الضحى عند الفقهاء: ما بين ارتفاع الشمس إلى زوالها (١).
فضل صلاة الضحى: ثبتت أحاديث كثيرة في فضلها، ومن ذلك:
١ - حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يُصبح على كلِّ سُلامى (٢) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (٣).
٢ - وعن بريدة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، عليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة» قالوا: فمن الذي يطيق يا رسول الله؟ قال: «النخامة في المسجد يدفنها، أو الشيء ينحيه عن الطريق، فإن لم يقدر فركعتا الضحى تجزئ عنه» (٤).
«والحديثان يدلاَّن على عظم فضل صلاة الضحى وكبر موقعها، وتأكد مشروعيتها، وأن ركعتيها تجزيان عن ثلاثمائة وستين صدقة، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة والمداومة » (٥).
٣ - وعن زيد بن أرقم قال: خرج النبي ﷺ على أهل قباء وهم يصلُّون الضحى، فقال: «صلاة الأوَّابين حين ترمض الفصال» (٦).
٤ - وعن جبير بن نفير عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله ﷺ أن الله ﷿ قال: «ابنَ آدم، اركع لي ركعات من أوَّل النهار، أَكْفِكَ آخره» (٧).
٥ - وعن عبد الله بن عمرو قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدَّث الناس بقرب مغزاهم وكثرة غنيمتهم وسرعة رجعتهم،
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٢٣) ط. الفكر.
(٢) السُّلامى في الأصل: عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في عظام البدن ومفاصله.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٧٢٠)، وأبو داود (١٢٨٥)، وأحمد (٥/ ١٦٧).
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (٢/ ٥٢٤)، وأحمد (٥/ ٣٥٤).
(٥) «نيل الأوطار» (٣/ ٧٨) ط. الحديث.
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (٧٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٦).
(٧) صحيح بطرقه: أخرجه الترمذي (٤٧٥) وله شاهد من حديث نعيم بن همار عند أبي داود (١٢٨٩)، وانظر «الإرواء» (٤٦٥).
[ ١ / ٤٢١ ]
فقال رسول الله ﷺ: «ألا أدلُّكم على أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة؟ من توضأ ثم غدا إلى المسجد لسبُحة الضحى فهو أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة» (١).
حكم صلاة الضحى:
اختلف أهل العلم في حكم صلاة الضحى على ستة أقوال (٢)، أقربها ثلاثة:
الأول: تستحب مطلقًا، ويستحب المواظبة عليها، وهو مذهب الجمهور (٣) خلافًا للحنابلة، وحجتهم:
١ - عموم الأحاديث المتقدمة في فضل صلاة الضحى، وخصوصًا حديث: «يصح على كل سلامى من أحدكم صدقة ».
٢ - حديث أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» (٤) ونحوه عن أبي الدرداء وأبي ذر.
٣ - حديث معاذة العدوية قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «نعم، أربعًا ويزيد ما شاء» (٥).
قال الشوكاني في «النيل» (٣/ ٧٦): ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة بإثباتها قد بلغت مبلغًا لا يقصر البعض منه عن اقتضاء الاستحباب. اهـ.
وقال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٦٦): وقد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد، وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفسًا من الصحابة. اهـ.
٤ - وأما المواظبة عليها فلقوله ﷺ: «أحب العمل إلى الله تعالى ما دام عليه صاحبه وإن قلَّ» (٦).
_________________
(١) صححه الألباني: أخرجه أحمد (٢/ ١٧٥)، وانظر «صحيح الترغيب» (٦٦٣ - ٦٦٤).
(٢) «زاد المعاد» (١/ ٣٤١ - ٣٦٠)، و«بدائع الفوائد» و«فتح الباري» (٣/ ٦٦).
(٣) «عمدة القاري» (٧/ ٢٤٠)، و«مواهب الجليل» (٢/ ٦٧)، و«روضة الطالبين» (١/ ٣٣٧)، و«المغنى» (٢/ ١٣٢).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١١٧٨)، ومسلم (٧٢١).
