خيرُ صفوف الرجال والنساء:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «خير صفوف الرجال أوَّلُها، وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» (٥).
قلت: وكون خير صفوف النساء آخرها إنما محلُّه إذا كُنَّ يصلين خلف صفوف الرجال، فإن كُنَّ يصلين خلف امرأة، أو مع الإمام في مكان منفصل عن الرجال، فالظاهر أن خير صفوفهن الأُوَل، لعموم قوله ﷺ: «إن الله وملائكته يصلوُّن على الصفوف الأُوَل» (٦) والله أعلم.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤٠٧)، و«المغنى».
(٢) أخرجه البخاري تعليقًا (٢/ ٢٥٠ - فتح)، ووصله عبد الرزاق (٥٤٥٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٤٩).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٤٣٨)، وأبو داود (٤٨٠)، والنسائي (٢/ ٨٣)، وابن ماجه (٩٧٨).
(٤) إسناده صحيح: علقه البخاري (٢/ ٢٥٠ - فتح)، ووصله ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣) بسند صحيح.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٤٤٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٢٢٤)، والنسائي (٢/ ٩٣)، وابن ماجه (١٠٠٠).
(٦) صحيح: أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي (٢/ ٩٠)، وابن ماجه (٩٩٧).
[ ١ / ٥٣٣ ]
فضل الصف الأَوَّل:
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: « ولو يعلمون ما في الصف المقدَّم لاستهموا» (١).
وفي لفظ لمسلم: «.. لكانت القُرعة».
فضل ميامن الصفوف:
فعن البراء قال: «كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه » (٢).
وقد جاء عن عائشة مرفوعًا: «إن الله وملائكته يصلُّون على ميامن الصفوف» (٣) لكنه بهذا اللفظ غير محفوظ.
من يلي الإمام:
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليليني منكم أولو الأرحام والنهُّى، ثم الذين يلونهم ثلاثًا، وإيَّاكم وهيشات الأسواق» (٤).
وأولو الأرحام: هم العقلاء، وقيل: البالغون، والنُّهى: العقول، «وفي الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الأمام، لأنه يتفطَّن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها وينقلوها ويعلِّموها الناس، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم. ولذا «كان رسول الله ﷺ يحبُّ أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا منه» (٥).
وعن قيس بن عُباد قال: بينا أنا في المسجد في الصف المقدَّم فجبذني رجل من خلفي جبذة فنحَّاني وقام مقامي، فوالله ما عقلت صلاتين فلما انصرف فإذا
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٧٢٠)، ومسلم (٤٣٧ - ٤٣٩).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٧٠٩)، وأبو داود (٦١٥)، والنسائي (٢/ ٩٤)، وابن ماجه (١٠٠٦).
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٦٧٦)، وابن ماجه (١٠٠٥)، وأعلَّ البيهقي (٣/ ١٠٣) متنه وقال أنه غير محفوظ، وأقره الألباني في «تمام المنة» (ص: ٢٢٨) وهو كما قالا، والله أعلم.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٤٣٢)، وأبو داود (٦٧٥)، والترمذي (٢٢٨).
(٥) صحيح: أخرجه ابن ماجه (٩٧٧)، وأحمد (٣/ ١٠٠) وغيرهما.
[ ١ / ٥٣٤ ]
هو أُبيُّ بن كعب، فقال: «يا فتى، لا يسؤك الله، إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه » الحديث (١).
إتمام الصفوف الأول ثم الذي يليه:
عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «أتموا الصف الأول ثم الذي يليه، وإن كان
نقص فليكن في الصف المؤخر» (٢).
وعن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنهما أذناب خيل شُمس؟ اسكنوا في الصلاة» قال: ثم خرج علينا فرآنا حِلقًا فقال: «ألا تَصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربِّه؟ قال: «يُتمُّون الصفوف الأول، ويتراصُّون في الصف» (٣).
وجوب تسوية الصفوف، وسدُّ الخلل:
وقد صحَّ في هذا جملة كثيرة من الأحاديث فمن ذلك:
١ - حديث النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ: «لتسوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم» (٤).
ومعنى: «ليخالفن الله بين وجوهكم»: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف القلوب، لأن اختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن، ويؤيد هذا المعنى:
٢ - حديث أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم » (٥).
