حكم صلاة الجماعة للرجال:
اختلف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة -للرجال- على أقوال يمكن تلخيصها في قولين:
القول الأول: صلاة الجمعة واجبة على الأعيان، إلا لعذر: وهو مروي عن ابن مسعود وأبي موسى، وبه قال عطاء والأوزاعي وأبو ثور، وهو مذهب أحمد وابن حزم وهو اختيار شيخ الإسلام، على
اختلاف بينهم: هل هي شروط في صحة الصلاة أو لا؟ (٣)، واستدلوا بما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ ﴾ (٤). قالوا: إن الله أمر بصلاة الجماعة في حال الخوف، ففي حال الأمن أولى وآكد.
ثم إنه اغتفرت -في صلاة الخوف- أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٥). وذلك يكون في حال المشاركة في الركوع، فكان أمرًا بإقامة الصلاة بالجماعة، ومطلق الأمر لوجوب العمل.
٣ - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٦٥٦)، وأبو داود (٥٥٥)، والترمذي (٢٢١)، وأحمد (١/ ٥٨).
(٢) «المغنى» (٢/ ١٧٦)، و«المجموع» (٤/ ١٩٣).
(٣) «المغنى» (٢/ ١٧٦)، و«كشاف القناع» (١/ ٤٥٤)، و«البدائع» (١/ ١٥٥)، و«المحلى» (٤/ ١٨٨)، و«مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٣٩).
(٤) سورة النساء، الآية: ١٠٢.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٤٣.
[ ١ / ٥٠٥ ]
الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» (١). قالوا: وهو ظاهر في كونها فرض عين، لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه.
وقد أجيب عن الاستدلال بهذا الحديث على وجوبها على الأعيان بأجوبة:
منها أن المراد المنافقون لا المؤمنون، ومنها: أنه همَّ ولم يفعل، ولو كان واجبًا ما عفا عنهم، ومنها: أن المراد صلاة الجمعة كما في الرواية الأخرى، وغير ذلك، وأجاب الموجبون عن هذه الأوجه كلها بما يطول ذكره ههنا فليراجع (٢).
٤ - حديث أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخِّص له فيصلي في بيت، فرخَّص له، فلما ولَّى دعاه، فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم، قال: «فأجب» (٣).
٥ - حديث مالك بن الحويرث قال: إن رسول الله ﷺ قال لنا -وقد أتيته في نفر
من قومي-: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» (٤).
٦ - حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تُقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية» (٥).
٧ - ما رُوى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء فلم يُجب، فلا صلاة له إلا من عذر» (٦) والصواب أنه موقوف.
٨ - وعن عبد الله بن مسعود قال: «لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقه أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١).
(٢) انظر «فتح الباري» (٢/ ١٤٨ - ١٥١)، و«إحكام الأحكام» لابن دقيق العيد (١/ ١٦٦)، و«المحلى» (٤/ ١٩١).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٦٥٣)، والنسائي (٢/ ١٠٩) وغيرهما.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣١)، ومسلم (٦٧٤).
(٥) تقدم في «حكم الأذان».
(٦) أُعِلَّ بالوقف: أخرجه أبو داود (٥٥١)، وابن ماجه (٧٩٣)، والحاكم (١/ ٢٤٥)، والبيهقي (٣/ ٥٧، ١٧٤)، ورجَّح وقفه وهو الصواب، والله أعلم.
[ ١ / ٥٠٦ ]
الصلاة» وقال: «إن رسول الله ﷺ علَّمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه» (١).
وأجيب: بأنه قول صحابي ليس فيه إلا حكاية المواظبة على الجماعة وعدم التخلف عنها، ولا يستدل بمثل هذا على الوجوب، ثم فيه دليل لمن خصَّ الوعيد بالتحريق في حديث أبي هريرة بالمنافقين.
القول الثاني: صلاة الجماعة لا تجب موجوبًا عينيًّا: وهو مذهب الجمهور: أبي حنيفة ومالك والشافعي، على اختلاف بينهم هل هي سنة أو سنة مؤكدة أو فرض كفاية؟ (٢) واستدلوا بما يلي:
١ - قول النبي ﷺ: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» وبما في معناه، قالوا: فالتفضيل يدل على اشتراكهما في أصل الفضل، وهذا يدلُّ على عدم وجوبها على الأعيان، إذ لا يقال: الإتيان بالواجب أفضل من تركه، ولا يقال: إن لفظه «أفعل» قد تَرِدُ لإثبات صفة في إحدى الجهتين ونفيها عن الأخرى، و«أفضل» المضافة إلى صلاة الفذ كذلك، لأن هذا إنما يصح في «أفعل» مطلقًا غير مقرون بـ «مِنْ»، على أن في بعض ألفاظه عند مسلم: «تزيد عن صلاته وحده» وفيه التصريح بصحة الصلاة وحده (٣).