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٧١٩)، وابن ماجه (١٣٨١).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٢) واللفظ له.
[ ١ / ٤٢٢ ]
الثاني: يستحب فعلها تارة وتركها أخرى، ولا يواظب عليها: وهو المذهب عند الحنابلة (١) وحجتهم:
١ - حديث أبي سعيد قال: «كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها» (٢) وهو ضعيف.
٢ - في حديث أنس -في قصة صلاة النبي في بيت عتبان بن مالك الضحى- وقال فلان ابن الجاورد لأنس ﵁: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قال: «ما رأيته صلَّى غير ذلك اليوم» (٣).
٣ - حديث عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ سبَّح [تعني: صلَّى] سُبْحة الضحى، وإني لأُسبَّحها [وإن كان ليدع العمل وهو يجب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم]» (٤).
الثالث: لا تشرع إلا لسبب: كفوات قيام الليل ونحوه وهذا ما اختاره ابن القيم بعد بسط الأقوال في المسألة (٥).
واحتج القائلون به بأن النبي ﷺ لم يفعلها إلا بسبب، واتفق وقوعها وقت الضحى وتعدد الأسباب:
١ - فحديث أم هانئ: «أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات [سبحة الضحى] فلم أر صلاة قطُّ أخفَّ منها غير أنه يتم الركوع والسجود» (٦). كان بسبب الفتح، قالوا: وسنة الفتح أن يصلي ثماني ركعات، ونقله الطبري من فعل خالد بن الوليد لما فتح الحيرة.
٢ - وصلاته ﷺ في بيت عتبان بن مالك إجابة لسؤاله أن يصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى، فاتفق أنه جاءه وقت الضحى فاختصره الراوي فقال: «صلى في بيته الضحى» (٧).
_________________
(١) «الفروع» لابن مفلح (١/ ٥٦٧).
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذي (٤٧٧)، وأحمد (٣/ ٢١ - ٣٦)، وانظر «الإرواء» (٤٦٠).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٦٧٠).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١١٧٧/ ١١٢٨)، ومسلم (٧١٨).
(٥) «زاد المعاد» (١/ ٣٤١ - ٣٦٠)، و«بدائع الفوائد» (١/).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (١١٧٦)، ومسلم (٧١٩)، والزيادة لأبي داود (١٢٩٠).
(٧) صحيح: تقدم تخريجه قريبًا.
[ ١ / ٤٢٣ ]
٣ - وعن عبد الله بن شقيق أنه قال لعائشة: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «لا، إلا أن يجيء من مغيبه» (١).
لأنه كان ينهى عن الطروق ليلًا، فيقدم أول النهار فيبدأ بالمسجد فيصلي وقت الضحى.
قالوا: وأما أحاديث الترغيب فيها والوصية بها فلا تدل على أنها سنة راتبة لكل أحد، ولهذا خص بذلك أبا ذر وأبا هريرة، ولم يوص بذلك أكابر الصحابة!!.
قال ابن القيم: «ومن تأمَّل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة وحدها لا تدل إلا على هذا القول» اهـ.
وقد اختار شيخ الإسلام أن من كان من عادته قيام الليل فإنه لا يُسنُّ له صلاة الضحى، وأما من لم تكن عادته صلاة الليل فإنه يُسنُّ له صلاة الضحى مطلقًا كل يوم (٢).
قلت: ولا يخفى أن القول الأول أصحُّ، لعموم الترغيب في فعل صلاة الضحى، وكونها تجزئ عن الثلاثمائة والستين صدقة التي كل إنسان، وأما ما ورد عن بعض الصحابة من إنكارها كابن مسعود وابن عمر وغيرهما فلا يقدح في المشروعية، لأن غيرهما قد أثبت مشروعيتها وكلٌّ روى ما رأى من علم حجة على من لم يعلم.
