تعريفها: التطوع في الأصل: فعل الطاعة، وصار في الشرع مخصوصًا بطاعة غير واجبة. وصلاة التطوع هي ما زادت على الصلوات المفروضة، لقول النبي ﷺ حين سئل عن الإسلام: «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال السائل: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع» (١).
أهميَّة صلاة التطوع:
١ - الصلاة خير الأعمال: الصلاة أفضل عبادات البدن، وخير ما يتُقرب به إلى الله ﷾، فقد قال النبي ﷺ: «استقيموا، ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» (٢).
٢ - الرفعة في الجنة بكثرة التطوع:
عن ربيعة بن مالك الأسلمي قال: قال الرسول ﷺ: «سَلْ» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك، قال: «فأعنَّي على نفسك بكثرة السجود» (٣).
وفي حديث ثوبان أنه سأل رسول الله ﷺ عن عمل يدخله الجنة فقال: «عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة » (٤).
٣ - جبر النقص في الفرائض:
عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل لينصرف [من صلاته] وما كتب له إلا عُشْرها تُسْعها ثمنها سْبعها سْدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها» (٥).
وقد شرعت صلاة التطوع لتكون جبرًا وتكميلًا لما قد يقع في الفرائض من
_________________
(١) صحيح: تقدم تخريجه.
(٢) صحيح بطرقه: أخرجه ابن ماجه (٢٧٧) وغيره وله أسانيد يصح بمجموعها، انظر «تعظيم قدر الصلاة» (١٧٠ - بتحقيقنا).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٤٨٩)، والنسائي (٢/ ٢٢٧)، وأبو داود (١٣٢٠)، وأحمد (٤/ ٥٩).
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٤٨٨)، وانظر «تعظيم قدر الصلاة» بتحقيقي (٣٠٠).
(٥) أخرجه أبو داود (٧٦٩)، وأحمد (٤/ ٣٢١)، وانظر «قدر الصلاة» بتحقيقي (١٥٦).
[ ١ / ٣٦٩ ]
نقص، فقد قال ﷺ: «أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا للملائكة -وهو أعلم-: انظروا في صلاة عبدي أتَّمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوُّع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضة من تطوُّعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك» (١).
أقسام صلاة التطوع:
[١] تطوع مطلق: وهو الذي لا سبب له، ولا حصر له، ولا لعدد ركعات الواحدة منه، وله أن ينوي عددًا وله أن لا ينويه، بل يقتصر على نية الصلاة، فإذا شرع في تطوع ولم ينو عددًا فله أن يسلم من ركعة وله أن يزيد فيجعلها ركعتين أو ثلاثًا أو عشرًا أو أكثر، ولو صلى عددًا لا يعلمه ثم سلَّم صحَّ (٢).
فعن أبي ذر ﵁ أنه صلى عددًا كثيرًا، فلما سلَّم قال له الأحنف بن قيس: هل تدري انصرفت على شفع أم على وتر؟ قال: إلا أكن أدري فإن الله يدري، إني سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحطَّ عنه بها خطيئة» (٣).
متى يتشهد؟
إن تطوع بركعة فلابد من التشهد عقبها، وإن زاد على ركعة فله أن يقتصر على تشهد واحد في آخر صلاته، وهذا التشهد ركن لابد منه، وله أن يتشهد في كل ركعتين كما في الفرائض الرباعية، فإن كان العدد وترًا فلابد من التشهد في الآخرة أيضًا إن كانت صلاته أربعًا، فإن كانت ستًّا أو عشرًا أو أكثر من ذلك شفعًا كانت أو وترًا ففيها أربعة أوجه (٤):
١ - يجوز أن يتشهد في كل ركعتين وإن كثرت التشهدات، ويتشهد في الآخرة، وله أن يقتصر على تشهده في الآخرة، وله أن يتشهد في كل أربع أو ثلاث أو ست وغير ذلك، ولا يجوز أن يتشهد في كل ركعة لأنه اختراع صورة في الصلاة لا عهد بها.
_________________
(١) صحيح في الجملة. وانظر «تعظيم قدر الصلاة» بتحقيقي (١٨٠).
(٢) «المجموع» للنووي (٣/ ٥٤١).
