١ - الفتح على الإمام:
إذا لُبس على الإمام: إذا لُبس على الإمام في القراءة أن يفتح عليه من وراءه، إذا نتج عن عدم الفتح تغيير في كلام الله تعالى بأي نوع:
فعن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فلُبسَ عليه، فلما انصرف قال لأُبي: صليت معنا؟ قال: نعم، قال: «فما منعك» (١).
فوائد:
١ - ينبغي ألا يُفتح على الإمام ما دام يُرَدِّد التلاوة، لأنه ربما تذكر بنفسه فهو أولى.
٢ - لا يُفتح على الإمام إذا سكت ولم يتردد في القراءة إلا إذا تأخر في سكوته، لأنه يحتمل أن يكون تفكَّر قليلًا فيما يقرأ.
٣ - لا يُفتح على الإمام إذا أخطأ في القراءة ما لم يكن خطأ يغير المعنى.
فعن أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال:
«إني أُقرئت القرآن على سبعة أحرف ليس منها إلا شاف كاف: إن قلت: غفورًا رحيمًا أو قلت: سميعًا عليمًا أو قلت: عليمًا سميعًا فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب» (٢).
٢ - ترداد الآية في صلاة التطوع:
فعن أبي ذر «أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فرددها حتى أصبح: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ (٤).
وعن مسروق: أن تميمًا الداري ردَّد هذه الآية: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ﴾ (٥)» (٦).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٨٩٤)، وابن حبان (١/ ٣١٦ - إحسان) بسند جيد.
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٦٤٦) بسند صحيح.
(٣) سورة المائدة، الآية: ١١٨.
(٤) أخرجه النسائي (١٠١٠)، وأحمد (٢٠٨٣١) والحاكم وفي سنده لين.
(٥) سورة الجاثية، الآية: ٢١.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (٢/ ٤٧٧).
[ ١ / ٣٥٢ ]
وعن سعيد بن عبيد قال: «رأيت سعيد بن جبير وهو يؤمهم في رمضان يردد هذه الآية: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ (٢) يرددها مرتين أو ثلاثًا» (٣).
قلت: ولم يُنقل هذا في صلاة الفرض، فتركه أولى، والله أعلم.
٣ - البكاء والأنين في الصلاة:
البكاء في الصلاة إن كان من خوف الله تعالى وذكر الجنة والنار ونحوه كان ممدوحًا مثابًا عليه، ولا يبطل الصلاة كما يظن بعض الناس، وكذلك إن كان لوجع أو مصيبة وكنت مغلوبًا عليك فلا شيء فيه أيضًا.
ومما يدل على عدم بطلان الصلاة به:
١ - مدح الله تعالى للباكين بقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٥).
والآيتان تشملان المصلي وغيره.
٢ - وعن عبد الله بن الشخير قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولصدره أزيز كأزيز المرِجل» (٦).
وأزيز المرجل هو صوت غليان الماء في الإناء.
٣ - وعن علي قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح» (٧).
٤ - وعن ابن عمر قال: «لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قيل له في الصلاة، فقال: «مُروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء، قال: «مروه فيصلي»، فعاودته قال: «مروه فيصلي، إنكن صواحب يوسف» (٨).
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٧١.
(٢) سورة الإنفطار، الآيتام: ٦، ٧.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٤٩٢).
(٤) سورة مريم، الآية: ٥٨.
(٥) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.
(٦) أخرجه النسائي (١٢١٤)، وأبو داود (١/ ٣٢٨)، وأحمد (٤/ ٢٥) وسنده صحيح.
(٧) أخرجه أحمد (١٠٢٦)، وابن خزيمة (٢/ ٥٣) وسنده صحيح.
(٨) أخرجه البخاري (٦٨٢).
[ ١ / ٣٥٣ ]
٥ - وقال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١) (٢).
فائدة: والأنين [وهو أن تقول «أَهْ»] والتأوه [قول «أُوه» أو «أُوَّه» أو «آه»] لا يبطلان الصلاة، لكن يكرهان إن كانا من غير حاجة.
٣ - النفخ أثناء الصلاة لحاجة:
فعن عبد الله بن عمر قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ثم نفخ في آخر سجوده فقال: «أف أف»، ثم قال: «رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون؟ » (٣).
