فالمحدث (٥).
(هـ) إذا اجتمع الميت ومن على بدنه نجاسة، ففيه خلاف (٦)، فمن اعتبر العلة التي ذكرناها في تقديم الميت على المحدث قال: الماء من حق الميت.
ومن اعتبر أن من على بدنه نجاسة لا بدل لطهارته، قال: هو الأحق.
تيمم المريض الذي يخشى على نفسه الهلاك من استعمال الماء:
ذهب جمهور العلماء (أبو حنيفة والشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم) إلى أن
_________________
(١) المجموع (٢/ ٣١٦)، والمغنى (١/ ١٧٠).
(٢) المجموع (٢/ ٣١٨)، والمغنى (١/ ١٧٠).
(٣) المغنى (١/ ١٧١)، والمجموع (٢/ ٣١٩).
(٤) المغنى (١/ ١٧١)، والمجموع (٢/ ٣١٩).
(٥) السابق.
(٦) المغنى (١/ ١٧٠)، والمجموع (٢/ ٣١٨).
[ ١ / ١٩٣ ]
المريض إذا خشي على نفسه الهلاك من استعمال الماء، فيجوز له أن يتيمم، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). قال مجاهد: «وهي للمريض تصيبه الجنابة إذا خاف على نفسه فله الرخصة في التيمم مثل المسافر إذا لم يجد الماء» (٢). ولقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (٣).
بينما منع عطاء (٤) والحسن تيمم المريض إلا عند فقد الماء، لظاهر الآية.
والجواب عن هذا: أن الآية حجة لنا وتقديرها: (وإن كنتم مرضى فعجزتم أو خفتم من استعمال الماء، أو كنتم على سفر فلم تجدوا ماءً، فتيمموا) (٥).
إذا خاف المريض -باستعماله الماء- زيادة المرض أو تأخر البرؤ فهل يتيمم؟
ذهب الجمهور (٦) (أبو حنيفة ومالك والشافعي في أحد القولين وابن حزم) إلى أنه لا يشترط خوف الهلاك حتى يتيمم المريض، بل من كان الوضوء يزيد مرضه أو يؤخر برؤه، فإنه يتيمم، لعموم آية المائدة.
ولعموم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٧).
قال ابن حزم: فالحرج والعسر ساقطان -ولله الحمد- سواء زادت علته أو لم تزد، وكذلك إن خشي زيادة علته فهو أيضًا عسر وحرج. اهـ.
ورُوى عن أحمد والشافعي في أحد قوليه: أنه يشترط خوف الهلاك لإباحة التيمم، ومذهب الجمهور أصح والله أعلم.
من كانت به جراح، فماذا يفعل؟
هذه المسألة تتفرع على أصل وهو: (هل يُجمع بين الأصل والبديل أي الوضوء -أو الغسل- والتيمم أم لا؟) وقد تقدم تحريره (٨).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح.
(٣) سورة النساء، الآية: ٢٩.
(٤) روى هذا عبد الرزاق في «المصنف» (٨٦١) بسند صحيح.
(٥) المجموع (٢/ ٣٣٠).
(٦) المبسوط (١/ ١٢١)، والمجموع (٢/ ٣٣١)، والمحلى (٢/ ١١٦)، والأوسط (٢/ ٢٦)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٩).
(٧) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
(٨) راجع ص (١٩٢).
[ ١ / ١٩٤ ]
فمن منع الجمع بينهما -كأبي حنيفة ومالك وهو ما رجَّحناه قريبًا- ذهب إلى اتباع الأقل للأكثر، بحيث إذا كان أكثر جسده جريحًا تيمم دون غسل باقي الأعضاء الصحيحة، وإن كان أكثر صحيحًا غسل جسده وترك موضع الجرح (١).
ومن أجاز الجمع بين الغسل والتيمم قال: يغسل الصحيح من الجسد ويتيمم عن المجروح، وهو قول الشافعي وأحمد، وكأنه اختيار شيخ الإسلام (٢).
قلت: والظاهر أن الأول أصح -كما تقدم- ولا يصح في هذا الباب شيء من رسول الله ﷺ.
لكن يُروى حديث جابر قال:
خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخبر بذلك، قال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العيي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم [ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده]» (٣).
وهو حديث ضعيف ضعَّفه البيهقي وابن حزم وغيرهما وهو كذلك، وإن كان قد حسنه -بدون ما بين المعكوفتين- الألباني بما لا يُسَلَّم.