وأجاب الأوَّلون: بأن التفاضل إنما هو على صلاة المعذور التي تجوز -جمعًا بين الأدلة- وهي دون
صلاة الجماعة في الفضل.
٢ - حديث يزيد بن الأسود في قصة الرجلين اللذين صليا في رحالهما وأتيا المسجد فلم يصليا فقال لهما النبي ﷺ: «لا تفعلا، إذ صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» (٤) قالوا: فلم ينكر عليهما صلاتهما في رحالهما.
وأجيب: بأنها واقعة عين يحتمل أن يكون لهما عذر في ترك الجماعة.
٣ - حديث أبي موسى قال: قال النبي ﷺ: «أعظم الناس أجرًا في الصلاة
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٦٥٤)، وأبو داود (٥٠٥)، والنسائي (٢/ ١٠٨)، وابن ماجه (٧٧٧)، بسياق أطول.
(٢) «البدائع» (١/ ١٥٥)، و«ابن عابدين» (١/ ٣٧١)، و«القوانين» (٦٩)، و«الخرشي» (٢/ ١٦)، و«المجموع» (٤/ ١٨٤)، و«مغنى المحتاج» (١/ ٢٢٩).
(٣) «طرح التثريب» للعراقي.
(٤) صحيح: تقدم في «أوقات النهي عن الصلاة».
[ ١ / ٥٠٧ ]
أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام» (١) وفي لفظ لمسلم: «حتى يصليها مع الإمام في جماعة ..». وهو صريح في اشتراك المنفرد والمصلي في جماعة في أصل الأجر، قلت: وهذا أقوى أدلتهم في نظري.
٤ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا» (٢) وما في معناه، قالوا (٣): يلزمه أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان، أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان ويمتنع أكل هذه الأشياء، والجمهور على إباحتها (يعني: البصل والثوم ونحوهما) فتكون الجماعة غير واجبة على الأعيان لجواز تركها لأكل هذه الأشياء، وأجيب بأن الجماعة واجبة ولا تتم إلا بترك أكل الثوم فيجب ترك أكله عند الصلاة.
٥ - ويمكن الاستدلال بحديث الرجل الذي صلى خلف معاذ فأطال القراءة، فتنحى وصلى منفردًا ثم شكا إلى النبي ﷺ، ولم ينكر عليه (٤) وقد يجاب عنه: بأن تطويل الإمام عذر في ترك الجماعة.
الراجح في المسألة:
لا شك أن الجمع بين الأحاديث المتقدمة ما أمكن هو المتعيِّن، والذي تجتمع عليه النصوص السابقة -في نظري- ولا يهدر شيئًا منها أن يقال: إن صلاة الجماعة فرض كفاية، كقول الشافعي -رحمه
الله- وهذا أعدل الأقوال وأصوبها، على أنه ينبغي أن يُعلم أنه لا يفرِّط فيها ويخلُّ بملازمتها -لغير عذر- إلا محروم مشئوم، والله تعالى أعلم.
حكم صلاة الجماعة للنساء (٥):
لا تجب صلاة الجماعة على النساء بإجماع العلماء، لكن يُشرع لهنَّ الجماعة -إجمالًا- عند الجمهور.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦٥١)، ومسلم (٦٦٢).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١).
(٣) «إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق العيد (١/ ١١٩).
(٤) صحيح: تقدم «اختلاف نية الإمام والمأموم» من شروط صحة الصلاة.
(٥) من كتابي «فقه السنة للنساء» (ص: ١٤٦ - ١٤٩) بتصرف، وانظر «البدائع» (١/ ١٥٥)، و«الشرح الصغير» (١/ ١٥٦)، و«مغنى المحتاج» (١/ ٢٢٩)، و«المغنى» (٢/ ٢٠٢).
[ ١ / ٥٠٨ ]
وصلاة المرأة في جماعة تكون على نوعين:
١ - أن تأتمَّ بامرأة أخرى: وهذا مشروع لأمور ثلاثة:
(أ) عموم الأحاديث المتقدمة في فضل صلاة الجماعة، والأصل في «النساء شقائق الرجال» (١).