٣ - وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «أقيمة صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري» وكان أحدنا يُلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه» (٦).
_________________
(١) صحيح: أخرجه النسائي (٢/ ٨٨)، وأحمد (٥/ ١٤٠).
(٢) صحيح: أخرجه النسائي (٢/ ٩٣)، وأبو داود (٦٧١).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٤٣٠)، وأبو داود (٦٦١)، والنسائي (٢/ ٩٢)، وابن ماجه (٩٩٢).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٧١٧)، ومسلم (٤٣٦).
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٤٣٢)، وأبو داود (٦٧٤)، والنسائي (٢/ ٨٧)، وابن ماجه (٩٧٦).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٧٢٥)، ومسلم (٤٣٤).
[ ١ / ٥٣٥ ]
٤ - وعنه أن النبي ﷺ قال: «رُصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، والذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف» (١).
٥ - وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدُّوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله» (٢).
٦ - وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة» (٣) وفي لفظ لمسلم: «.. من تمام الصلاة».
وينبغي أن يتولى الإمام تسوية الصفوف بنفسه أو يأمر بذلك المأمومين، وأن لا يشرع في صلاته حتى تعتدل الصفوف:
فعن ابن عمر قال: «كان عمر لا يكبِّر حتى تعتدل الصفوف، يوكِّل بذلك رجالًا» (٤).
فائدة:
قال النووي في «المجموع» (١/ ٢٩٧): «إذا وجد الداخل في الصف فرجة أو سعة دخلها، وله أن يخرق الصف المتأخر إذا لم يكن فيه فرجة وكانت في صفٍّ قدامة لتقصيرهم بتركها» اهـ.
كراهة الصف بين السواري (الأعمدة):
عن عبد الحميد بن محمود قال: «صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعنا إلى السواري فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: كنا نتَّقي هذا على عهد رسول الله ﷺ» (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٦٦٧)، والنسائي (٢/ ٩٢)، وأحمد (٣/ ٢٦٠) ومعنى الحذف: غنم سود صغار.
(٢) حسن: أخرجه أبو داود (٦٦٦)، والنسائي (٢/ ٩٣)، وأحمد (٢/ ٩٧).
(٣) صحيح: أخرجه بهذا اللفظ البخاري (٧٢٣)، وبالآخر مسلم (٤٣٣) وغيره.
(٤) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٢٤٣٩).
(٥) صحيح: أخرجه أبو داود (٦٧٣)، والنسائي (٢/ ٩٤)، والترمذي (٢٢٩)، وأحمد (٣/ ١٣١) وقد ضعِّف بما لا يسلَّم به.
[ ١ / ٥٣٦ ]
ويشهد له حديث معاوية بن مرة عن أبيه قال: «كنا نُنهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ، ونطرد عنها طردًا» (١).
ولذا يكره للمأمومين أن يقفوا بين السواري لأنها تقطع صفوفهم، فإن كان الصف صغيرًا قدر ما بين الساريتين لم يكره، لأنه لا ينقطع بها، وقد كرهه ابن مسعود والنخعي وراءه ابن المنذر عن حذيفة وابن عباس، بينما رخَّص فيه ابن سيرين ومالك وأصحاب الرأي، قالوا: لعدم الدليل على المنع (٢)!! ولا شك أن حديث أنس له حكم الرفع ويؤيده حديث قرة بن قيس، والله أعلم.
وأما الإمام المنفرد: فلا يكره لهما الصلاة بين الساريتين للمعنى المتقدم، ويؤده حديث ابن عمر قال: دخل النبي ﷺ البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال، فأطال ثم خرج، كنت أول الناس دخل على إثره، فسألت بلالًا: أين صلى؟ قال: بين العمودين المقدمين» (٣).
صلاة المنفرد خلف الصف:
الأصل في صلاة الجماعة أن يكون المأمومون صفوفًا متراصَّةً كما تقدم بيانه، فإذا صلى المأموم خلف الصفوف وحده، فقد اختلف أهل العلم في حكم صلاته على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا تصح صلاته، وهو مذهب أحمد وإسحاق والنخعي وابن أبي شيبة وابن المنذر (٤) واستدلوا بما يلي:
١ - حديث علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه وصلَّينا خلفه، ثم صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة فرأى رجلًا فردًا يصلي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبي الله ﷺ حين انصرف قال: «استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصف» (٥).