وقد رُوى عن ابن عمر قال: «إذا لم تكن على الجرح عصائب، غسل ما حوله، ولم يغسله» (٤).
وقد صح عن عبيد بن عمير في رجل أصابته جنابة وبه جراحة: «ليغسل ما حوله ولا يقرب جراحته الماء» (٥).
وهذا موافق لمذهب أبي حنيفة ومالك، وهو الراجح والله أعلم.
_________________
(١) المبسوط (١/ ١١٢)، والمجموع (٢/ ٣٣٣).
(٢) المغنى (١/ ١٦٢)، والمجموع (١/ ١٦٢)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦٦).
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٣٦)، والدارقطني (١/ ١٩٠)، والبيهقي (١/ ٢٣٧) وسنده ضعيف، وقد حسنه الألباني بحديث ابن عباس عند أبي داود (٣٣٧)، وابن ماجه (٥٧٢) لكنه منقطع لا يصلح للاستشهاد.
(٤) إسناده ضعيف: أخرجه البيهقي (١/ ٢٢٨).
(٥) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٨٦٥).
[ ١ / ١٩٥ ]
هل يجوز لمن خشي على نفسه برودة الماء أن يتيمم للجنابة؟
يجوز لمن خشي على نفسه الموت بسبب برودة الماء أن يتيمم، لأنه بمنزلة المريض، وهذا مذهب جماهير العلماء (١)، وحجتهم في هذا:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢).
٢ - ما رُوى عن عمرو بن العاص أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرودة فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنب؟» فقلت: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا» (٣).
وهذا حديث مختلف فيه، والراجح ضعفه، إلا أن قواعد الشرع تشهد له، ويؤيد هذا المذهب كذلك قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ (٤). وذلك بعد ذكر التيمم، فكأنه أشار إلى أن التيمم يشرع عند وجود الحرج في استعمال الماء، ولا شك أن شدة البرودة من هذا الحرج، لكن ينبغي أن ينبه على أن التيمم لا يُشرع -في هذه الحالة- إلا بعد العجز عن تسخين الماء، والله أعلم.
من ضاق عليه الوقت بحيث لو استعمل الماء فات وقت الصلاة، فهل له أن يتيمم؟
في هذه المسألة قولان للعلماء:
الأول: لا يجوز له التيمم وإن فات الوقت:
وبه قال الشافعية والحنابلة وأبو يوسف (٥)، وحجتهم ما يلي:
_________________
(١) المبسوط (١/ ١٢٢)، والمجموع (٢/ ٣٣٠)، والاستذكار (٣/ ١٧٣)، والمغنى (١/ ١٦٣)، والمحلى (٢/ ١٣٤)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٩).
(٢) سورة النساء، الآية: ٢٩.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٣٤)، وأحمد (٤/ ٢٠٣)، والدارقطني (١/ ١٧٨)، والحاكم (١/ ١٧٧)، والبيهقي (١/ ٢٢٥) وقد أعل سنده ومتنه، وقد صححه الألباني في الإرواء (١/ ١٨٢) بما لا يسلم.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٥) المغنى (١/ ١٦٦)، والمجموع (٢/ ٢٨٠)، والاستذكار (٣/ ١٧١)، وتمام المنة (ص ١٣٢).
[ ١ / ١٩٦ ]
١ - قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). قالوا: فجعل فقدان الماء شرطًا لإباحة التيمم.
٢ - حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢).
٣ - حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» (٣).
فهو مأمور باستعمال الماء فإن أدرك الصلاة فبها، وإن فاتت -بكسبه وتكاسله- فهو الذي سعى إلى هذه النتيجة.
الثاني: يشرع له التيمم والصلاة قبل خروج الوقت:
وبه قال أهل الرأي والأوزاعي ومالك وابن حزم واختاره شيخ الإسلام (٤)، وقيده الأحناف بأنه يجوز إذا كانت الصلاة التي تفوت لا بدل لها كالجنازة (٥).
وحجة القائلين بهذا القول:
١ - حديث أبي جهيم الأنصاري قال: «أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (٦).
قالوا: فهذا أصل في جواز التيمم لخوف فوات الواجب.
٢ - قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٣/ ١٧١): فكل من لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة كان له أن يتيمم إن كان مريضًا أو مسافرًا بالنص، وإن كان حاضرًا صحيحًا فبالمعنى، والله تعالى أعلم. اهـ.