(ب) عدم ورود النهي عن صلاة المرأة بالنساء.
(جـ) فعل بعض الصحابيات كأم سلمة وعائشة ﵂.
فعن ريطة الحنفية: «أن عائشة أمَّتهنَّ وقامت بينهن في صلاة مكتوبة» (٢).
وعن عمار الدهني عن امرأة من قومه يقال لها حجيرة عن أم سلمة: «أنها أمَّتهنَّ فقامت وسطًا» (٣).
وهذا الفعل من الصحابيات مع عدم وجود المخالف يدل على مشروعية إمامة المرأة للنساء. وقد ورد أن النبي ﷺ: «أمر أم ورقة بأن تجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهل دارها» (٤) لكنه ضعيف، وبهذا قال الشافعية والحنابلة.
٢ - أن تأتمَّ برجل: سواء ائتمَّت به وحدها أو مع جماعة نساء أو خلف جماعة الرجال وهذا مشروع كذلك، لأحاديث كثيرة، منها: حديث أنس قال: «صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمِّي -أم سلمة- خلفنا» (٥).
وحديث أم سلمة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم قام النساء حين يقضي
تسليمه ويمكث هو في مقامه يسيرًا » (٦).
_________________
(١) حسن بطرقه: أخرجه أبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، وأحمد (٦/ ٢٥٦).
(٢) صحيح لشواهده: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤١)، والدارقطني (١/ ٤٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٣١).
(٣) صحيح لشواهده: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤٠)، والدارقطني (١/ ٤٠٥)، والبيهقي (٣/ ١٣١).
(٤) ضعيف: أخرجه أبو داود (٥٩٢)، وابن خزيمة (٣/ ٨٩)، والبيهقي (٣/ ١٣٠)، والدارقطني (١/ ٤٠٣).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٧٢٧)، ومسلم (٦٥٨).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٨٧٠)، وأبو داود (١٠٤٠)، والنسائي (٢/ ٦٦)، وابن ماجه (٩٣٢).
[ ١ / ٥٠٩ ]
تنبيهات:
١ - يجوز أن ينفرد الرجل بزوجته أو إحدى محارمه فيصلي بها، لأنه يباح له الخلوة بها في غير الصلاة.
٢ - لا يجوز أن يؤم الرجل امرأة أجنبية بمفردها، لعموم قوله ﷺ: «لا يخلونَّ رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان» (١).
٣ - يجوز أن يؤم الرجل مجموعة من النساء، لأن اجتماعهن ينفي الخلوة، ولعدم ورود النهي عن ذلك، ولورود عن بعض السلف:
لكن هذا محلُّه حيث تؤمن الفتنة، أما إذا وجدت الفتنة فلا يجوز، فإن الله لا يحب الفساد.
وسيأتي مزيد من الأحكام المتعلقة بجماعة النساء فيما يأتي إن شاء الله.
العدد الذي تنعقد به الجماعة:
اتفق الفقهاء على أن أقل عدد تنعقد به الجماعة اثنان، وهو أن يكون مع الإمام واحد، فيحصل لهما فضل الجماعة:
١ - لحديث مالك بن الحويرث قال: أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر فقال النبي ﷺ: «إذا أنتما خرجتما فأدِّنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما» (٢).
٢ - وفي حديث ابن عباس -في قصة مبيته مع النبي ﷺ عند خالته ميمونة-: « وقام يصلي، فتوضأتُ نحوًا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فحوَّلني فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع » (٣).
٣ - وعن أبي سعيد الخدري: «أن رجلًا جاء وقد صلى النبي ﷺ فقال: «من يتصدَّق على هذا؟» فقام رجل فصلَّى معه» (٤).
٤ - وقد تقدم في «صلاة الليل» صلاة ابن مسعود مع النبي ﷺ وكذلك حذيفة
﵁.
ثم اختلف أهل العلم في انعقاد الجماعة -في الفريضة- بالصبي المميِّز مع الإمام؟!
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذي (١١٧١)، وأحمد (١٧٢).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣٠)، ومسلم (٦٧٤).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣).
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (٥٧٤)، والترمذي (٢٢٠)، والدارمي (١٣٦٨)، وأحمد (١٠٩٨٠).