وكذلك فما ورد من تركه ﷺ لها هو أو بعض أصحابه في بعض الأوقات لا ينفي مشروعيتها فإنه ليس من شرط المشروعية مواظبة النبي ﷺ بل هي مشروعية مرغَّب في فعلها لما تقدم في فضلها، ولذا قالت عائشة: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط وإني لأسبِّحها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم» (٣) والله تعالى أعلم.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٧١٧)، وقد جاء عن عائشة روايات مختلفة، فهنا قيدت صلاته ﷺ الضحى بمجيئه من السفر، وفي مسلم كذلك نفي رؤيتها لصلاته مطلقًا، وفي أخرى: الإثبات مطلقًا، وقد ذهب طائفة من العلماء منهم ابن عبد البر إلى ترجيح ما في الصحيحين مع ما انفرد به مسلم، وجمع آخرون بين هذه الرويات. انظر «فتح الباري» (٣/ ٦٧).
(٢) «الاختيارات» (ص/ ٦٤)، و«الفروع» (١/ ٥٦٧).
(٣) صحيح: تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وقت صلاة الضحى:
يبتدئ وقتها من بعد ارتفاع الشمس وانتهاء وقت الكراهة إلى قبيل زوالها ما لم يدخل وقت النهي عند الجمهور (١) قلت: وعليه فيبتدئ بعد قُرابة ربع ساعة من طلوع الشمس.
وأفضل وقتها: أن تؤخر إلى أن يشتد الحر، لحديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: «صلاة الأوَّابين حين تَرْمِضُ الفصال» (٢) ومعناه: أن تحمى الرمضاء -وهي الرمل- فتجد هذه الحرارة الفصالُ (صغارُ الإبل) بخفافها، وهذا يكون قبيل الزوال بدقائق.
وعدد ركعاتها:
لا خلاف بين القائلين باستحباب صلاة الضحى في أن أقلهَّا ركعتان (٣) لحديث: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» وتقدم، ولحديث أبي هريرة: «أوصاني خليلي بثلاث وركعتي الضحى ».
ثم اختلفوا في أكثر صلاة الضحى على ثلاثة أقوال:
الأول: أكثرها ثمان ركعات: وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٤) لحديث أم هانئ أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم الفتح وصلى ثماني ركعات » (٥) الحديث.
الثاني: أكثرها اثنتا عشرة ركعة: وهو مذهب الحنفية ووجه مرجوح عند الشافعية ورواية عن أحمد، لحديث أنس مرفوعًا: «من صلَّى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرًا في الجنة» وهو ضعيف.
_________________
(١) «مواهب الجليل» (٢/ ٦٨)، و«كشاف القناع» (١/ ٤٤٢)، و«روضة الطالبين» (١/ ٣٣٢)، و«أسنى المطالب» (١/ ٢٠٤).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٧٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٦).
(٣) «الفتاوى الهندية» (١/ ١١٢)، و«الدسوقي» (١/ ٣١٣)، و«روضة الطالبين» (١/ ٣٣٢)، و«الإنصاف» (٢/ ١٩٠).
(٤) «الدسوقي» (١/ ٣١٣)، و«المجموع» (٤/ ٣٦)، و«الروضة» (١/ ٣٣٢)، و«الإنصاف» (٢/ ١٩٠)، و«المغنى» (٢/ ١٣١).
(٥) صحيح: تقدم قريبًا.
[ ١ / ٤٢٥ ]
الثالث: لا حد لعدد ركعاتها: وهو مروي عن جماعة من السلف، وهو الأرجح لأمرين:
١ - حديث معاذة قالت: قلت لعائشة: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «نعم، أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله» (١).
٢ - أن الاقتصار على الثماني ركعات في حديث أم هانئ يَردُ عليه أمران، الأول: أن من العلماء من قال أنها صلاة فتح وليست ضحى، والآخر: أن هذا الاقتصار على الثماني لا يستلزم عدم مشروعية الزيادة عليها لأن هذه قضية عين (٢).