_________________
(١) إسناده لين: أخرجه ابن ماجه (١٠٠٢)، وابن خزيمة (١٥٦٧)، وابن حبان (٢٢١٩)، والحاكم (١/ ٢١٨) ويشهد له ما قبله.
(٢) «الأوسط» لابن المنذر (٤/ ١٨١ - ١٨٢).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٠٤)، ومسلم (١٣٢٩).
(٤) «الأوسط» (٤/ ١٨٣)، و«المغنى» (٢/ ٢١١)، و«الممتع» (٤/ ٣٧٦).
(٥) صحيح بما بعده: أخرجه ابن ماجه (١٠٠٣)، وأحمد (٤/ ٢٣)، وابن حبان (٢٢٠٢).
[ ١ / ٥٣٧ ]
٢ - حديث وابصة بن معبد «أن رجلًا صلَّى خلف الصف وحده، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة» (١).
قالوا: ولولا أن صلاته فاسدة ما أمره بالإعادة، لأن الإعادة إلزام وتكليف في أمر قد فُعل وانتهى منه، ولولا فساده ما كلَّفه بإعادته.
القول الثاني: صلاته صحيحة، ويَكره لغير عذر، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي والشافعي (٢)، وحجتهم:
١ - حديث أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ» (٣).
قالوا: أتى أبو بكرة بجزء من الصلاة خلف الصف ولم يؤمر بالإعادة، وإنما نُهي عن العود إلى ذلك فكأنه أرشد إلى ما هو الأفضل، واستدلوا بذلك على أن الأمر بالإعادة في حديث وابصة للاستحباب، جمعًا بين الدليلين.
وأجاب الأوَّلون: بأنه يمكن الجمع بينهما بوجه آخر (٤): وهو أن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف، ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه الإعادة كما في حديث أبي بكرة، وإلا فتجب على عموم حديث وابصة وعلى بن شيبان.
٢ - أن ابن عباس لما أداره النبي ﷺ من يساره إلى يمينه -وقد تقدم الحديث مرارًا- انفرد خلفه بجزء يسير؟! قالوا: والمفسد للصلاة يستوي فيه الكثير والقليل!! وأُجيبَ: بمثل ما تقدم من حديث أبي بكرة من أن هذه الصورة اليسيرة من الانفراد قبل الوقوف في الصف لا تضر.
٣ - حملوا النفي في قوله «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» على نفي الكمال لا نفي الصحة وأجيب: بأن الأصل نفي الوجود -وهو ممتنع- ثم نفي الصحة حتى
_________________
(١) صحيح بطرقه: أخرجه الترمذي (٢٣٠، ٢٣١)، وأبو داود (٦٨٢)، وابن ماجه (١٠٠٤)، وأحمد (٤/ ٢٢٨)، وانظر «الإرواء» (٥٤١).
(٢) «البدائع» (١/ ٢١٨)، و«مغنى المحتاج» (١/ ٢٤٧)، و«جوهر الإكليل» (١/ ٨٠)، و«الأوسط» (٤/ ١٨٣).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٧٨٣)، وأبو داود (٦٨٣)، والنسائي (٢/ ١١٨)، وأحمد (٥/ ٣٩).
(٤) «فتح الباري» (٢/ ٣١٤) ط. السلفية، و«مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٩٧).
[ ١ / ٥٣٨ ]
يدل الدليل على منعه فيتجه إلى نفي الكمال، وهنا لا دليل كذلك، ثم هذا مردود بأمره ﷺ بإعادة الصلاة كما تقدم.
٤ - صلاة أم سليم وحدها في الصف خلف أنس واليتيم، مؤتمِّين بالنبي ﷺ وأجيب بأنها حجة ضعيفة لا تقاوم حجة النهي، فإن وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها، ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروهًا فلا يصح القياس، ثم إن المرأة وقفت خلف الصف لأنه لم يكن لها من تصافه، ولو كان معها امرأة أخرى لكان عليها أن تقف معها وكان حكمها حكم الرجل المنفرد خلف الصف (١).