[ ١ / ٥١٠ ]
والصحيح أنها تنعقد لحديث ابن عباس، ولأنه لا دليل على المنع من انعقادها، ولا دليل على التفريق بين صلاة النفل والفرض في ذلك، ولأن الصبيَّ المميِّز يصح أن يكون إمامًا -كما سيأتي- وهو متنفِّل، فجاز أن يكون مأمومًا بالمفترض البالغ، وهذا مذهب الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد (١).
أين تُقام صلاة الجماعة؟
تجوز إقامة صلاة الجماعة في أي مكان طاهر، في البيت أو الصحراء أو المسجد، لقول النبي ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ» (٢).
وقوله ﷺ للرجلين: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتُما مسجد جماعة، فصليِّا معهم، فإنها لكما نافلة» (٣).
إلا أن الجماعة للفرائض في المسجد أفضل منها في غير المسجد، لحديث زيد ابن ثابت أن النبي ﷺ قال: «صلُّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (٤) ولأن إقامتها في المسجد فيه إظهار الشعائر وكثرة الجماعة، ولأن بإقامتها يحصل له فضل المشي على المسجد، وسيأتي ذكره قريبًا.
الأعذار المرخِّصة في التخلُّف عن الجماعة:
الأعذار التي تبيح التخلف عن شهود صلاة الجماعة في المسجد: منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، وبيان ذلك فيما يلي:
[أ] الأعذار العامة:
١، ٢ - المطر والوَحْل: الذي يشقُّ معه الخروج إلى المسجد، فعن نافع أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ «كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: صلوا
_________________
(١) «البدائع» (١/ ١٥٦)، و«مغنى المحتاج» (١/ ٢٢٩)، و«المغنى» (٢/ ١٧٨)، وانظر «حاشية الدسوقي» (١/ ٣١٩)، و«جواهر الإكليل» (١/ ٧٦)، فقد فرق المالكية بين الفرض والنفل!! وحديث أبي سعيد المتقدم حجة عليهم.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر.
(٣) صحيح: تقدم تخريجه.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١).
[ ١ / ٥١١ ]
في الرحال» (١). وعن جابر قال: خرجنا مع رسول الله
ﷺ في سفر فمطرنا فقال: «ليصلِّ من شاء منكم في رحله» (٢).
لكن إن خرج للجماعة فهو أفضل: لحديث أبي سعيد الخدري قال: «جاءت سحابة فمطرت حتى سال السقف -وكان من جريد النخل- فأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته» (٣) فقد شهد النبي ﷺ الجماعة رغم المطر والطين حتى سجد فيهما.
٣ - البرد الشديد: هو الذي يخرج عن الحد الذي ألفه الناس، وقد تقدم حديث ابن عمر في هذا قريبًا.
وعن نعيم النحَّام أنه: نودي بالصبح في يوم بارد وهو في مرط امرأته، فقال: ليت المنادي ينادي: ومن قعد فلا حرج، فنادى منادي النبي ﷺ في آخر أذانه: «ومن قعد فلا حرج» وذلك في زمن النبي ﷺ في آخر أذانه» (٤).
وقد ألحق أهل العلم بهذه الأعذار: الظلمة الشديدة التي لا يبصر الإنسان طريقه إلى المسجد فيها.
فائدة:
قال النووي: «قال أصحابنا: تسقط الجماعة بالأعذار سواء قلنا أنها سنة أم فرض كفاية أم فرض عين، لأنا وإن قلنا أنها سنَّة فهي متأكدة يُكره تركها، كما سبق بيانه، فإذا تركها لعذر زالت الكراهة، وليس معناه أنه إذا ترك الجماعة لعذر تحصل له فضيلتها، بل لا تحصل له فضيلتها بلا شك، وإنما معناه سقوط الإثم والكراهة » اهـ (٥).
[ب] الأعذار الخاصَّة:
٥ - المرض: الذي يشقُّ معه الإتيان إلى المسجد لصلاة الجماعة، قال ابن المنذر لا أعلم خلافًا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلَّف عن الجماعات من
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦٦٦)، ومسلم (٦٩٧).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٦٩٨)، وأبو داود (١٠٦٥)، والترمذي (٤٠٩).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٦٦٩)، ومسلم (١١٦٧).
(٤) صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٠)، وعبد الرزاق (١٩٢٧) والبيهقي (١/ ٣٩٨).
(٥) «المجموع» للنووي.
