١ - اتخاذ السترة في الصلاة:
يُسَنُّ له أن يجعل أمامه سترة -في الصلاة- تمنع المرور أمامه، وتكف بصره عما وراءها.
لقول النبي ﷺ: «إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة، وليدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته» (٤).
- وهذه السترة قد تكون جدارًا أو أسطوانة (عمودًا) أو عصا مغروزة أو نحو ذلك، وأقل ذلك ما يكون مثل مؤخرة الرحل وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب: لقوله ﷺ: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصلِّ، ولا يبالِ من مَرَّ وراء ذلك» (٥).
وإذا اتخذ هذه السترة فلا يسمح لأحد أن يمر أمامه في الصلاة لقوله ﷺ: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» (٦).
وإن كان قد عارض هذا بعض العلماء بأدلة صحيحها غير صريح، وصريحها غير صحيح، فقالوا: لا يقطع الصلاة شيء، وتأولوا الحديث المتقدم بأن المراد بقطع الصلاة في الحديث قطع الخشوع، وليس بطلان الصلاة بمجرد المرور (٧).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٩٢٥)، وأحمد (٤/ ٥٥) بسند حسن.
(٢) أخرجه النسائي (٨/ ٢٦٢)، وابن السني (١١١) بسند حسن.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٩٩) وصححه الألباني.
(٤) أخرجه أبو داود (٦٨١)، والنسائي (٢/ ٦٢)، والحاكم (١/ ٢٥١) واللفظ له وهو صحيح.
(٥) أخرجه مسلم (٤٩٩)، والترمذي (٣٣٤)، وأبو داود (٦٧١).
(٦) أخرجه البخاري (٤٨٧)، ومسلم (٥٠٥) وغيرهما.
(٧) زاد المعاد (١/ ٣٠٦)، وجامع أحكام النساء (١/ ٤٢٤).
[ ١ / ٣٤٢ ]
فوائد (١):
١ - مرور الجارية الصغيرة التي لم تحض لا يقطع الصلاة لأنه لا يقال لها امرأة، فعن قتادة قال: لا تقطع المرأة صلاة المرأة، قال: وسئل هل يقطع الصلاة الجارية التي لم تحض؟ قال: لا (٢).
٢ - مرور المرأة عن يمين ويسار الرجل وهو يصلي لا يقطع صلاته.
٣ - وقوف المرأة بجانب الرجل لا يُبطل صلاته، فعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعليَّ مرط وعليه بعضه إلى جنبه» (٣).
إذا كنت تصلين في جماعة فلا حرج في المرور بين الصفوف، لأن سترة الإمام سترة للمأموم، فعن ابن عباس قال: «أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى، فمررت بين يدي الصف، فنزلت فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليَّ أحد» (٤).
٢ - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع والرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول وكذا عند كل رفع وخفض:
فعن نافع: أن ابن عمر «كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه» ورفع ذلك إلى نبي الله ﷺ (٥).
قلت: هذه هي المواضع الأربعة التي يتأكد فيها رفع اليدين، لكن يُسَنُّ أحيانًا رفع اليدين عند كل رفع وخفض، لحديث مالك بن الحويرث أنه «رأى النبي ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» (٦).
محل الرفع وصفته: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه تارة مع التكبير،
_________________
(١) جامع أحكام النساء (١/ ٤١٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٢٨) بسند صحيح إلى قتادة.
(٣) أخرجه مسلم (٢/ ١٤٨)، وأبو داود (٣٧٠)، وابن ماجه (٦٥٢) والنسائي.
(٤) أخرجه البخاري (٤٩٣)، ومسلم (٥٠٤) وغيرهما.
(٥) أخرجه البخاري (٧٣٩)، وأبو داود (٧٢٧)، ونحوه عند مسلم (٣٩٠).
(٦) أخرجه النسائي (٢/ ٢٠٦) وأحمد (٤٩٣) وهو صحيح.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وتارة بعده، وتارة قبله، ويستحب أن يرفع اليدين ممدودتي الأصابع، ويجعلهما حذو منكبيه كما في حديث أبي قتادة (١)، أو يجعلهما حذو أذنيه كما في حديث وائل بن حجر المتقدم.