وعن أيمن بن نابل قال: قلت لقدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي -صاحب رسول الله ﷺ- أتأذى بريش الحمام في مسجد الحرام إذا سجدنا، فقال: انفخوا» (٤).
٤ - النحنحة في الصلاة للحاجة:
ولا بأس بها في الصلاة، «ذلك أن النبي ﷺ إنما حرم التكلم في الصلاة وقال: «إنه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» والنحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلًا، فإنها لا تدل بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى، ولا يسمى فاعلها متكلمًا وإنما يفهم مراده بقرينة فصارت كالإشارة» (٥) اهـ.
٥ - الكلام اليسير لمصلحة الصلاة:
فإن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها إذا كان من الإمام أو المأموم شريطة ألا يكثر، وأن يتوقف التفهيم عليه.
ومما يدل على ذلك حديث ذي اليدين المشهور في قصة صلاة النبي ﷺ بالناس العصر «.. فسلم من ركعتين فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٨٦.
(٢) أخرجه البخاري تعليقًا في الأذان وانظر «فتح الباري» (٢/ ٢٠٦) وقد ذكر ابن تيمية في الفتاوى (٢٢/ ٦٢٣) أن هذا الأثر محفوظ عن عمر.
(٣) أخرجه أبو داود (١١٩٤)، والنسائي (٣/ ١٣٧)، وأحمد (٢/ ١٥٩) ورجاله ثقات، وقد علقه البخاري (٢/ ٦٢) بصيغة التمريض للاختلاف في رواية عطاء بن السائب وقد كان اختلط، لكن سماع حماد بن سلمة منه كان قبل الاختلاط في قول ابن معين وأبي داود.
(٤) أخرجه البيهقي (٢/ ٢٥٣) وصححه الحافظ في الفتح (٣/ ٨٥).
(٥) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٦١٧).
[ ١ / ٣٥٤ ]
رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ: «كل ذلك لم يكن»، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله على الناس فقال: «أصدق ذو اليدين؟» فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم» (١).
ووجه الدلالة أن الإمام والمأموم تكلما -لمصلحة الصلاة- قبل أن ينهيا الصلاة فكان في حكم الصلاة.
٦ - «الحمد» في الصلاة لمن عطس:
فيجوز لمن عطس في الصلاة أن يحمد الله في نفسه، لكن لا يشتمه صاحبه.
لحديث رفاعة بن مالك قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست فقلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله وانصرف فقال: «من المتكلم في الصلاة؟» فقال رفاعة: أنا يا رسول الله، ، فقال: «والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا أيهم يصعد بها » (٢).
قال الشوكاني: «ويدل أيضًا على مشروعية الحمد في الصلاة لمن عطس ويؤيد ذلك عموم الأحاديث الواردة بمشروعيته فإنها لم تفرق بين الصلاة وغيرها» اهـ.
قلت: ومما يؤيد هذا أيضًا ما في حديث معاوية بن الحكم قال: بينما أنا أصلي مع النبي ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقال: الحمد لله، فقلت: يرحمك الله الحديث» (٣).
وفيه أن النبي ﷺ قد نهى عن شمت العاطس ولم ينه العاطس عن الحمد فدل على مشروعيته والله أعلم.
٧ - «الحمد» في الصلاة للأمر السارِّ المُفْرِح:
ففي حديث سهل بن سعد في قصة ذهاب النبي ﷺ إلى بني عمرو بن عوف
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٣) وغيرهما.
(٢) أخرجه الترمذي (٤٠٤)، والنسائي (٢/ ٢٤٥)، وأخرجه البخاري (٧٩٩) لكن ليس فيه ذكر العطاس.
(٣) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠).
[ ١ / ٣٥٥ ]
ليصلح بينهم فصلى بهم أبو بكر فلما أتى النبي وهم يصلون أراد أبو بكر أن يتراجع « فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ﷿ على ما أمره به رسول الله من ذلك » (١).
٨ - تكليم المصلي وسؤاله للحاجة:
فقد تقدم في قصة جابر لما أرسله النبي ﷺ إلى بني المصطلق أنه أتى النبي ﷺ وهو في الصلاة فكلمه، فلم يرد عليه وأشار إليه بيده (٢).
وكذلك تقدم حديث أسماء قالت: «أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء » (٣).