(٣) صحيح: أخرجه أحمد (٥/ ١٦٤)، وعبد الرزاق (٣٥٦١، ٤٨٤٧)، والبزار (٩/ ٣٤٥)، والبيهقي (٢/ ٤٨٩).
(٤) «المجموع» (٣/ ٥٤٢ - ٥٤٣).
[ ١ / ٣٧٠ ]
٢ - لا يجوز الزيادة على تشهدين بحال من الصلاة الواحدة، ولا يجوز أن يكون بين التشهدين أكثر من ركعتين إن كان العدد شفعًا، فإن كان وترًا لم يجز بينهما أكثر من ركعة، قال النووي: وهو قوي، وظاهر السنة يقتضيه. اهـ. قلت: وسيأتي الدليل عليه في «قيام الليل».
٣ - أن لا يجلس إلا في الآخرة، قال النووي: وهو غلط، قلت: بل ثبت فعل النبي ﷺ له، كما سيأتي في «الوتر».
٤ - يجوز التشهد في كل ركعتين وفي كل ركعة، قال النووي: وهو ضعيف أو باطل.
الأفضل أن تصلي ركعتين ركعتين:
لا خلاف في أن الأفضل أن يسلم من كل ركعتين في نوافل الليل والنهار، وقد رُوى عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة الليل [والنهار] مثنى مثنى» (١) ولا يصح.
والصحيح قوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» (٢).
وهذا الذي ذكرتُ من جواز جمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة، وأن الأفضل في صلاة الليل والنهار أن يسلِّم من كل ركعتين، هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود وابن المنذر، وحكى عن الحسن وسعيد بن جبير.
وقال أبو حنيفة: التسليم من ركعتين أو أربع في صلاة النهار سواء في الفضيلة ولا يزيد على ذلك، وصلاة الليل ركعتان وأربع وست وثمان بتسليمة ولا يزيد على ثمان.
[٢] التطوع المقيَّد: وهي الصلوات التي ورد النص بمشروعيتها، وهي نوعان:
(أ) السنن الرواتب: وهي السنن التابعة للفرائض الخمس، ومن هذه السنن ما يتقدم على الفرائض، وتسمى (السنة القبلية)، ومنها ما يتأخر عنها، وتسمى (السنة البعدية) وفي ذلك معنى لطيف مناسب:
_________________
(١) شاذ بهذه الزيادة: أخرجه أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٤)، والنسائي (٣/ ٢٢٧)، وابن ماجه (١٣٢٢)، وانظر «فتاوى ابن تيمية» (٢١/ ٢٨٩) وأعله أحمد والنسائي والترمذي والدارقطني وابن عبد البر وابن حجر.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٩٩٠)، ومسلم (٧٤٩) من حديث ابن عمر.
[ ١ / ٣٧١ ]
أما في التقديم فلأن النفوس -لاشتغالها بأسباب الدنيا -تكون بعيدة عن حال الخشوع والحضور التي هي روح العبادة، فإذا قُدِّمت النوافل على الفرائض أنست النفس بالعبادة.
- وأما تأخيرها عنها، فلما تقدم من أن النوافل جابرة لنقص الفرائض، فإذا وقع الفرض ناسب أن يقع بعده ما يجبر الخلل الذي يقع فيه.
الرواتب: مؤكدة، وغير مؤكدة:
وهذه السنن التابعة للفرائض منها ما هو مؤكد قد داوم عليه رسول الله ﷺ، وهي عشر، فعن ابن عمر ﵄ قال: «حفظت عن النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح (١). وبهذا قال الشافعية والحنابلة (٢).
وعند الحنفية (٣) الرواتب المؤكدة اثنتا عشرة: كالعشر السابقة لكن قبل الظهر أربع، لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ لا يدع أربعًا قبل الظهر» (٤).
وعن أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بُنى له بهن بيتُ في الجنة» قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ (٥).
زاد الترمذي: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر».
وأما المالكية فلا تحديد لعدد ركعات السنن الرواتب عندهم، بل يكفي في تحصيل الندب ركعتان في كل وقت.
ومن السنن الرواتب ما ليس بمؤكد، وهي ما ورد الندب إلى فعلها في الجملة من غير تأكيد.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٨٠)، ومسلم (٧٢٩).
(٢) «المجموع» (٣/ ٥٠١)، و«كشاف القناع» (١/ ٤٢٢).