[ ١ / ٥١٢ ]
أجل المرض، ولأن النبي ﷺ لمَّا مرض تخلَّف عن المسجد وقال: «مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس» (١).
«فإن كان مرضٌ يسير لا يشق معه القصد، كوجع ضرس وصداع يسير وحمَّى خفيفة فليس بعذر،
وضبطوه بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر» (٢).
فإن أخذ بالعزيمة -إن قدر- فأتى مع مرضه فهو أفضل:
فعن ابن مسعود قال: «لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقُه أو مريض، وإن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة » (٣).
٦ - العلَّة، كالعَمَى ونحوه: فقد رخَّص النبي ﷺ لعتبان بن مالك أن يصلي في بيته لمَّا قال: «يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصليِّ لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم » الحديث (٤).
فاجتمع له العمى مع المطر، وفي لفظ من حديث أنس: «قال رحل من الأنصار إني لا أستطيع الصلاة معك، وكان رجلًا ضخمًا الحديث» (٥)، وقد عدَّ بعض العلماء ضخامة الرجل وكونه سمينًا من الأعذار.
والشاهد أن الأعمى إن لم يجد قائدًا يقوده إلى المسجد كان هذا مبيحًا لتخلُّفه عن الجماعة عند الجمهور خلافًا للحنفية فعذروه مطلقًا ولو كان له قائد (٦).
٧ - الخوف: كأن يخاف على نفسه من سلطان أو ظالم أو عدو أو لص ونحو ذلك، أو يخاف على ماله، أو على أهله ومن يلزمه الذبُّ عنه، فإن ذلك عذر في التخلف عن الجماعة عند العلماء على اختلاف بينهم في بعض التفصيلات (٧).
والعمدة في هذا ما رُوى عن ابن عباس مرفوعًا: «من سمع النداء، فلم يمنعه
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨).
(٢) «المجموع» للنووي (٤/ ٢٠٥).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٦٥٤)، وغيره وقد تقدم.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٦٧٠)، وأبو داود (٦٥٧).
(٦) «ابن عابدين» (١/ ٣٧٣)، و«الدسوقي» (١/ ٣٩١)، و«كشاف القناع» (١/ ٤٩٧).
(٧) «ابن عابدين» (١/ ٣٧٤)، و«مغنى المحتاج» (١/ ٢٣٥)، و«المغنى» (١/ ٦٣١).
[ ١ / ٥١٣ ]
من اتباعه عذر -قالوا: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلَّى» (١). وقد تقدم أنه لا يصح مرفوعًا.
٨ - حضور الطعام عند من له فيه حاجة:
فعن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وُضع عَشاءُ أحدكم
وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعَشاء ولا يَعْجل حتى يفرغ منه» وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام (٢).
وقد حمل الجمهور قوله (فابدءوا بالعشاء) على الندب ثم اختلفوا، فمنهم من قيَّده بمن كان محتاجًا إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية، ومنهم من لم يقيده وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وعليه يدل فعل ابن عمر، وأفرط ابن حزم فقال: تبطل الصلاة!! (يعني: إذا قدَّمها على العشاء) ومنهم من اختار البداءة بالصلاة لمن لم يكن متعلق النفس به، وهو منقول عن مالك وأصحابه، قالوا: فإن أعجله عن صلاته وبدأ بالطعام استحب له الإعادة!! (٣).
قلت: أما استحباب الإعادة، فلا دليل عليه، وأما كون الأمر بتقديم الطعام على الصلاة على الندب لا على الوجوب، فدليله حديث عمرو بن أمية قال: «رأيت رسول الله ﷺ يأكل ذراعًا يجتزُّ منها، فدعى إلى الصلاة فقام وطرح السِّكين، فصلِّي ولم يتوضأ» (٤).
٩ - مدافعة الأخبثين: أي البول والغائط، لحديث عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» (٥).
وعن عبد الله بن الأرق: أنه خرج حاجًّا أو معتمرًا ومعه الناس، وهو يؤمهم، فلما كان ذات يوم أقام الصلاة -صلاح الصبح- ثم قال: ليتقدم أحدكم -وذهب الخلاء- فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء، وقامت الصلاة، فليبدأ بالخلاء» (٦).
_________________
(١) ضعيف مرفوعًا: تقدم تخريجه في «حكم صلاة الجماعة».
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٦٧٣)، ومسلم (٥٥٩).
