سنن الصلاة: هي أقوال وأفعال يُستحب الإتيان بها في الصلاة، يُثاب فاعلها، ولا تبطل الصلاة بتركها ولو عمدًا، ولا يُشرع بتركها سجود السهو.
وليعلم أن في هذا الباب أمور مجمعًا عليها لا مندوحة عن الإتيان بها، وأمورًا أخرى اختلف العلماء فيها، فكان الأنسب في هذا المقام أن أثبت ما صح دليل مشروعيته دون غيره دون التعريج على أوجه الاختلاف فيه، خشية الإطالة، ولأن المقصود معرفة هدي النبي ﷺ في صلاته للاقتداء به، ولا يضر بعذ ذلك مخالفة من خالف كائنًا من كان.
وقد قسمت هذه السنن إلى قولية وفعلية:
السنن القولية:
١ - القراءة بعد الفاتحة:
فَتُسَنُّ قراءة سورة في الركعتين الأوليين بعد الفاتحة بإجماع العلماء، وكذلك تسن قراءتها -أحيانًا- في الثالثة والرابعة:
فعن أبي قتادة قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب» (٤).
_________________
(١) «السيل الجرار» (١/ ٢٢٩).
(٢) «الشرح الممتع» (٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤).
(٣) «المبسوط» (١/ ٣٢)، وانظر «الأوسط» (٣/ ٢٠٧)، و«المجموع» (٣/ ٤٤٤).
(٤) أخرجه مسلم (٤٢١)، ونحوه وفي البخاري (٧٥٩).
[ ١ / ٣٣٦ ]
وأما القراءة في الثالثة والرابعة فلحديث أبي سعيد «أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الآخريين قدر خمس عشرة آية الحديث» (١).
ويستفاد من الحديث السابق أيضًا: أنه يستحب أن تكون القراءة في الأوليين أكثر من القراءة في الأخريين.
ويستحب كذلك ترتيل القراءة وتدبرها بالإجماع، ويكره الإفراط في الإسراع في القراءة بالإجماع، ولقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٢).
ويستحب سؤال الله تعالى والاستعاذة به عند ذكر آيات الرحمة والعذاب.
فعن حذيفة قال: «صليت من النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مَرَّ بتعوذ تعوذ ثم ركع» رواه مسلم.
ويستحب -في الصلاة- أن يقول: «سبحان الله» إذا قرأ قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (٣).
وإذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٤).
أن يقول: «سبحانك فبلى». لثبوت الدليل فيهما.
ولا يشرع إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٥) أن يقول: «بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين».
ولا أن يقول إذا قرأ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦): «آمنا بالله». ولا أن يقول إذا قرأ الإمام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٧): «استعنت بالله».
فإن هذا كله لا يثبت الحديث فيه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٥٢).
(٢) سورة المزمل، الآية: ٤.
(٣) سورة الأعلى، الآية: ١.
(٤) سورة القيامة، الآية: ٤٠.
(٥) سورة التين، الآية: ٨.
(٦) سورة المرسلات، الآية: ٥٠.
(٧) سورة الفاتحة، الآية: ٥.
[ ١ / ٣٣٧ ]
٢ - الذكر في الركوع بما يأتي:
١ - «اللهم لك ركعتُ، ولك أسلمت وبك آمنت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي» (١).
٢ - قوله: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» (٢).
٣ - «سُبَّوحٌ قُدُّوس رب الملائكة والروح» (٣).
٤ - «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (٤).
٣ - الذكر بعد القيام من الركوع وبعد «ربنا لك الحمد» بما يأتي:
١ - «اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ» (٥).
٢ - «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» (٦).
٤ - الذكر في السجود بما يأتي:
١ - «اللهم لك سجدت وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين» (٧).
٢ - «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» (٨).
٣ - «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» (٩).
٤ - «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (١٠).
٥ - الإكثار من الدعاء في السجود، لقوله ﷺ: «وأما السجود فاجتهدوا في الداء، فقمن أن يستجاب لكم» (١١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧١)، والترمذي (٤٣١٧)، وأبو داود (٧٦٠)، والنسائي (٢/ ١٣٠).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٢٤٧)، ومسلم (٤٨٤) وغيرهما.
(٣) أخرجه مسلم (٤٨٧)، وأبو داود (٨٧٢).
(٤) أخرجه أبو داود (٨٧٣)، والنسائي (٢/ ١٩١) بسند حسن.
(٥) أخرجه مسلم (٤٧٧)، والنسائي (٢/ ١٩٨).
(٦) أخرجه البخاري (٢/ ٢٣٧)، وأبو داود (٧٧٠)، والنسائي (٢/ ١٩٦)، والترمذي (٤٠٤).
