أولًا: القنوت في صلاة الفجر (٦):
اختلف أهل العلم في مشروعية القنوت في الفجر وفي الوجه الذي يكون عليه، على أربعة أقوال:
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٠٠)، ومسلم (٥٣٩) والزيادة له.
(٣) أخرجه مسلم (٥٣٧) وقد تقدم.
(٤) ورد عن جابر وأبي موسى عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٣٨٧).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨٧)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٧٨) بسند حسن.
(٦) لأخينا في الله مجدي بن عبد الهادي رسالة نافعة بعنوان «إسفار الصبح في قنوت الصبح» وقد قدم لها وراجعها شيخنا مصطفى العدوي، رفع الله مقامه.
[ ١ / ٣٦٣ ]
الأول: أنه سُنَّة مؤكدة راتبة، يستحب المداومة عليه: وهو مذهب مالك والشافعي (١) وحجة هذا القول ما يلي:
١ - حديث البراء بن عازب: «أن رسول الله ﷺ كان يقنتُ في الصبح [والمغرب] (٢).
٢ - حديث أنس أنه سئل: أقنت النبي ﷺ في الصبح؟ قال: «نعم» فقيل له: أوقنت قبل الركوع؟ قال: «بعد الركوع يسيرًا» (٣).
٣ - حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» ثم يقول وهو قائم: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسنى يوسف، اللهم العن لحيان ورعلًا وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله» ثم بلغنا (٤) أنه ترك ذلك لما أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٥) (٦).
٤ - ونحوه عن ابن عمر أنه: سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا» بعد ما يقول: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد» فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٧) (٨).
قالوا: ووجه الدلالة منهما أن النبي ﷺ كان يقنت بعد القيام من الركوع في الفجر، وهذا يدل على المداومة، وأما تركه لذلك بنزول الآية فلا يعكِّر علينا
_________________
(١) «المدونة» (١/ ١٠٠)، و«الاستذكار» (٦/ ٢٠١)، و«الأم» (٨/ ٨١٤)، و«المجموع» (٣/ ٤٩٤)، و«الأذكار» للنووي (٦٩).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٦٧٨)، والترمذي (٤٠١)، وأبو داود (١٤٤١)، والنسائي (٢/ ٢٠٢) وقد اختلف على عمرو بن مرة في لفظ (والمغرب).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٠١)، ومسلم (٦٧٧).
(٤) القائل: الزهري، كما أشار إليه الحافظ في «الفتح» (٨/ ٧٥).
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥) واللفظ له.
(٧) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
(٨) صحيح: أخرجه البخاري (٤٥٥٩).
[ ١ / ٣٦٤ ]
لأمرين، أحدهما: أن هذا القول بلاغ من قول الزهري كما في رواية أبي هريرة، وهو منقطع لا يصح (١)، وعلى فرض صحته فهو متوجِّه إلى المراد: ترك اللعن لا ترك الدعاء جملة (٢).
٥ - ما يُروى عن أنس قال: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» (٣) وهو منكر لا يصح.
القول الثاني: أن القنوت -في الفجر وغيره- منسوخ وبدعة: وهو مذهب أبي حنيفة (٤) واستُدل له بما يلي:
١ - حديث أبي مالك الأشجعي قال: يا أبه، إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، وعلي بن أبي طالب هاهنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: «أي بُنَيُّ محُدَث» (٥).
وأُجيب عنه: بأن والد أبي مالك -طارق بن أشيم ﵁- مقل من الرواية عن النبي ﷺ ولم يعرف بملازمته ﷺ، ولا يبعد أن يخفى عليه قنوته ﷺ، فقد خفيت أشياء على أكابر الصحابة وأكثرهم ملازمة للنبي ﷺ (٦) وقد أثبت القنوت غير طارق، ومن علم حجة على من لم يعلم. قلت: ثم قد ثبت القنوت عن الخلفاء الأربعة كذلك!!
٢ - ما رُوى عن أم سلمة قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن القنوت في الفجر» (٧).
٣ - ما رُوى عن ابن مسعود قال: «لم يقنت النبي ﷺ إلا شهرًا، لم يقنت قبله ولا بعده» (٨).
