من الآداب التي ينبغي التأدب بها عند الاستنجاء:
١ - ألا يستنجي بيمينه:
لحديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء» (٣).
وعن سلمان قال: قال لي رجل: إن صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة؟
قال: «أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأيماننا، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار» (٤).
٢ - أن لا يمس الفرج بيمينه:
لحديث أبي قتادة السابق.
٣ - أن يدلك يده بالأرض - بعد الاستنجاء- أو يغسلها بالصابون ونحوه:
فعن أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى ثم مسح يده على الأرض» (٥).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٢) المغنى لابن قدامة (١/ ٢٠٦) ط هجر.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧) وغيرهما.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٦٢)، وأبو داود (٧)، والترمذي (١٦)، والنسائي (١/ ١٦).
(٥) حسن لغيره: أخرجه (٤٥)، وابن ماجه (٦٧٨)، والنسائي (١/ ٤٥)، وانظر المشكاة (٣٦٠).
[ ١ / ٩٠ ]
ويؤيده ما في حديث ميمونة: « ثم صب (أي النبي) على فرجه فغسل فرجه بشماله ثم ضرب بيده على الأرض فغسلها» (١).
٤ - أن ينضح فرجه وسراويله بالماء بعد البول لدفع الوسواس:
فعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: «توضأ مرة فنضح فرجه» (٢).
كيف يستنجي من به مرض سلس البول ونحوه؟
من ابتلي بسلس البول ونحوه:
فإنه يستنجي ويتوضأ لكل صلاة، ثم لا يضره ما نزل منه ما لم يدخل وقت الصلاة الأخرى، وهذا أصح قولي العلماء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم.
والمبتلى بسلس البول له حكم المستحاضة، وقد قال ﷺ في شأنها:
«إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم وصلي» (٣) وعند البخاري: قال: وقال أبي: «ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (٤).
قلت: وإنما كان هذا هو حكم المعذور، رفعًا للحرج عنه، وقد جاءت الشريعة برفع الحرج عن الأمة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٢٦٦)، ومسلم (٣١٧).
(٢) صحيح: أخرجه الدارمي (٧١١)، والبيهقي (١/ ١٦١)، وقال الألباني في «تمام المنة» (ص ٦٦): وسنده صحيح على شرط الشيخين. اهـ.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣) وغيرهما وقد رواه النسائي (١/ ١٨٥) بلفظ «فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي» بزيادة «وتوضئي» وهي شاذة كما أعلها النسائي والبيهقي (١/ ٣٢٧) وأشار مسلم إلى تعليلها ولم يخرجها البخاري وانظر «جامع أحكام النساء» لشيخنا مصطفى العدوي -رفع الله قدره- (١/ ٢٢٣ - ٢٢٦).
(٤) هذا يحتمل أن يكون مرفوعًا من قول النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون من قول عروة بن الزبير راوي الحديث عن عائشة، أفتى به النسوة اللاتي سألنه عن ذلك كما عند الدارمي (١/ ١٩٩)، وإلى الاحتمال الأول مال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٣٢) وإلى الاحتمال الثاني ذهب البيهقي في «السنن» (١/ ٣٤٤) ورجحه شيخنا -حفظه الله- في «جامع أحكام النساء» (١/ ٢٢٧).
(٥) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
[ ١ / ٩١ ]
وذهب مالك وغيره إلى أنه لا يلزمه الاستنجاء ولا الوضوء من ذلك إلا إذا أحدث حدثًا آخر.
قلت: أما عدم الإلزام بالوضوء لكل صلاة ما لم يحدث فلعله أن يكون له وجه عند من يُضعِّف زيادة «وتوضئي لكل صلاة» في الحديث المتقدم على أن الأرجح الوضوء لكل صلاة كما سيأتي في «الحيض» أما عدم الإلزام بالاستنجاء، فلا وجه له، فإنه قد خرج منه ما يوجب الاستنجاء، وكان بوسعه أن يفعله قبل الصلاة بلا مشقة فوجب عليه، وإنما يعفى له عما نزل أثناء صلاته رفعًا للمشقة، والله أعلم.
من آداب قضاء الحاجة:
من أراد أن يقضي حاجته من بول أو غائط، فينبغي له التأدب بما يأتي:
١ - التستر والبعد عن الناس لا سيما في الخلاء:
فعن جابر ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، وكان رسول الله ﷺ لا يأتي البراز [يعني الفضاء] حتى يغيب فلا يرى» (١).
٢ - عدم اصطحاب ما فيه ذكر الله تعالى (٢):
كالخاتم المنقوش عليه اسم الله، ونحو ذلك، لأن تعظيم اسم الله تعالى مما يعلم من الدين بالضرورة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣).
على أنه قد ورد عن أنس أن رسول الله ﷺ: «كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» (٤) لكنه حديث منكر أعله الحفاظ.
ومن المعلوم أن خاتم النبي ﷺ كان نقشه فيه «محمد رسول الله» (٥).
قلت: وإذا كان هذا الخاتم أو نحوه مستورًا بساتر - كأن يوضع في الجيب ونحوه - جاز الدخول به، قال أحمد بن حنبل: «إن شاء جعله في باطن كفه».
وإن خاف ضياعه إن تركه خارجًا، جاز الدخول به للضرورة، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٢)، وابن ماجه (٣٣٥) واللفظ له.
(٢) انظر المجموع (٢/ ٨٧)، والمغنى (١/ ٢٢٧)، والأوسط (١/ ٣٤٢).
(٣) سورة الحج، الآية: ٣٢.
