تعريفها:
الاستسقاء: طلب السُّقْيا من الله تعالى بإنزال المطر عند الجدب، وقد أجمع العلماء على أنه سنَّة سنَّها رسول الله ﷺ، وإنما اختلفوا في الصلاة للاستسقاء كما سيأتي.
حكم الصلاة للاستسقاء:
إذا قحط الناس وأجدبت الأرض واحتبس المطر، فيستحب -عند الجمهور-
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود (١١٨٧)، والبيهقي (٣/ ٣٣٥).
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذي (٥٦٢)، وأبو داود (١١٨٤)، والنسائي (٥/ ١٩)، وابن ماجه (١٢٦٤).
(٣) «البدائع» (١/ ٢٨٢)، و«مواهب الجليل» (٢/ ٢٠٠)، و«الأم» (١/ ٢٤٦)، و«كشاف القناع» (٢/ ٦٥)، و«المغنى» (٢/ ٤٢٩)، و«المحلى» (٥/ ٩٥ وما بعدها).
[ ١ / ٤٣٩ ]
أن يخرج الإمام ومعه الناس إلى المصلى على صفة تأتي، ويصلى بهم ركعتين، لأنه الثابت عن رسول الله ﷺ.
فعن عبَّاد بن تميم عن عمه قال: «خرج النبي ﷺ إلى المصلى يستسقي، واستقبل القبلة فصلَّى ركعتين، وقَلَب رِدَاءه: جعل اليمن على الشمال» (١).
وخالف في هذا أبو حنيفة (٢) فقال: لا تُسَنُّ صلاة للاستسقاء ولا الخروج لها واستدل لما ورد أن النبي ﷺ استسقى بدون صلاة كما سيأتي.
والحديث حجة عليه، وفعله ﷺ للاستسقاء بدون صلاة لا يمنع أن يكون فعل الأمرين إذ لا تنافي بينهما.
من سنن الاستسقاء:
[١] خروج الناس مع الإمام إلى المصلى متبذِّلين متواضعين متضرِّعين: فعن ابن عباس قال: «خرج رسول الله ﷺ مبتذلًا متواضعًا متضرِّعًا، حتى أتى المصلى فرقى المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرُّع والتكبير، ثم صلَّى ركعتين كما يصلي في العيد» (٣).
[٢] أن يخطبهم الإمام قبل الصلاة أو بعدها على منبر يوضع له:
وقد اتفق القائلون بسُنية الصلاة للاستسقاء على أن لها خُطْبة، إلا رواية في مذهب أحمد.
وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وأكثر أهل العلم إلى أن الخطبة بعد الصلاة (٤)، واحتجوا بما يلي:
١ - حديث عبد الله بن زيد قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى المصلَّى فاستسقى وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة وبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم استقبل القبلة ودعا» (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٢٧)، ومسلم (٨٩٤) واللفظ للبخاري.
(٢) «ابن عابدين» (٢/ ١٨٤)، و«فتح القدير» (٢/ ٥٧).
(٣) حسنه الألباني: أخرجه أبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٥)، والنسائي (١/ ٢٢٦)، وانظر «الإرواء» (٦٦٥).
(٤) «الدسوقي» (١/ ٤٠٦)، و«الأم» (١/ ٢٢١)، و«المجموع» (٥/ ٧٧)، و«المغنى» (٢/ ٤٣٣)، و«كشاف القناع» (٢/ ٦٩).
(٥) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ٤١)، وأصله في البخاري (١٠٢٧)، لكن ليس فيه التصريح بموضع الشاهد منه.
[ ١ / ٤٤٠ ]
٢ - حديث أبي هريرة قال: «خرج رسول الله ﷺ يومًا يستسقي فصلَّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله ﷿، وحوَّل رداءه فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» (١).
وذهب مالك وأحمد في رواية ثانية عنهما إلى أن الخطبة قبل الصلاة، وحجتهم:
حديث عبد الله بن زيد قال: «خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجَّه إلى القبلة يدعو، وحوَّل رداءه، ثم صلَّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (٢).