(٧) أخرجه مسلم (٧٧١) وقد تقدم.
(٨) تقدم ثلاثتهم قريبًا في (الذكر في الركوع).
(٩) تقدم تخريجه.
(١٠) أخرجه مسلم (٤٨٣).
(١١) أخرجه مسلم (٤٨٣).
[ ١ / ٣٣٨ ]
بمعنى: فجدير وحقيق أن يستجاب لكم.
وكان ﷺ يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّهُ وجِلَّه وأوله وآخره وعلانيته وسرَّه» (١).
٥ - الدعاء بين السجدتين بما يأتي:
١ - «اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني» (٢).
٢ - «رب اغفر لي .. رب اغفر لي» (٣).
٦ - الصلاة على النبي بعد التشهد الأول والأخير:
فعن عائشة ﵂ قالت: «كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره، فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد ثم يحمد ربه ويصلي على نبيه ويدعو ثم يسلم » (٤).
وأفضل صيغ الصلاة على النبي ﷺ:
«اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد».
٧ - الدعاء بعد التشهد الأول والثاني:
فأما بعد الأول: فلقوله ﷺ: «إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع ربه ﷿» (٥).
وأما بعد الثاني: فلقوله ﷺ: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه أبو داود (٨٧٤)، والنسائي (٣/ ٢٢٦) وانظر «الإرواء» (٣٣٥).
(٣) أخرجه مسلم (٧٤٦).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٥٧)، ومسلم (٤٠٦) وغيرهما.
(٥) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٣٣٩ ]
بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن شر المسيح الدجال (١) وفي رواية: «ومن المأثم والمغرم».
وقد ثبت أدعية أخرى بين التشهد والتسليم ومنها:
١ - «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (٢).
٢ - «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به منيَّ، أنت المقدِّم، وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» (٣).
٨ - التسليمة الثانية:
فقد كان النبي ﷺ يسلِّم تسليمتين، فعن عامر بن سعد عن أبيه قال: «كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده» (٤).
والتسليمة الأولى ركن، أما الثانية فهي سنة فقد ثبت أن النبي ﷺ اقتصر على الأولى: فعن عائشة أن رسول الله ﷺ «كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، يميل إلى الشق الأيمن قليلًا» (٥).
٩ - الذكر والدعاء بعد الصلاة:
أما الذكر فقد ثبت فيه أحاديث منها:
١ - «من سبَّح في دُبُر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين وكبَّر ثلاثً وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير -غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر» (٦).
٢ - «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٩٢)، ومسلم (٥٨٨) وغيرهما.
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٢٦٥)، ومسلم (٢٧٠٥) وغيرهما.
(٣) أخرجه مسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤١٧)، والنسائي (٢/ ١٣٠).
(٤) رواه مسلم (١/ ٥٨٢).
(٥) أخرجه الترمذي (٢٩٥) بسند صحيح.
(٦) رواه مسلم (٥٩٧).
[ ١ / ٣٤٠ ]
قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» (١).
٣ - «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجد» (٢).
٤ - كان ﷺ إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٣).
٥ - عن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمُعَوِّذات دُبُرَ كل صلاة» (٤).
٦ - «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يحل بينه وبين دخول الجنة إلا الموت» (٥).
وأما الدعاء بعد الصلاة:
فقد صح عن النبي ﷺ بعدة صيغ منها:
١ - «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٦).
٢ - «اللهم إني أعوذ بك من الجبْن، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» (٧).
٣ - «رب قِني عذابَك يوم تبعث عبادك» (٨).
٤ - «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» (٩).
_________________
(١) رواه مسلم (٥٩٤).
(٢) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٤٧١).
(٣) رواه مسلم (٥٩١).
(٤) رواه أبو داود (١٥٢٣)، والترمذي (٢٩٠٣)، والنسائي (١٣٣٦) بسند حسن.
(٥) رواه ابن السني بسند حسن.
(٦) أخرجه أبو داود (١٥٠٨)، والنسائي (٣/ ٥٣) بسند صحيح.
(٧) أخرجه البخاري (٢٨٢٢)، والترمذي (٣٥٦٢)، والنسائي (٨/ ٢٦٦).
(٨) أخرجه مسلم (٧٠٩).
(٩) أخرجه مسلم (٧٧١) وقد تقدم.
[ ١ / ٣٤١ ]
٥ - «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا» (١).
٦ - «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر» (٢).
فائدة:
الدعاء بعد الصلاة مستجاب -إن شاء الله- فقد قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل، ودبر الصلوات المكتوبات» (٣).