(٣) «ابن عابدين» (١/ ٤٤١).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١١٨٢).
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٧٢٨)، والترمذي (٤١٥)، والزيادة له، وأبو داود (١٢٥٠)، وابن ماجه (١١٤١)، ولها شاهد من حديث عائشة عند الترمذي (٤١٤)، والنسائي (٣/ ٢٦٠)، وابن ماجه (١١٤٠).
[ ١ / ٣٧٢ ]
سُنَّة الفجر:
توكيدها: من آكد السنن الراتبة: ركعتان قبل صلاة الفجر، فعن عائشة ﵂ قالت: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر» (١) وفي لفظ «لم يكن يدعهما أبدًا» (٢) وذلك لما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٣).
قال ابن القيم: في «الزاد» (١/ ٣١٥): «.. ولذا لم يدعها -يعني النبي ﷺ- هي والوتر سفرًا ولا حضرًا، وكان في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشدُّ من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما» اهـ.
تخفيفهما:
يُسَنُّ تخفيف ركعتي الفجر، بشرط أن لا تخل بواجب، فعن ابن عمر قال: أخبرتني حفصة «أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح، صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة» (٤).
وعن عائشة: «كان النبي ﷺ يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح» (٥).
وعنها قالت: «كان النبي ﷺ يُخفِّف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟» (٦).
القراءة فيهما بعد الفاتحة: ثبت عن النبي ﷺ في القراءة في ركعتي سنة الفجر أَوْجُه:
١ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ «قرأ في ركعتي الفجر: (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد)» (٧).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٩٣)، ومسلم (١١٩١).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١١٥٩).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٧٢٥)، والترمذي (٤١٦).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٥٨٣).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٥٨٤).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٩٥)، ومسلم (١١٨٩).
(٧) صحيح: أخرجه مسلم (٧٢٦).
[ ١ / ٣٧٣ ]
٢ - عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا ﴾ (١). والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٢)» (٣).
فيقرأ بعد الفاتحة في الأولى الآية (١٣٦) من البقرة، وبعدها في الثانية الآية (٦٤) من آل عمران.
٣ - وربما استدل آية آل عمران في الثانية بقوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ (٤) إلى آخر الآية كما في حديث ابن عباس (٥).
قلت: والأولى أن ينوِّع المرء بين هذا كله إصابة للسنة، كما هو الشأن في سائر العبادات التي صحت على أوجه متنوعة والله أعلم.
الاضطجاع على الجنب الأيمن بعدهما:
عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة» (٦).
وقد اختلف أهل العلم في حكم الاضطجاع بعد ركعتي سنة الفجر على أقوال (٧):
١ - يستحب مطلقًا: وهو مذهب الشافعي وبه قال أبو موسى الأشعري ورافع ابن خديج وأنس بن مالك وأبو هريرة ﵃، وبه قال ابن سيرين والفقهاء السبعة.
٢ - أن الاضطجاع واجب: وهو مذهب أبي محمد بن حزمن بل أغرب -﵀- فجعله شرطًا لصحة صلاة الفجر!! قال شيخ الإسلام: «وهذا مما تفرَّد به عن الأمة» (٨) اهـ.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٣٦.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٦٤.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٧٢٧)، والنسائي (٢/ ١٥٥).
(٤) سورة آل عمران، الآية: ٥٢.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٧٢٧)، وأبو داود (١٢٥٩).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٠).
(٧) «نيل الأوطار» (٣/ ٢٨ - ٣٢)، و«المحلى» (٣/ ١٩٦)، و«المجموع» (٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤).
(٨) نقله ابن القيم في «الزاد» (١/ ٣١٩).
[ ١ / ٣٧٤ ]
قلت: مستنده حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلىَّ أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح، فليضطجع على جنيه الأيمن» (١).
وأجيب بأن الحديث متكلم فيه، وعلى فرض صحته، فالأمر فيه مصروف إلى الاستحباب بحديث عائشة: «أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين، فإن كنت مستيقظة حدَّثني وإلا اضطجع» (٢).
وظاهره أنه كان لا يضطجع مع استيقاظها، فكان ذلك قرينة لصرف الأمر إلى الندب، وأجيب بأن تركه ﷺ لما أمر به أمرًا خاصًّا بالأمة لا يعارض ذلك الأمر الخاص ولا يصرفه عن حقيقته كما تقرر في الأصول، قلت: هذا إذا ثبت الحديث!!