٣ - قال شيخ الإسلام: وأصح أقوال العلماء أنه يتيمم لكل ما يخاف فوته
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٥٢٦).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٥٢٤)، والترمذي (١)، وابن ماجه (٢٧٢).
(٤) المغنى (١/ ١٦٦)، والمحلى (٢/ ١١٧)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٤٣٩، ٤٥٦)، والأوسط (٢/ ٣٠).
(٥) المبسوط (١/ ١١٨، ١١٩).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٨٠٠).
[ ١ / ١٩٧ ]
كالجنازة وصلاة العيد وغيرهما مما يخاف فوته، فإن الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة اهـ.
وقال وكذلك إذا لم يمكنه صلاة الجماعة الواجبة إلا بالتيمم، فإنه يصليها بالتيمم. اهـ.
قلت: ولعل الأظهر أنه يتيمم حتى يدرك الصلاة، لأن التيمم إنما شرع لإدراك وقت الصلاة وخوف فوته، محافظة على الوقت، والله أعلم.
من استيقظ من نومه وقد ضاق وقت الصلاة، فهل يتيمم لإدراك الوقت؟
في هذه المسألة مذهبان (١) كالذين في المسألة التي قبلها:
الأول: يتيمم ويصلي في الوقت: وبه قال مالك والأوزاعي والثوري وابن حزم.
الثاني: يغتسل ويصلي ولو بعد خروج الوقت: وهو مذهب الجمهور: أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأحد القولين عن مالك، واختاره شيخ الإسلام.
وهو الراجح، لأن الوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ، فقد قال ﷺ: «أما إنه ليس في نوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه بها» (٢) قال ابن تيمية (» / ٣٥): وإذا كان كذلك فإذا استيقظ قبل طلوع الشمس فلم يمكنه الاغتسال والصلاة إلا بعد طلوعها، فقد صلى الصلاة في وقتها ولم يفوتها، بخلاف من استيقظ في أول الوقت فإن الوقت في حقه قبل طلوع الشمس فليس له أن يفوت الصلاة اهـ.
ما الصعيد الذي يجوز التيمم به؟
لأهل العلم في «الصعيد» الذي يجوز التيمم به رأيان:
الأول: وجه الأرض مطلقًا سواء الحصباء والجبل والرمل والتراب:
وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك واختاره شيخ الإسلام، وكذا ابن حزم لكنه اشترط فيما إذا كان وجه الأرض -من غير التراب- أن يكون متصلًا بها (٣).
_________________
(١) الأوسط (٢/ ٣٠)، والمحلى (٢/ ١١٧)، ومجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٥ - ٣٦).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٥٣٢)، وأبو داود (٤٣٧)، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك»، وفي لفظ لمسلم من حديث أنس: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها».
(٣) الاستذكار (٣/ ١٥٧)، والمبسوط (١/ ١٠٨)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٣٦٤)، والمحلى (٢/ ١٥٨).
[ ١ / ١٩٨ ]
ومما احتج به هؤلاء:
١ - قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ (١). وقوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (٢). قال في الاستذكار (٣/ ١٥٨): و(الجرز) الأرض الغليظة التي لا تنبت شيئًا. اهـ.
٢ - قوله ﷺ: « وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٣).
٣ - قوله ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة على صعيد واحد» (٤) أي: أرض واحدة.
٤ - قوله ﷺ: «جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره» (٥).
٥ - حديث أبي الجهيم: «أن النبي ﷺ ضرب بيديه على الجدار فتيمم على الرجل السلام» (٦).
٦ - ما رُوى عن ابن عباس أنه قال: «أطيب الصعيد الحرث وأرض الحرث» (٧).
الثاني: أن الصعيد هو التراب ولا يجزئ غيره:
وهذا مذهب الشافعي والحنابلة وأبي ثور وإليه جنح ابن المنذر (٨) ومما احتجوا به:
١ - زيادة وردت في حديث «جعلت لي الأرض مسجدًا، [وجعلت تربتها لي طهورًا]» (٩).
قالوا: فهذه الرواية مخصصة لرواية: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا».
٢ - ما رُوى عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء:
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ٤٠.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٨.
(٣) صحيح: وتقدم قريبًا.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (٤٧٢).
(٥) حسن: وتقدم قريبًا.
(٦) صحيح: تقدم قريبًا.
(٧) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦١).
(٨) المغنى (١/ ١٥٥)، والمجموع (٢/ ٢٤٦)، والاستذكار (٣/ ١٥٩)، والأوسط (٢/ ٤٣).