والظاهر أن الأمر في هذا واسع فيجوز أن يخطب قبل الصلاة أو بعدها، وهذا التخيير رواية ثالثة في مذهب أحمد واختاره الشوكاني وغيره.
ويستحب أن تكون خطبته مناسبة للحديث، مشتملة إظهار الافتقار والندم والتوبة إلى الله تعالى، كما قال العباس حينما استسقى به عمر بن الخطاب ﵄: «وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث» (٣) ونحو ذلك مما سيأتي بعضه.
[٣] أن يدعو الإمام ويكثر المسألة قائمًا مستقبل القبلة رافعًا مبالغًا في رفعهما جاعلًا ظهور كفيه إلى السماء، ويرفع الناس أيديهم، ويحوِّل الإمام رداءه:
فعن عبد الله بن زيد: «أن النبي ﷺ خرج بالناس يستسقي بهم، فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجَّه قِبَل القبلة وحوَّل رداءه، فأُسقوا» (٤).
وعن أنس قال: «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يُرى بياض إبطيه» (٥).
وعن أنس: «أن رسول الله ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء» (٦).
وفي لفظ أبي داود: «كان يستسقي هكذا، ومدَّ يديه -وجعل بطونهما مما يلي الأرض- حتى رأيته بياض إبطيه».
_________________
(١) إسناده لين: أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٦)، وابن ماجه (١٢٦٨).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٢٤)، ومسلم (٨٩٤).
(٣) ذكره الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٩٧)، وعزاه إلى الزبير بن بكار في «الأنساب».
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٢٣)، والدارمي (١٥٣٤).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٣١)، ومسلم (٨٩٥).
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (٨٩٦)، وأبو داود (١١٧١)، وأحمد (٣/ ١٥٣).
[ ١ / ٤٤١ ]
«قال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلًا ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء». اهـ.
وقال غير: الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهرًا لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسئول وهو نزول السحاب إلى الأرض» (١) اهـ.
وأما رفع الناس أيديهم، فلما في حديث أنس -في استسقائه ﷺ يوم الجمعة على المنبر-: « فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون » (٢) الحديث وسيأتي وأما تحويل الإمام رداءه الوارد في حديث عبد الله ابن زيد، فمعناه: أن يجعل ما على يمينه -من ردائه- على يساره والعكس، واستحبه الجمهور، وقيل: يستحب أن يقلب ظهر رداءه لبطنه وبطنه لظهره، لحديث ابن زيد: «استسقى النبي ﷺ وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقة» (٣).
والحمة في ذلك التفاؤل بتحويل الحال، ومحلُّ هذا التحويل عند الفراغ من الخطبة.
[٤] من مأثور الدعاء في الاستسقاء:
(أ) عن جابر قال: أتت النبي ﷺ بَوَاك، فقال النبي ﷺ: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا نافعًا غير ضارٍّ عاجلًا غير آجل» فأطبقت عليهم السماء (٤).
(ب) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأَحْيِ بلدك الميت» (٥).
(جـ) وفي حديث عائشة أنه لما قحط الناس ووعدهم الخروج: « فقعد
_________________
(١) «فتح الباري» (٣/ ٦٠١).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٢٩).
(٣) صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ٤١)، وأبو داود (١١٦٤)، والبيهقي (٣/ ٣٥١)، وانظر «الإرواء» (٣/ ١٤٢).
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (١١٦٩)، والحاكم (١/ ٣٢٧)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٣٥٥).
(٥) حسن: أخرجه أبو داود (١١٧٦).
[ ١ / ٤٤٢ ]
على المنبر فكبَّر وحمد الله ﷿ ثم قال: «إنكم جَدْب دياركم واستئخار المطر عن إبَّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله سبحانه أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم» ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني، ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين» الحديث (١) وسيأتي دعاء آخر في الاستسقاء في خطبة الجمعة.
[٥] أن يصلي بهم ركعتين كصلاة العيد، ويجهر فيهما:
لما تقدم في حديث ابن عباس: « وصلى ركعتين كما يصلي العيد» (٢).
وتقدم في حديث عبد الله بن زيد: « ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (٣).