٣ - أنه مكروه: وهو قول جمع من السلف منهم ابن مسعود وابن المسيب والنخعي، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء، وحجتهم أن النبي ﷺ لم يعرف عنه أنه عمل في المسجد إذا لو عمل به لتواتر نقله!!
٤ - أنه خلاف الأولى: وهو مروي عن الحسن البصري.
٥ - أنه مستحب لمن يقوم الليل ليستريح: وهو اختيار ابن العربي وشيخ الإسلام ابن تيمية.
٦ - أن الاضطجاع ليس مقصودًا لذاته بل للفصل بين السنة والفرض: وهو مروي عن الشافعي، وهو مردود، لأن الفصل يمكن أن يكون بشيء غير الاضطجاع.
قلت: والراجح أن الاضطجاع بعد ركعتي سنة الفجر مستحب بشرطين:
الأول: أن يكون في البيت لا في المسجد لعدم نقله عن النبي ﷺ فيه، والثاني: أن يكون الشخص ممن يستطيع القيام لصلاة الفجر ولا ينام عنها، والله أعلم.
قضاؤهما:
من فاتته ركعتا سنة الفجر -لعذر- فإنه يشرع له قضاؤهما متى زال عذره لما يأتي:
١ - حديث أبي هريرة قال عرَّسنا مع نبي الله ﷺ فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس فقال النبي ﷺ: «ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٢٦١)، والترمذي (٤٢٠)، وأحمد (٢/ ٤١٥) وغيرهم وقال ابن تيمية هذا باطل وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل، لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٩٢)، ومسلم (١٢٢٧).
[ ١ / ٣٧٥ ]
فيه الشيطان» قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضَّأ، ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلَّى الغداة (١). ونحوه حديث عمران بن حصين وقد تقدم.
٢ - حديث قيس بن عمرو قال رأس رسول الله ﷺ رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله ﷺ: «صلاة الصبح ركعتان» «فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ (٢).
ولا يعارض ما تقدم حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يصلِّ ركعتي الفجر، فليصلهما بعد ما تطلق الشمس» (٣) فإنه ليس صريحًا في أن من تركهما لا يصليهما إلا بعد طلوع الشمس -كما قال الجمهور- إذ ليس فيه إلا الأمر لمن لم يصلهما مطلقًا أن يصليهما بعد طلوع الشمس، ولا شك أنهما إذا تركا في وقت الأداء فُعِلا في وقت القضاء، وليس في الحديث ما يدل على المنع من فعلهما بعد صلاة الصبح، والله أعلم.
هل يتطوع -بعد طلوع الفجر- سوى ركعتي الفجر؟ (٤).
اختلف أهل العلم في التطوع بعد طلوع الفجر سوى ركعتي السنة اللتين قبل صلاة الفجر على قولين:
الأول: يُكره التطوع بغير ركعتي الفجر: وهو قول أكثر السلف منهم الحسن البصري والنخعي وسعيد بن المسيب وأصحاب الرأي، وهو مروي عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر وفي إسنادهما مقال.
وعن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار، إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلُّوا بعد الفجر إلا سجدتين» (٥).
الثاني: لا بأس أن يتطوع بعد طلوع الفجر: وقد حكاه ابن المنذر عن الحسن
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٠٩٨) وغيره.
(٢) حسن بطرقه: وقد تقدم في «أوقات النهي».
(٣) صحيح: أخرجه الترمذي (٤٢٣)، وابن خزيمة (١١١٧)، والحاكم (١/ ٢٧٤)، وابن حبان (٢٤٧٢) وغيرهم.
(٤) «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠).
(٥) صححه الألباني: أخرجه أبو داود (١٢٦٤)، والترمذي (٤١٧)، وانظر «صحيح الجامع» (٥٣٥٣).
[ ١ / ٣٧٦ ]
البصري -أيضًا- قال: وكان مالك يرى أن يفعل ذلك من فاتته صلاته بالليل، وهو مروي عن بلال ﵁.
قلت: والأول أقوى ويؤيده حديث ابن عمر عن حفصة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتي الفجر» (١) وهو يقوى حديث ابن عمر السابق -وإن لم يكن مردُّه إلى حديث حفصة!! - ويستثنى من هذا قضاء الفائتة وصلاة ذات السبب كما تقدم في أوقات النهي، والله أعلم.