٣ - وضع اليمنى على اليسرى فوق الصدر:
فعن سهل بن سعد قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» (٢).
وعن وائل بن حجر قال: «صليت مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» (٣).
٤ - النظر محل السجود:
فعن عائشة قالت: «لما دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها» (٤).
٥ - استواء الظهر في الركوع وعدم رفع الرأس أو خفضه، والقبض بالكف على الركبتين مع تفريج الأصابع ومباعدة العضدين عن الجنبين:
لحديث أبي حميد في صفة صلاة النبي ﷺ وفيه: «وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره حتى يعتدل ولا يبقى محدودبًا» (٥).
وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا ركع لم يُشخص رأسه ولم يُصوِّبه ولكن بين ذلك» (٦).
وفي حديث أبي حميد: «.. ثم ركع، فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ووتَّر يديه فتجافى عن جنبيه» (٧).
وعن وائل بن حجر أن النبي ﷺ «كان إذا ركع فرَّج أصابعه» (٨).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري وغيره.
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٠)، ومالك في الموطأ (٣٧٦).
(٣) أخرجه ابن خزيمة (٤٧٩)، وصححه الألباني في «الإرواء» (٣٥٢).
(٤) أخرجه الحاكم (١/ ٤٧٩)، وصححه الألباني.
(٥) أخرجه البخاري (٨٢٨)، وأبو داود (٧١٧).
(٦) أخرجه مسلم (٤٩٨)، وأبو داود (٧٦٨).
(٧) أخرجه أبو داود (٧٢٠)، والترمذي (٢٥٩) وهو صحيح.
(٨) أخرجه ابن خزيمة (٥٩٤) وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٤٤ ]
٦ - النزول في السجود على اليدين قبل الركبتين:
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» (١).
٧ - تمكين الجبهة والأنف واليدين من الأرض مع مجافاة اليدين عن الجنبين، ووضع الكفين حذو المنكبين أو الأذنين، ورفع المرفقين، ونصب القدمين ورصُّ العقبين واستقبال القبلة بأصابع الكفين والقدمين:
ففي حديث أبي حميد: «.. فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة» (٢).
وعن عبد الله بن بُحينة أن النبي ﷺ: «كان إذا صلى فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه» (٣).
وقال ﷺ: «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك» (٤).
وفي حديث أبي حميد: «.. كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه» (٥).
وفي حديث عائشة: «.. فوجدته ساجدًا راصًّا عقبيه مستقبلًا بأطراف أصابعه القبلة» (٦).
فائدة:
ذهب فريق من العلماء إلى أن المرأة تخالف الرجل في هيئات الركوع والسجود فقالوا: إنها تجمع نفسها ولا تجافي، وتضم فخذيها وغير ذلك لأن هذا أستر لها (٧).
لكن لم يرد أي دليل مرفوع إلى النبي ﷺ صحيح السند يوضح أي فرق بين صفة صلاة المرأة وصفة صلاة الرجل، وكذلك لم نقف على شيء ثابت صحيح
_________________
(١) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد بسند حسن.
(٢) أخرجه البخاري وأبو داود.
(٣) أخرجه البخاري (٨٠٧)، ومسلم (٤٩٥) وغيرهما.
(٤) أخرجه مسلم (٤٩٤).
(٥) أخرجه ابن خزيمة والترمذي.
(٦) أخرجه ابن خزيمة (٦٥٤)، والبيهقي (٢/ ١١٦) وصححه الألباني.
(٧) انظر سنن البيهقي (٢/ ٢٢٢)، والمغنى (١/ ٥٦٢)، وسبل السلام (١/ ٣٠٨)، ورد على هذا المذهب ابن حزم في المحلى (٤/ ١٢٤) ولم يفرق بين الرجل والمرأة في هيئات الصلاة.