_________________
(١) «فتح الباري» (٨/ ٧٥)، و«معرفة السنن والآثار» للبيهقي (٢/ ٧٤).
(٢) انظر: «الأم» (٨/ ٨١٥)، و«ابن خزيمة» (١/ ٣١٦)، و«معالم السنن» (١/ ٢٥٠)، و«المجموع» (٣/ ٥٠٥)، و«طرح التثريب» (٢/ ٢٨٩)، وانظر «إسفار الصبح» (ص: ٥٢).
(٣) منكر: أخرجه أحمد (٣/ ١٦٢)، والدارقطني (٢/ ٣٩)، والبيهقي (٢/ ٢٠١)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٤٤١).
(٤) «المبسوط» (١/ ١٦٥)، و«فتح القدير» (١/ ٤٣١).
(٥) إسناده صحيح: أخرجه الترمذي (٤٠٢)، وابن ماجه (١٢٤١)، وأحمد (٣/ ٤٧٢)، وغمز فيه العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١١٩).
(٦) انظر نماذج من هذا في «مفاتيح للفقه في الدين» لشيخنا -حفظه الله- (ص: ٨٢).
(٧) إسناده تالف: أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٨).
(٨) إسناده تالف: أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٤٥)، والبيهقي (٢/ ٢١٣).
[ ١ / ٣٦٥ ]
٤ - ونحوه عن ابن عمر قال: «إنما بدعة، ما فعله رسول الله ﷺ إلا شهرًا ثم تركه» (١).
وهذه الثلاثة ضعيفة لا يحتج بها، لكن ثبت عن ابن عمر أنه قال: «ما شهدتُ أن أحدًا فعله» (٢)!!
وعن ابن مسعود: «أنه كان لا يقنتُ في صلاة الفجر» (٣).
٥ - أن الترك في حديث ابن عمر وأبي هريرة -المتقدمين في أدلة الفريق الأول- يدلُّ على النسخ، وقد تقدم الإجابة عن ذلك من وجهين.
٦ - قالوا: قد قنت النبي ﷺ في الفجر والمغرب، ونُسخ في المغرب بالاتفاق فكذلك الفجر (!!)
وأُجيب: بأنه لا يسلَّم النسخ في هذا ولا ذاك.
القول الثالث: لا يقنت إلا في النازلة: وهو مذهب أحمد (٤) وبعض متأخري الحنفية ويُستدلُّ له:
بحديث أنس ﵁: «أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم» (٥).
القول الرابع: يجوز فعله وتركه: وهو قول الثوري وابن جرير الطبري وابن حزم وابن القيم (٦).
قالوا: ثبت من مجموع الروايات أنه ﷺ كان يفعله أحيانًا ويتركه أحيانًا معلمًا بذلك أمته أنهم مُخيًّرون في العمل به والترك.
وقال ابن القيم: «فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء [يعني: الذين منعوه
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه البيهقي (٢/ ٢١٣).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤٩٥٤).
(٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤٩٤٩).
(٤) «المغنى» (٢/ ٥٨٧)، و«فتح القدير» لابن الهمام (١/ ٤٣٤).
(٥) إسناده لين: أخرجه ابن خزيمة (٦٢٠) والظاهر أنه مختصر من حديث أنس المتقدم في حكاية قنوته ﷺ ودعائه على القبائل، وفيه تقييد بعدم القنوت إلا في الدعاء على قوم، وأخشى أن يكون الحمل في هذا على محمد بن محمد بن مرزوق، فقد أنكر ابن عدي عليه حديثين تفرد بها عن محمد بن عبد الله الأنصاري، وهو هنا يرويه عنه!!
(٦) «تهذيب الآثار» (١/ ٣٣٧)، و«المحلى» (٤/ ١٤٣)، و«زاد المعاد» (١/ ٢٧٤).
[ ١ / ٣٦٦ ]
مطلقًا] وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله ﷺ، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة، وتركه سنة، ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفًا للسنة، كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفًا للسنة، بل من قنت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن» اهـ.