القول الثالث: التفصيل: فإن انفرد لعذر صحت صلاته وإلا بطلت، وهو قول الحسن البصري وقول عند الحنفية واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، ورجَّحه العلامة ابن عثيمين (٢) -رحم الله الجميع- وحجتهم أدلة القول الثاني لكنهم قالوا: إن نفي الصحة لا يكون إلا بفعل محرم أو ترك واجب، والقاعدة أنه لا واجب مع العجز.
قلت: ولعلَّ هذا أعدل الأقوال ويليه القول الأول، والله أعلم.
رَايٌ:
الذي يقع في نفسي أن المراد بقوله ﷺ: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» هو من يصلي خلف صفوف المصلين غير مؤتم بالإمام، وحينئذ لا يكون في الحديث إشكال، لكن لم أجد سلفًا في
هذا الفهم -مع قوة احتمال السياقات له وموافقته أصول الشريعة- فلا أجسر على الجزم به، والله أعلم.
من جاء وقد اكتملت الصفوف، ماذا يصنع؟ (٣).
ينبغي تجنُّب الصلاة منفردًا خلف الصف قدر الإمكان، حتى تنتفي الكراهة على قول الجمهور، وتصح الصلاة على قول الحنابلة:
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٩٥).
(٢) «البدائع» (١/ ٢١٨)، و«الإنصاف» (٢/ ٢٨٩)، و«مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٩٦)، و«إعلام الموقعين» (٢/ ٤١)، و«تهذيب السنن» (٢/ ٢٦٦ - العون)، و«الممتع» (٤/ ٣٨٣).
(٣) «البدائع» (١/ ٢١٨)، و«فتح القدير» (١/ ٣٠٩)، و«جواهر الإكليل» (١/ ٨٠)، و«مغنى المحتاج» (١/ ٢٤٨) و«المجموع» (٤/ ٢٩٧)، و«كشاف القناع» (١/ ٤٩٠)، و«الإنصاف» (٢/ ٢٨٩)، و«المغنى» (٢/ ٢١٦)، و«الأوسط» (٤/ ١٨٥)، و«الممتع» (٤/ ٣٨٣).
[ ١ / ٥٣٩ ]
١ - فإن وجد فُرجة في الصف الأخير وقف فيها.
٢ - وإن وجد الفُرجة في صف متقدم فله أن يخترق الصفوف ليصل إليها، لتقصير المصلين في تركها، فإن لم يجد إلا أن يصف بجنب الإمام فله ذلك، وقد تقدمت الأدلة على كل هذا.
٣ - فإن لم يتيسَّر ذلك وعلم أنه سيأتي آخر يصُف معه، صلَّى وحده.
٤ - فإن لم علم بمجيء أحد يصف معه، فهل يجذب واحدًا من الصف ليصف معه؟
اختلف أهل العلم في هذا: فأجازه الحنفية -في قول- والشافعية في الأصح، والحنابلة، وهو مروي عن عطاء والنخعي، لأن الحاجة داعية إليه، وقيَّده الشافعية بمراعاة موافقة المجرور منعًا للفتنة، ورأى أحمد وإسحاق تنبيهه للرجوع وعدم جذبه.
قلت: الأصل في جواز جذب الرجل من الصف، حديث أُبي بن كعب المتقدم «لما جذب الرجل وقام مقامه، فلما انصرف قال: إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه ..» (١) لكن فيه محاذير أخرى تأتي.
وكره مالك أن يجذب أحدًا وقال: يصلي منفردًا، ولا يطيعه المجذوب، وهو مروي عن الأوزاعي وهو اختيار شيخ الإسلام، لأن في هذا الجذب محاذير:
١ - التشويش على الرجل المجذوب.
٢ - فيه جناية على المجذوب بنقله من المكان الفاضل إلى المفضول.
٣ - فتح فرجة في الصف وربما كان هذا من باب قطع الصف وقد تقدم الوعيد فيه.
٤ - فيه جناية على الصف كله، لتحركهم لأجل سدِّ الفرجة.
قلت: الأولى أن لا يجذب أحدًا، وليصلِّ وحده لأجل العذر، والله أعلم.