[ ١ / ٣٤٥ ]
عن أصحاب النبي ﷺ في ذلك، وعلى ذلك فمن تمسك بالأصل وسوَّى بين صلاة الرجل والمرأة في جميع الهيئات لعموم قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فرأيه أسدَّ وأقوى وخصوصًا إذا كانت المرأة تصلي منفردة - ومن رأى أن المرأة تفارق الرجل في هذه الهيئات وأنها مأمورة بكل ما هو أستر لها، فله وجهه وبه قال عدد كبير من السلف الصالح والله أعلم (١).
٨ - افتراش الرِّجلْ اليسرى ونصب اليمنى في الجلسة بين السجدتين:
فعن عائشة قالت: «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى» (٢).
ويجوز كذلك -بين السجدتين- أن ينصب قدميه ويقعد على العقبين (أحيانًا) وهو ما يسمى بالإقعاء.
لحديث طاوس قال: «قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال: سنة، فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرَّجُل، فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك ﷺ» (٣).
وعن أبي الزبير أنه: «رأى عبد الله بن عمر إذا سجد حين يرفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه، ويقول: إنه من السنة» (٤).
٩ - إطالة الجلسة بين السجدتين:
وقد كان هذا هدي النبي ﷺ، فعن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم» (٥).
وهذه السُّنة تركها الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، ولهذا قال ثابت: «وكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه: يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو: قد أوهم» (٦).
١٠ - الجلوس بعد السجود قبل القيام للركعة الثانية أو الرابعة (جلسة الاستراحة):
فيُسَنُّ بعد الفراغ من السجود الثاني من الركعة الأولى والثالثة أن يجلس جلسة خفيفة قبل قيامه إلى الركعة الثانية والرابعة.
_________________
(١) جامع أحكام النساء لشيخنا (١/ ٣٧٨) بتصرف يسير.
(٢) أخرجه مسلم (٤٩٨)، وأبو داود (٧٦٨).
(٣) أخرجه مسلم (٤٩٨)، وأبو داود (٧٦٨).
(٤) أخرجه مسلم (٥٣٦)، وأبو داود (٨٣٠)، والترمذي (٢٨٢).
(٥) أخرجه مسلم (٤٧٣)، ومعنى قوله: (قد أوهم): أوقع في ذهنهم أنه ترك ما بعده.
(٦) أخرجه البخاري (٢/ ٢٤٩)، ومسلم (٤٧٣).
[ ١ / ٣٤٦ ]
لحديث مالك بن الحويرث أنه «رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا» (١).
١١ - الاعتماد على الأرض باليدين عند النهوض إلى الركعة الجديدة:
لقول مالك بن الحويرث: «ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ؟ فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام» (٢).
١٢ - الافتراش في الجلوس للتشهد الأول والتورك في التشهد الأخير:
الافتراش هو: أن ينصب رجله اليمنى ويفترش اليسرى فيجلس عليها.
والتورك هو: أن ينصب اليمنى ويقدم اليسرى ويجعل مقعدته على الأرض.
ففي حديث أبي حميد: «.. فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته» (٣).
فائدة: إذا كانت الصلاة ركعتين فقط بمعنى أن فيها تشهدًا واحدًا فالسنة فيه الافتراش، لحديث عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ: « وكان يقو في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى » (٤).
١٣ - الإشارة بالسبابة في التشهد من أوله إلى آخر الدعاء والرمي بالبصر إليها:
لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ «كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعيه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها [ورمى ببصره إليها]، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها» (٥).
فائدة: لا تجوز الإشارة بغير السبابة اليمنى، فعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «مرَّ عليَّ النبي ﷺ وأنا أدعو بإصبعي فقال: أحدِّ أحدِّ، وأشار بالسبابة» (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٢٣)، ومسلم (٨٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٤).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٢٠١)، وأبو داود (١٩٤)، والترمذي (٢/ ١٠٥).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٣٥٧).
(٥) أخرجه مسلم (٥٨٠).
(٦) أخرجه أبو داود (٢/ ٨٠)، والنسائي (٣/ ٣٨).
[ ١ / ٣٤٧ ]
وإذا كانت السبابة اليمنى مقطوعة فالراجح أن الإشارة تسقط في حقه ولا تشرع الإشارة بغيرها والله أعلم.