الراجح:
لا شك أن المداومة على قنوت الفجر لم تكن من هديه ﷺ، ولا شك أن النبي ﷺ فعله، فيبقى الأمر دائرًا بين أن يكون سنة في النوازل فقط، أو أن يُفعل تارة ويترك أخرى، وإن كان الذي يظهر لي من خلال الأحاديث الثابتة في المسألة أن الأقرب أنه لا يقنت إلا في النازلة، لا للحديث الذي استُدل به لأصحاب المذهب الثالث، وإنما لأن الظاهر من الأحاديث المفضلة لدعاء النبي ﷺ في قنوت الفجر فيها جميعًا الدعاء على قوم أو لقوم، وكذلك الذي ثبت عن عمر بن الخطاب ففيه: «.. وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردُّه عن القوم المجرمين » (١).
على أنني أُؤكد أن هذا لا يقتضي تبديع المخالف، ولا ترك الصلاة خلفه، فهذا من الجهل بدين الله سبحانه، الذي نبرأ إلى الله منه، ولله درُّ الإمام أحمد حين سئل: عن قوم يقنتون بالبصرة، كيف ترى في الصلاة خلف من يقنت؟ فقال: «قد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت، وخلف من لا يقنت» اهـ (٢).
القنوت -في الفجر- يكون بعد الركوع: فإن الثابت في أحاديث أنس وابن عمر وأبي هريرة المتقدمة أن النبي ﷺ قنت بعد القيام من الركوع، وبهذا قال الشافعي وأحمد وإسحاق وهو رواية عن مالك.
وذهب مالك -في المشهور عنه- إلى أن محلَّه قبل الركوع، وهذا ثابت عن بعض الصحابة كعمر وعليِّ وابن عباس ﵃، فالأمر واسع، لكن الأول أولى كما لا يخفى.
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤٩٦٩).
(٢) نقله عنه ابن القيم في كتاب «الصلاة وحكم تاركها» (ص: ١٢٠).
[ ١ / ٣٦٧ ]
ثانيًا: القنوت في الصلوات الخمس:
يشرع القنوت في الصلوات الخمس جميعًا إذا نزلت بالمسلمين نازلة، لحديث ابن عباس قال: «قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمد من الركعة الآخرة، يدعو على أحياء من بني سليم على رعل وذكوان وعصية، ويؤمِّن من خلفه» (١).
فوائد تتعلق بالقنوت:
١ - يرفع الإمام صوته بالدعاء: لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ولذا نقل أنس وأبو هريرة وابن عباس دعاءه في القنوت.
٢ - يؤمِّن الناس خلف الإمام: لما في حديث ابن عباس المتقدم «.. ويؤمِّن من خلفه» قال ابن قدامة: «لا نعلم فيه خلافًا». وعن أبي عثمان قال: «صليت خلف عمر بن الخطاب فقرأ بمائتي آية من البقرة، وقنت بعد الركوع، ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، ورفع صوته بالدعاء حتى سمع من وراء الحائط» (٢).
٣ - هل تُرفع الأيدي في القنوت؟ (٣)
ذهب جمهور أهل العلم منهم أبو حنيفة وأحمد وإسحاق -وهو أصح الوجهين عند الشافعية- إلى أنهم يرفعون الأيدي في القنوت، وحكاه ابن المنذر عن عمر -وقد صحَّ عنه كما تقدم- وابن مسعود وغيرهما، ويؤيد هذا المذهب ما جاء في حديث أنس: «أن النبي ﷺفي صلاة الغداة- رفع يديه فدعا عليهم الحديث» (٤).
وقال مالك: لا ترفع الأيدي، والأول أصح، والله أعلم.
وستأتي مسائل أخرى تتعلق بالقنوت في «الوتر»، إن شاء الله.
_________________
(١) حسن: صحيح: أخرجه أحمد (١/ ٣٠١)، وابن الجاورد (١٩٧)، وابن خزيمة (٦١٨)، والحاكم (١/ ٢٢٥)، والبيهقي (٢/ ٢٠٠) وله شاهد عن أبي هريرة.
(٢) انظر «إسفار الصبح» (ص: ٦٦ - ٦٩) وما يأتي من مراجع.
(٣) إسناده حسن: أخرجه البيهقي في «معرفة السنن» (٢/ ٨٣).
(٤) «الأوسط» (٥/ ٢١٢)، و«المغنى» (٢/ ٥٨٤)، و«المجموع» (٣/ ٤٩٩).
[ ١ / ٣٦٨ ]