الاستحاضة: جريان الدم في غير أوقات الحيض والنفاس، أو متصلًا بهما، وهو دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة، إنما هو عرق انقطع، سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرؤ منه (٣).
وحكمه: تكون المراة طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع العلماء.
توقيت الاستحاضة:
إذا خرج هذا الدم في غير وقت الحيض والنفاس غير متصل بهما، فلا إشكال في هذا.
أما إذا كان جريان هذا الدم متصلًا، فكيف تصنع؟
فنقول: هذه المرأة لا تخلو من أربع حالات:
١ - إما أن تكون ذات عادة معروفة، تعرف قدر حيضتها، فهذه تنتظر قدر حيضتها ثم تغتسل وتصلي وما زاد على حيضتها فهو دم استحاضة ليس بحيض.
فعن عائشة قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي» (٤).
٢ - وإما أن تكون المرأة لا تعرف حيضتها، لكن تستطيع تمييز دم الحيض من الاستحاضة فتنظر إلى دم حيضها فتترك الصلاة ثم تغتسل وتصلي بعد إدباره.
فعن عائشة قالت: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك
_________________
(١) نيل الأوطار للشوكاني (١/ ٢٨٦).
(٢) المغنى لابن قدامة (١/ ٣٥٠).
(٣) وهو ما يسمى بالنزيف.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (ص ٢٦٤ - عبد الباقي)، وأبو داود (٢٧٩)، والنسائي (١/ ١١٩).
[ ١ / ٢١٦ ]
عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي» (١).
٣ - وإما أن تكون المرأة مبتدأة، بمعنى أنها لم يسبق لها الحيض، فهي غير مميزة لدم الحيض عن غيره من الدماء، فهذه تبنى على حال أغلب النساء، فإن كان الغالب من حال النساء حولها أن يحضن مثلًا في الشهر ستة أو سبعة أيام، فإنها تنتظر من ابتداء حيضتها ستة أو سبعة أيام وتعتبرها أيام حيض، وبعدها تغتسل ولا عبرة بالدم بعد ذلك فإنه استحاضة.
وقد ورد أن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين وأيامهن، وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطُهرن» (٢).
٤ - وأما أن تكون المرأة ناسية لعادتها قدرًا ووقتًا ولا تستطيع تمييز الحيض من الاستحاضة (٣): فللعلماء في هذه أقوال: أظهرها أنها كالمبتدأة غير المميزة التي تقدم حكمها والله أعلم.
أحكام المستحاضة:
١ - المستحاضة في حكم الطاهرة فلا يحرم عليها شيء مما يحرم بالحيض.
٢ - المستحاضة تصوم وتصلي وتقرأ القرآن وتمس المصحف وتسجد للتلاوة وللشكر وغيرها كالطاهرة بالإجماع.
٣ - لا يلزم للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة ما لم تُحدث لأن الراجح ضعف الأخبار الواردة في ذلك (٤)، والأفضل أن تتوضأ أو تغتسل لكل صلاة لحديث عائشة أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل فقال: «هذا عرق» فكانت تغتسل لكل صلاة (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٢٢٨)، ومسلم (ص ٢٦٢) وغيرهما.
(٢) أخرجه أبو داود ٠٢٨٧)، والشافعي في الأم (١/ ٥١)، وابن ماجه (٦٢٢)، والترمذي في الطهارة (باب ٩٥) وسنده لين، وقد حسنه الألباني في الإرواء (٢٠٥).
(٣) وهذه يسميها العلماء: المتحيرة.
(٤) راجعها في «جامع أحكام النساء» (١/ ٢٣٠) وما بعدها.
(٥) أخرجه البخاري (٣٢٧)، ومسلم (٢٦٢) وغيرهما.
[ ١ / ٢١٧ ]
٤ - يجوز للمستحاضة أن يجامعها زوجها ما دام في غير وقت الحيض وإن كان الدم جاريًا، وهو قول أكثر العلماء (١).
٥ - يجوز للمستحاضة أن تعتكف في المسجد، فعن عائشة قالت: «اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي» (٢).
وقد نقل النووي في شرح مسلم (١/ ٦٣١) الإجماع على أن المستحاضة في الاعتكاف كالطاهرة.
_________________
(١) المجموع (٢/ ٣٧٢)، والمغنى (١/ ٣٣٩).
(٢) البخاري.
[ ١ / ٢١٨ ]