(٣) «فتح الباري» (٢/ ١٨٨) بتصرف يسير.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٦٧٥)، ومسلم (٣٥٥).
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٥٦٠)، وأبو داود (٨٩)، وأحمد (٦/ ٤٣).
(٦) صحيح بطرقه: أخرجه أبو داود (٨٨)، والنسائي (٢/ ١١٠)، والترمذي (١٤٢)، وابن ماجه (٦١٦) وغيرهم.
[ ١ / ٥١٤ ]
ومدافعة البول والغائط عذران يسقط كل واحد منهما الجماعة بالاتفاق، لما تقدم، ولأن القيام إلى الصلاة مع مدافعة أحدهما يبعده عن الخشوع فيها ويكون مشغولًا عنها.
١٠ - أكل البصل والثوم والكرات ونحوهاإذا بقي ريحها: فإنه عذر للتخلف عن الجماعة، لئلا يتأذى به الناس والملائكة، فعن جابر أن النبي ﷺ قال: «من أكل هذه البقلة: الثوم» -وقال مرة: «من أكل البصل والثوم والكرات- فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما تأذى منه بنو آدم» (١).
والمراد: أكل هذه الأشياء نيئة، فإن أكلها مطبوخة فلا حرج لزوال علة التأذي بالرائحة، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال على المنبر: « ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا» (٢).
وقد ألحق أهل العلم بهذا من كانت حرفته لها رائحة مؤذية، كالجزار والزيات ونحوهما وكذلك من كان به مرض يُتأَذى به، كجذام أو برص (٣)، قلت: وأولى من يلحق بهذا المُدخِّنون أصحاب (السجائر) الذين عمَّت بهم البلوى في هذا الزمان، فإن التأذي عنهم أعظم من التأذي من آكل البصل والثوم، هذا على أن الأصل في البصل والثوم أنه حلال بخلاف تعاطي الدخان والله أعلم.
فائدة: عدَّ الفقهاء من الأعذار في التخلف عن الجماعة: أن لا يجد ما يستر به عورته، بل قال الشافعية وبعض المالكية: إن وجد ما يليق بأمثاله لبسه خرج للجماعة وإلا فلا (٤).
تنبيه: هل يعذر العروس في عدم الخروج للجماعة لزفافه؟
يرى الفقهاء الشافعية والحنابلة أن زفاف الزوجة إلى زوجها عذر يبيح له المقام عندها وعدم خروجه للجماعة سبًا للبكر وثلاثًا للثيب؟!! وقيَّده الشافعية بالتخلُّف عن الصلوات الليلية فقط!! (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٨٥٤)، ومسلم (٥٦٤) واللفظ له.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٥٦٧)، والنسائي (٢/ ٤٣) مختصرًا.
(٣) «الدسوقي» (١/ ٣٨٩»، و«مغنى المحتاج» (١/ ٢٣٦)، و«كشاف القناع» (١/ ٤٩٧).
(٤) «الدسوقي» (١/ ٣٩٠»، و«مغنى المحتاج» (١/ ٢٣٦)، و«كشاف القناع» (١/ ٤٩٦).
(٥) «مغنى المحتاج» (١/ ٢٣٦)، و«كشاف القناع» (١/ ٤٩٧).
[ ١ / ٥١٥ ]
قلت: هذا غلط، والذي نصَّ عليه الشافعي -﵀- كراهته، ومنشأ هذا الغلط هو عدم الفهم لحديث أنس على الوجه الصحيح، فقد قال ﷺ: «من السُنَّة إذا تزوَّج الرجل البكرَ على الثيب أقام عندها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوَّج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا ثم قسم» (١). وهو واضح في أن معناه: إذا تزوَّج البكر على الثيب فإنه يبيت عندها سبعًا ثم يقسم بين زوجاته بالسوية وليس فيه تعرض لعدم الخروج إلى الصلوات، وكذلك إذا تزوج الثيب على البكر أقام ثلاثًا. ومما يوضح أن هذا هو المراد بالإقامة: «أن النبي ﷺ لما تزوَّج أم سلمة أقام عندها ثلاثًا وقال: «إنه ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبَّعتُ لك، وإن سبَّعتُ لك سبَّعتُ لنسائي» (٢).
من آداب الخروج إلى الصلاة وما يُفعل قبل الصلاة:
١ - ترك الأعمال عند حضور الصلاة: عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يكون في مهنة أهله -أي: خدمتهم- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» (٣).