الاستسقاء بدون الخروج للصلاة: ثبت عن النبي ﷺ أوجه للاستسقاء بدون الخروج للصلاة، فمن ذلك:
١ - الاستسقاء (الدعاء بالسقيا) في خطبة الجمعة:
فعن أنس: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة -ورسول الله ﷺ قائم يخطب- فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحابة ولا قزعة، ولا بيننا وبين سَلعٍ من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرس، فلما توسَّطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس ستًّا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة- ورسول الله ﷺ قائم يخطب- فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس » (٤).
_________________
(١) حسنه الألباني: أخرجه أبو داود (١١٧٣)، والحاكم (١/ ٣٢٨)، وانظر «الإرواء» (٦٦٨).
(٢) حسنه الألباني: وقد تقدم قريبًا.
(٣) صحيح: تقدم قريبًا.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١٠١٤)، ومسلم (٨٩٧).
[ ١ / ٤٤٣ ]
وفيه من الفوائد (١): إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر من غير تحويل فيه ولا استقبال للقبلة، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وجواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة.
[٢] الاستسقاء في المسجد في غير جمعة ومن غير صلاة:
كما في حديث جابر قال: أتت النبي ﷺ بواك -وهي جمع باكية- فقال النبي ﷺ: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا نافعًا غير ضارٍّ عاجلًا غير آجل» فأطبقت عليهم السماء (٢).
[٣] الاستسقاء خارج المسجد:
فعن عمير مولى أبي اللحم أنه «رأى النبي ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء قائمًا يدعو رافعًا يديه قِبل وجهه لا يجاوز بهما رأسه» (٣).
ما يقال ويفعل إذا نزل المطر:
[١] يستحب -إذا نزل المطر- أن يدعو بالمأثور، ومن ذلك:
(أ) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر، قال: «اللهم صيِّبًا نافعًا» (٤).
(ب) وعنها أنه ﷺ كان إذا رأى المطر قال: «رحمةٌ) (٥).
[٢] ويجب أن يعتقد أنهم مُطِروا بفضل الله وبرحمته، لا بالنجوم والأنواء:
فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح بالحديبية في إثْر سماء (٦) كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال بكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبايد مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي
_________________
(١) «فتح الباري» (٢/ ٥٨٩) ط. السلفية.
(٢) صحيح: تقدم قريبًا.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (١١٦٨)، والترمذي (٥٥٧)، والنسائي (٣/ ١٥٩)، وأحمد (٥/ ٢٢٣).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٣٢)، وابن ماجه (٣٨٨٩).
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٨٩٩)، في جزء من حديث.
(٦) أي: بعد مطر.
[ ١ / ٤٤٤ ]
كافرٌ بالكواكب، وأما من قال: مُطِرنا بِنَوْء (١) كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» (٢).
فإذا اعتقد أن للنواء تأثيرًا في إنزال المطر فهذا كفر، لأنه أشرك في الربوبية، وإن لم يعتقد ذلك -بل قاله على سبيل المجاز مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، ولكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط النجم- فهو من الشرك الأصغر، لأنه نسب نعمة الله إلى غيره، ولأن الله لم يجعل النوء سببًا لإنزال المطر فيه، وإنما هو من فضل الله ورحمته، يحبسه إذا شاء وينزله إذا شاء (٣).
[٣] يستحب أن يدعو عند المطر، فإنه مظنة الإجابة (إن صح الحديث):
لما رُوى عن النبي ﷺ أنه قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند: التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» (٤).
[٤] ويستحب أن يتعرض ببعض بدنه للمطر:
فعن أنس قال: أصابنا -ونحن مع رسول الله ﷺ- مطرٌ، فَحَسَر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ قال: «لأنه حديثُ عهد بربِّه تعالى» (٥).
[٥] وإذا كثر المطر وخيف الضرر منه: فيستحب أن يدعو رافعًا يديه -بما في حديث أنس المتقدم في الاستسقاء على المنبر يوم الجمعة-: «اللهم حوالَيْنا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» (٦).
والآكام: دون الجبل وأعلى من الرابية، والظِّراب: الجبال المنبسطة غير العالية.