(٤) ضعيف: أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وضعفه الألباني.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٥٨٧٢)، ومسلم (٢٠٩٢) وغيرهما.
[ ١ / ٩٢ ]
٣ - التسمية والاستعاذة عند الدخول:
وهذا إذا كان سيدخل البنيان (دورة المياه) ويقولها عند تشمير الثياب إذا كان في الفضاء:
لقوله ﷺ: «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء، أن يقول: بسم الله» (١).
وعن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (٢).
٤ - تقديم الرجل اليسرى في الدخول، واليمنى في الخروج:
ولم أقف في هذا على نص خاص عن النبي ﷺ، لكن قال الشوكاني في «السيل الجرار» (١/ ٦٤):
وأما تقديم اليسرى دخولًا واليمنى خروجًا، فله وجه، لكون التيامن فيما هو شريف، والتياسر فيما هو غير شريف، وقد ورد ما يدل عليه في الجملة. اهـ.
٥ - عدم استقبال القبلة أو استدبارها عند القعود لقضاء الحاجة:
لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا».
قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله تعالى (٣).
لكن، قد صح عن ابن عمر أنه قال: «لقد رقيت يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته» (٤).
وإذا كان مستقبلًا بيت المقدس -وهو بالمدينة- فهو مستدبر للكعبة!!
قلت: وفي فهم هذين الحديثين أربعة أقوال مشهورة لأهل العلم (٥).
_________________
(١) صححه الألباني. أخرجه الترمذي وابن ماجه، وانظر «صحيح الجامع» (٣٦١١).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤) وغيرهما.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١٤٥)، ومسلم (٢٦٦) وغيرهما.
(٥) ذكرها النووي في المجموع (٢/ ٨٢) وزاد عليها الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٩٦) ثلاثة أخرى.
[ ١ / ٩٣ ]
الأول: أن النهي عن استقبال القبلة واستدبارها مطلق سواء في البنيان أو الصحراء.
وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وابن حزم، واختاره شيخ الإسلام، ونقله ابن حزم عن أبي هريرة وأبي أيوب وابن مسعود وسراقة بن مالك، وعن عطاء والنخعي والثوري والأوزاعي وأبي ثور (١)، واحتجوا بحديث أبي أيوب المتقدم.
وأجابوا عن حديث ابن عمر بأمور:
(أ) أن الحاظر مقدم على المبيح.
(ب) أنه ليس فيه أن ذلك كان بعد النهي عن الاستقبال والاستدبار.
(جـ) أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة إلا ما يدل دليل على أنه أراد الاقتداء به في ذلك وإلا كان فعله خاصًّا به.
قلت: وربما تأيد هذا الأخير بأن رؤية ابن عمر للنبي ﷺ اتفقت له من غير قصد، فكأن النبي ﷺ لم يرد بهذا بيان حكم شرعي جديد.
الثاني: أن النهي خاص بالصحراء دون البنيان: وبه قال مالك والشافعي وأصح الروايتين عن أحمد وإسحاق، وقد سلكوا بهذا مسلك الجمع بين الدليلين، وقالوا: إن قاعدة (القول مقدم على الفعل) إنما يعمل بها في حالة ثبوت الخصوصية ولا دليل عليها.
الثالث: أنه يجوز الاستدبار فقط دون الاستدبار: وقد حكى عن أبي حنيفة وأحمد، عملًا بظاهر حديث ابن عمر مع حديث أبي أيوب.
الرابع: جواز الاستقبال والاستدبار مطلقًا: وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود، وحجتهم أن الأحاديث تعارضت فيرجع إلى أصل الإباحة.
قلت: ولعل القول الأول -وهو التحريم مطلقًا- هو الأقوى دليلًا والأحوط عملًا، والله أعلم.
٦ - اجتناب الكلام مطلقًا إلا للحاجة:
فعن ابن عمر ﵄ «أن رجلًا مر على النبي ﷺوهو يبول- فسلَّم عليه فلم يرد عليه» (٢).
_________________
(١) المحلى (١/ ١٩٤)، والفتح (١/ ٢٩٦)، والأوسط (١/ ٣٣٤) وما بعدها، والسيل الجرار (١/ ٦٩)، والاختيارات الفقهية (٨).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٣٧٠)، وأبو داود (١٦)، والترمذي، والنسائي (١/ ١٥)، وابن ماجه (٣٥٣).
[ ١ / ٩٤ ]
ورد السلام واجب، فتركه يدل على تحريم الكلام -لا سيما- إذا كان بذكر الله تعالى.
لكن إذا تكلم للحاجة التي لابد منها كإرشاد أحد، أو طلب ماء أو نحوه فإنه يباح للضرورة والله أعلم.
٧ - اجتناب قضاء الحاجة في طريق الناس ومستظلهم ونحو ذلك:
فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «اتقوا اللاعنين» قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم» (١).
٨ - اجتناب التبول في المستحم (مكان الاغتسال):
وخصوصًا إذا كان يتجمع الماء فيه مثل «البانيو» ونحوه، فقد «نهى النبي ﷺ أن يبول الرجل في مغتسله» (٢).
٩ - اجتناب التبول في الماء الراكد الذي لا يجري:
لحديث جابر أن النبي ﷺ «نهى أن يبال في الماء الراكد» (٣).
١٠ - ارتياد المكان الرخو اللين عند التبول، واجتناب المكان الصلب، احترازًا من ارتداد النجاسة عليه.
١١ - التزام آداب الاستنجاء التي تقدم ذكرها.
١٢ - أن يقول إذا خرج: «غفرانك»:
فعن عائشة أن النبي ﷺ: «كان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» (٤).