٢، ٣ - التطهُّر والمشي إلى المسجد وتكثير الخُطا واحتسابها: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من تطهَّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه: إحداهما تحطُّ خطيئة والأخرى ترفع درجة» (٤).
وعن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى » (٥) وعن أنس قال: أراد بنو سلمة أن يتحوَّلوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله ﷺ أن تعرى المدينة، وقال: «يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟» فأقاموا (٦).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٢١٤)، ومسلم (١٤٦١).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٤٦٠)، وأبو داود (٢١٢٢)، وابن ماجه (١٩١٧)، ومالك (١١٢٣).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٦٧٦)، والترمذي (٢٤٨٩)، وأحمد (٦/ ٤٩).
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٦٦٦).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٦٥١)، ومسلم (٦٦٢).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (١٨٨٧)، وابن ماجه (٧٨٤)، وأحمد (٣/ ١٠٦).
[ ١ / ٥١٦ ]
وفي لفظ من حديث جابر: فنهانا وقال: «إن لكم بكل خطوة درجة» (١).
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ألا أدركم على ما يمحو الله به الخُطا ويرفع به الدرجات؟».
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطايا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» (٢).
وعنه أن النبي ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد أوراح، أعدَّ الله له نزلًا من الجنة كلما غدا أو راح» (٣).
٤ - المبادرة إلى المسجد والتبكير إلى الصلاة:
فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: « ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا، ولو يعلمون ما في الصف المقدَّم لاستهموا» (٤). وعنه
عن النبي ﷺ: « وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه » (٥).
٥ - المشي إلى المسجد بسكينة وعدم الإسراع:
فعن أبي قتادة: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جَلَبَةَ رجال، فلما صلَّى قال ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: «فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فَصَلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا» (٦).
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٧).
٦ - الذِّكر بما ثبت عند خروجه إلى المسجد وعند دخوله المسجد: فيقول إذا خرج: «اللهم اجعل لي في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا،
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٦٦٤)، وأحمد (٣/ ٣٣٦).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٥١)، والترمذي (٥١)، والنسائي (١/ ٨٩)، وأحمد (٢/ ٢٣٥).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٦٦٢)، ومسلم (٦٦٩).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٧٢٠)، ومسلم (٤٣٧).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٤٧٧)، ومسلم (٦٤٩). مختصرًا
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣٥)، ومسلم (٦٠٣).
(٧) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢).
[ ١ / ٥١٧ ]
واجعل لي في بصري نورًا، واجعل لي من خلفي نورًا ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا» (١).
ويقول إذا دخل المسجد بيمينه: «بسم الله، اللهم صل على محمدٍ» (٢) و«اللهم افتح لي أبواب رحمتك» (٣).
٦ - عدم تشبيك الأصابع في المسجد إلا لحاجة: لأنه في حكم المصلي ما دام منتظرًا الصلاة والمصلي لا يجوز له التشبيك -كما تقدم في مكروهات الصلاة- وفي هذا المعنى حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبَّك بين أصابعه» (٤) وهو مختلف فيه، ولتحسينه وجه قوي.
وأما ما أورده البخاري تحت باب: (تشبيك الأصابع في المسجد وغيره) من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «يا عبد الله بن عمرو، كيف بك إذا بقيت في حثالة من
الناس، وشبَّك النبي ﷺ » (٥) ونحوه -فالتحقيق أنه ليس بينهما تعارض، إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو المقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس، أو يقال: إن النهي مقيَّد بما إذا كان في صلاة أو منتظرًا لها لأنه في حكم المصلى، وحديث ابن عمرو وأمثاله خالية من ذلك والله أعلم (٦).
٧ - صلاة ركعتي تحية المسجد: وقد تقدم الكلام عليها مفصلاة في «صلاة التطوع».
٨ - عدم التنفُّل إذا أقيمت الصلاة: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة في صلاة إلا المكتوبة» (٧).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣).
(٢) حسن لغيره: أخرجه ابن السني (٨٨)، وله شواهد وانظر «تصحيح الكلم الطيب» (٦٣).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٧١٣)، وأبو داود (٤٦٥)، والنسائي (٣/ ٥٣)، والترمذي (٣١٤)، وابن ماجه (٧٢٢).
(٤) حسن بطرقه: أخرجه الحاكم (١/ ٢٠٦)، وله شواهد عند أحمد (٣/ ٤٢)، والدارمي (١٤٠٦)، وابن خزيمة (٤٣٩) وغيرهم.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٤٦٦)، وأبو داود (٤٣٤٢)، وابن ماجه (٣٩٥٧).