تنبيهان:
١ - لا يكره الكلام بعد ركعتي الفجر: خلافًا لما ورد عن بعض أصحاب النبي ﷺ وغيرهم كأحمد وإسحاق، من كراهة الكلام بعد طلوع الفجر حتى يصلى الفجر إلا ما كان من ذكر الله أو مما لا بد منه، إذ لا دليل على ذلك، بل في حديث عائشة الذي تقدم دليل على خلافه، وهو قولها: «فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع».
٢ - لا يثبت عن النبي ﷺ شيء في الدعاء بعد الفراغ من ركعتي الفجر: وفيهما حديثان ضعيفان جدًّا لا يجوز العمل بهما حتى عند القائلين بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، لشدة ضعفهما (٢).
سُنَّة الظهر:
وردت سنة الظهر على ثلاثة أوجه:
الأول: ركعتان قبلها وركعتان بعدها: كما في حديث ابن عمر قال: «حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح» (٣).
الثاني: أربع ركعات قبلها واثنتان بعدها:
فعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ لا يدع أربعًا قبل الظهر» (٤).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٧٣)، ومسلم (٧٢٣) وغيرهما.
(٢) نبَّه على هذا العلامة الألباني -﵀- في «تمام المنة» (ص/ ٢٣٨ - ٢٣٩) فليراجع.
(٣) صحيح: تقدم قريبًا.
(٤) صحيح: تقدم قريبًا.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ، قالت: «كان يصلي قبل الظهر أربعًا واثنتين بعدها» (١).
وقد تقدم نحوه من حديث أم حبيبة ﵂.
الثالث: أربع ركعات قبلها وأربع بعدها:
لحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلَّى أربع ركعات قبل الظهر، وأربعًا بعدها حرَّمه الله على النار» (٢).
فائدة: الأولى أن تصلى الأربع ركعتين ركعتين، وأما حديث أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربع قبل الظهر لا يُسلَّم فيهن، تفتح لهن أبواب السماء» (٣) فضعيف لا يصح.
قضاء سنة الظهر:
- قضاء السنة القبلية: من فاتته السنة قبل الظهر -لعذر- فإنه يقضيها بعدها، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا لم يصلِّ أربعًا قبل الظهر صلاهنَّ بعدها» (٤).
- قضاء السنة البعدية: وكذلك يقضي السنة البعدية للظهر إذا زال عذره، ولو بعد صلاة العصر، لحديث أم سلمة أنها رأت النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد العصر -وقد نَهَى ذلك- فسألته عنهما فقال: «يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، فإنه أتاني أناس من بني عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٧٣٠)، وأحمد (٦/ ٣٠).
(٢) صحيح بطرقه: أخرجه أبو داود (١٢٦٩)، والترمذي (٤٢٨)، والنسائي (٣/ ٢٦٥)، وابن ماجه (١١٦٠)، وأحمد (٦/ ٣٢٦)، والحاكم (١/ ٣١٢) وله طرق يصح بمجموعها.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٢٧٠)، وأحمد (٥/ ٤١٦)، وعبد بن حميد (٢٢٦)، والطيالسي (٥٠٧)، وابن خزيمة (١٢١٤)، والبيهقي (٢/ ٤٨٨) ومداره على عبيدة بن متعب، ولا يحتج به وقد ضعف الحديث الحافظ في «الدراية» (١/ ١٩٩)، وابن الجوزي في «التحقيق» (١٠٨) وهو كذلك.
(٤) حسن: أخرجه الترمذي (٤٢٦).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤)، وأحمد (٦/ ٣١٠).
[ ١ / ٣٧٨ ]
سنة العصر: ليس للعصر سنة راتبة مؤكدة، لكن يستحب أن يصلي قبلها ركعتين، لعموم قوله ﷺ: «بين كل أذانين صلاة» (١) والمراد بين الأذان والإقامة وقد ورد عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا» (٢). والحديث -عند من يصححه- يدل على مشروعية صلاة أربع قبل العصر.
تنبيه: ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: «ركعتان لم يكن رسول الله ﷺ يدعهما سرًّا ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر» (٣).