(٩) صحيح أخرجه مسلم (٥٢٢)، وابن حبان (١٦٩٧)، والدارقطني (١/ ١٧٥)، والبيهقي (١/ ٢١٣ - ٢٣٠) وقد تكلم في الزيادة، والصواب ثبوتها.
[ ١ / ١٩٩ ]
نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم» (١).
قلت: والذي يترجح -عندي- هو القول الأول بأنه يجوز التيمم بكل ما يطلق عليه اسم الأرض، أو حمل شيئًا من الأرض كالغبار ونحوه.
وأما القول الثاني ففيه نظر من وجهين:
الأول: أنه لا يثبت شيء مما استدلوا به كما رأيت.
الثاني: أنهم حملوا معنى التربة في الحديث على التراب، وفيه نظر، ففي حديث أبي هريرة -عند مسلم- قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: «خلق الله -﷿- التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين » الحديث قال في «لسان العرب»: (خلق الله التربة يوم السبت): يعني الأرض. اهـ.
قلت: وهذا المعنى واضح من الحديث ولله الحمد.
فاقد الطهورين:
أصح قولي العلماء فيمن فقد الطهورين (الماء والصعيد) أنه يصلي على حاله في الوقت ولا إعادة عليه.
وهو مذهب الشافعي وأحمد وأصحابهما وابن حزم واختاره ابن تيمية (٢) واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣).
وقوله سبحانه: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤).
وقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (٥).
قالوا: فهذا قد فعل ما في استطاعته من الصلاة، وسقط عنه ما لم يطقه من التطهر، فهو بذلك مؤدٍّ ما أمر به، ومن أدى ما أمر به فلا قضاء عليه.
قلت: ولعله أن يتأيد هذا المذهب بحديث عائشة قالت: «بعث رسول الله
_________________
(١) منكر أخرجه أحمد (١/ ٩٨)، والبيهقي (١/ ٢١٣).
(٢) المغنى (١/ ١٥٧)، والمجموع (٢/ ٣٢١)، والمحلى (٢/ ١٣٨)، والفتاوى (٢١/ ٤٦٧).
(٣) سورة التغابن، الآية: ١٦.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (٣١٩٩).
[ ١ / ٢٠٠ ]
أسيد بن الحضير -وأنا سامعة- في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فأنزلت آية التيمم» (١).
والشاهد أن النبي ﷺ أقرهم -عند فقد الماء- على الصلاة بغير وضوء ولم يأمرهم بالإعادة، فإذا فقدوا الصعيد كذلك فالحكم هو هو. والله أعلم.
هذا، وقد ذهب أبو حنيفة وأصحاب الرأي ومالك والأوزاعي إلى أنه لا يصلى حتى يقدر على الوضوء أو التيمم وإن خرج الوقت (٢).
مسائل تتعلق بالنية في التيمم:
تجزئ نية رفع الحدث عن استباحة الصلاة: أصح أقوال العلماء أن التيمم يقوم مقام الماء مطلقًا، يستباح به ما يستباح بالماء، ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده، وإذا تيمم لنافلة صلى به الفريضة، والعكس، وهذا قول أكثر أهل العلم خلافًا لمالك، ﵀ (٣).
قال شيخ الإسلام (٤): وهذا القول هو الصحيح، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار، فإن الله جعل التيمم مطهرًا كما جعل الماء مطهرًا، فقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾ (٥) فمن قال: إن التراب لا يطهر من الحدث، فقد خالف الكتاب والسنة، وإذا كان مطهرًا من الحدث امتنع أن يكون الحدث باقيًا مع أن الله طهر المسلمين بالتيمم من الحدث، فالتيمم رافع للحدث، مطهر لصاحبه، لكنه رفع مؤقت إلى أن يقدر على استعمال الماء، فإنه بدل عن الماء، فهو مطهر ما دام الماء متعذرًا اهـ.
قلت: فالتيمم يشرع لأجل الصلاة والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف وغير ذلك مما يشرع له الوضوء والغسل ما دام الماء متعذرًا.
ومن نوى بالتيمم رفع الحدث، أبيح له كل ما يستباح بالوضوء والغسل، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٨٨٢)، ومسلم (٧٩٥).
(٢) الأوسط (٢/ ٤٥)، والاستذكار (٣/ ١٥٠)، والمحلى (٢/ ١٣٩).
(٣) المجموع (٢/ ٢٥٥)، والمغنى (١/ ١٥٨)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣٦)، والمبسوط (١/ ١١٧).
(٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٣٦).
(٥) سورة المائدة، الآية: ٦.
[ ١ / ٢٠١ ]
من تيمم بنية رفع الجنابة فهل يجزئه عن الحدث؟
من تيمم بنية رفع الجنابة أجزأه ذلك عن الحدث في أصح قولي العلماء كأبي حنيفة والشافعي (١)، وهذا لأمرين:
١ - أن طهارتهما واحدة فسقطت إحداهما بفعل الأخرى كالبول والغائط.
٢ - أن التيمم بدل عن استعمال الماء، فيأخذ حكمه، والراجح أن الغسل يغني عن الوضوء للحدث، فكذلك التيمم.
وأما إجزاء من نوى التيمم للحدث الأصغر عن الجنابة فمحل نظر، فمن نظر إلى العلة الأولى قال بالإجزاء، ومن نظر إلى أنه بدل عن الماء منعه.
وذهب مالك وأبو ثور والحنابلة وابن حزم (٢) إلى أنه لا يجزئ نية أحدهما عن الآخر لعموم قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣).
الكيفية الصحيحة للتيمم:
الكيفية الصحيحة للتيمم التي صحت عن رسول الله ﷺ أن:
(يضرب على الصعيد باليدين ضربة واحدة، ثم ينفخهما فيمسح بهما وجهه وكفَّيه)
وهذا مذهب الحنابلة وابن حزم، وبه قال جماعة من السلف، واختاره ابن تيمية (٤) ويدل على هذا:
١٢ - حديث عمار بن ياسر وفيه: فقال النبي ﷺ: «إنما كان يكفيك» هكذا وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٥).
٢ - ويشهد له حديث أبي هريرة قال: «لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع فأتيت النبي ﷺ فلم أجده فانطلقت أطلبه فاستقبلت فلما رآني عرف الذي جئت له، فبال، ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه» (٦).
_________________
(١) المغنى (١/ ١٦٦).
(٢) المغنى (١/ ١٦٦)، والمحلى (٢/ ١٣٨).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (رقم ١).
(٤) المغنى (١/ ١٥٩)، والمحلى (٢/ ١٤٦)، والفتاوى (٢١/ ٤٢٢).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٧٩٨).
(٦) إسناده لين: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٩) ويشهد له ما قبله.
[ ١ / ٢٠٢ ]
هذا، وقد ذهب فريق من العلماء إلى أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين.
وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وبه قال الثوري والليث، وهو مروي عن ابن عمر، والشعبي والحسن البصري وغيرهم (١) وحجتهم:
١ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (٢).
٢ - حديث ابن عمر في قصة رجل مر على النبي ﷺ وهو على حاجته فسلم عليه وفيه: «ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام » (٣).
٣ - ما في رواية لحديث أبي جهيم وفيه: « حتى قام إلى جدار فحتَّه بعصا كانت معه ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد عليَّ السلام» (٤).
٤ - حديث عمار «أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم» (٥).
قلت: والراجح أن التيمم ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الرسغين كما تقدم، وذلك لأمرين:
١ - أن أدلة المخالفين كلها ضعيفة لا يثبت منها حديث مرفوع.
٢ - أن حكم التيمم معلق على مطلق اليدين، فلم يدخل فيه الذراع، كقطع يد السارق، ويدل على هذا احتجاج ابن عباس على تحديد مكان القطع في السرقة المنصوص عليه، بقوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ (٦). وكانت السنة في القطع من الكفين.
_________________
(١) المبسوط (١/ ١٠٦)، والاستذكار (٣/ ١٦٢)، والمجموع (٢/ ٢٤٢).
(٢) ضعيف: أخرجه الحاكم (١/ ١٧٩)، والبيهقي (١/ ٢٠٧) ورجَّح وقفه.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (١/ ٨٨)، والبيهقي (١/ ٢٠٦) وأنكره الإمام أحمد.
(٤) منكر: أخرجه الشافعي في مسنده (١٣٠) والبيهقي (١/ ٢٠٥) وقد خالفت رواية الصحيحين التي تقدمت.
(٥) مضطرب: أخرجه أبو داود (١/ ٨٤)، وابن ماجه (٥٧١)، والنسائي (١/ ١٦٨)، والبيهقي (١/ ٢٠٨).
(٦) سورة المائدة، الآية: ٦.
[ ١ / ٢٠٣ ]