(٦) انظر «فتح الباري» (١/ ٥٦٦) ط. المعرفة.
(٧) صحيح: أخرجه مسلم (٧١٠)، وأبو داود (١٢٦٦)، والنسائي (٢/ ١١٦)، والترمذي (٤٢١)، وابن ماجه (١١٥١).
[ ١ / ٥١٨ ]
وعن عبد الله بن بحينة أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا -وقد أقيمت الصلاة- يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﷺ لاث به الناس وقال له رسول الله ﷺ: «آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟» (١).
وفي لفظ: «يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا».
فإذا أحرم بالنافلة قبل الإقامة، ثم أقيمت وهو في الصلاة، فأعدل الأقوال أن يقال: إن علم أنه يُنهي صلاته قبل تكبيرة الإحرام للإمام، أتمَّ صلاته، وإلا قطعها لهذه الأحاديث والله أعلم (٢).
٩ - عدم الخروج من المسجد بعد الأذان وقبل صلاة الفريضة إلا لضرورة:
فعن أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ» (٣).
فإن كانت ضرورة تحتم الخروج فلا بأس حينئذ، فعن أبي هريرة «أن رسول الله ﷺ خرج، وقد أقيمت الصلاة وعُدِّلت الصفوف، حتى إذا قام في مُصلاَّه انتظرنا أن يكبِّر، انصرف،
قال: «على مكانكم» فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطُف رأسُه ماءً، وقد اغتسل» (٤).
١٠ - عدم القيام - إذا أقيمت الصلاة- إلا إذا رأى الإمام: فعن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني» (٥).
وقد تقدم فقه المسألة في «أبواب الأذان».
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦٦٣ - ٧١١)، والنسائي (٢/ ١١٧)، وابن ماجه (١١٥٣).
(٢) انظر لمذاهب العلماء: «ابن عابدين» (١/ ٤٧٩)، و«جواهر الإكليل» (١/ ٧٧)، و«مغنى المحتاج» (١/ ٢٥٢)، و«المغنى» (١/ ٤٥٦).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٦٥٥)، وأبو داود (٥٣٦)، والنسائي (٢/ ٢٩)، والترمذي (٢٠٤)، وابن ماجه (٧٣٣).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣٩)، ومسلم (٦٠٥).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣٧)، ومسلم (٦٠٤).
[ ١ / ٥١٩ ]
ومن الآداب الخاصة بالنساء:
١١ - استئذان الزوج في الخروج للمسجد، وعدم منعه لها:
فعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إذا استأذنت المرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها» (١).
وعنه قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لمَ تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ﷺ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (٢).
وهذا الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد -إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة من التبرج والتطيب والتزيُّن -واجب على الرجال لظاهر النهي عن المنع، فإن وجد شيء من ذلك لم يجب الإذن ويحرم عليهن الخروج (٣).
وقد يُقال: إن الإذن المذكور لغير الوجوب، لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان لأنه لا يتحقق إلا إذا كان المستأذَن مُخيرًّا في الإجابة أو الرد (٤)، والله أعلم.
١٢ - اجتنابُهنَّ الطِّيب والزينة وما يفتتن به:
فعن زينب امرأة عبد الله [بن مسعود] قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: «إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمسَّ طيبًا» (٥).
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجْنَ
تَفِلات» (٦).
ومعنى تفلات: غير متطيِّبات.
١٣ - عدم الاختلاط بالرجال في دخول المسجد والخروج منه: ولأجل هذه العلة كان النساء على عهد رسول الله ﷺ يُسرعن بالانصراف بعد انتهاء الصلاة، فعن
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٢٣٨)، ومسلم (٤٤٢).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) مختصرًا وغيرهما.
(٣) «جامع أحكام النساء» لشيخنا -حفظه الله- (١/ ٢٧٩).
(٤) «فتح الباري» (٢/ ٤٠٤) ط. السلفية.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٤٤٣)، والنسائي في «الكبرى» (٩٤٢٥).
(٦) صحيح لغيره: أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٨)، وأبو داود (٥٦٥).
[ ١ / ٥٢٠ ]
أم سلمة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم، نرى -والله أعلم- أن ذلك لكي ينصرف النساء قبل أن يُدركهن أحد من الرجال» (١).