وعنها قالت: «ما ترك النبي ﷺ السجدتين بعد العصر عندي قطُّ» (٤).
وهذه المواظبة من النبي ﷺ على الصلاة بعد العصر إنما هي من خصائصه ﷺ كما ذكر غير واحد من أهل العلم (٥) قلت: ولعل هذا يتأيد بقولها ﵂: «والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله [تعني: الركعتين بعد العصر] وكان النبي ﷺ يصليهما، ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يُثَقِّل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم» (٦).
سنة المغرب:
- قبلها: يستحب -لمن شاء- أن يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب لما يأتي:
١ - حديث عبد الله بن مغفل المزني ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس سنة راتبة (٧).
٢ - حديث أنس بن مالك قال: «كان المؤذن إذا أذَّن، قام الناس من أصحاب
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨).
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠)، وأحمد (٢/ ١١٧) وقد صححه الألباني والظاهر خلافه، وانظر الميزان (٦/ ٣٣٢)، والكامل (٦/ ٢٤٣).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٢).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩١).
(٥) انظر «فتح الباري» (٢/ ٧٧ - سلفية).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٠).
(٧) صحيح: أخرجه البخاري (١١٢٩)، وأبو داود (١٢٨١).
[ ١ / ٣٧٩ ]
رسول الله ﷺ يبتدرون السوراي (١) يصلَّون، حتى يخرج رسول الله ﷺ عليهم وهم كذلك، يصلُّون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء» (٢). وهو يدل على استحباب تخفيفهما كما في ركعتي الفجر. والله أعلم.
٣ - حديث عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: «بين كل أذانين صلاة -ثلاثًا- لمن شاء» (٣).
٤ - حديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صلاة مرفوضة إلا وبين يديها ركعتان» (٤).
- بعدها: ويتأكد صلاة ركعتين بعد صلاة المغرب كما تقدم في أحاديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة. ويستحب أن تصلى الركعتان بعد المغرب في البيت، لحديث ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ لا يصلي الركعتين بعد المغرب، والركعتين بعد الجمعة إلا في بيته» (٥).
وعن محمود بن لبيد قال: أتى رسول الله ﷺ بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب، فلما سلَّم قال: «اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم» (٦).
والقراءة فيهما: ويستحب أن يقرأ فيهما: (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد) بعد الفاتحة لحديث ابن مسعود قال: «ما أحصى ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر بـ (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد)» (٧).
سنة العشاء:
- قبلها: يستحب -لمن شاء- صلاة ركعتين قبل العشاء، لعموم الندب إلى الصلاة قبل الفريضة وقد تقدم.
_________________
(١) السواري جمع سارية وهي الأسطوانة (العمود) والمراد: يتسارعون إليها للاستتار بها ممن يمر بين أيديهم.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٦٢٥)، ومسلم (٨٣٧) وغيرهما.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨).
(٤) صحيح بما قبله: أخرجه ابن حبان (٢٤٥٥)، والدارقطني (١/ ٢٦٧) وما قبله يشهد له.
(٥) صحيح: أخرجه الترمذي (٤٣٢)، والطيالسي (١٨٣٦)، والطحاوي (١/ ٣٣٦).
(٦) حسن: أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨)، وابن ماجه (١١٦٥).
(٧) حسن لشواهده: أخرجه الترمذي (٤٣١)، وابن ماجه (١١٦٦) بسند ضعيف، وله شاهد عن ابن عمر عند النسائي (٩٩٢)، وابن ماجه (٨٣٣)، وأحمد (٤٥٣٣) بسند لا بأس به.
[ ١ / ٣٨٠ ]
- بعدها: يتأكد صلاة ركعتين بعد صلاة العشاء، كما تقدم في أحاديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة.
ملخص ما سبق في السنن الراتبة:
الصلاة عدد ركعات الفريضة الراتبة المؤكدة (قبلية) الراتبة المؤكدة (بعدية) الراتبة غير المؤكدة
الفجر ٢ ٢ - -
الظهر ٤ - (٢) أو (٤) ٢ ٢ بعد
العصر ٤ - - ٢ قبل
المغرب ٣ - ٢ ٢ قبل
العشاء ٤ - ٢ ٢ قبل
(ب) السنن غير الرواتب: وهي الصلوات التي لا تكون تابعة أو مرتبطة بالصلوات المفروضة وهي: