حكمه (٤): ذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الميت فرض كفاية، بل نقل النووي الإجماع على ذلك!!
قال الحافظ: وهو ذهول شديد، فإن الخلاف فيه مشهور جدًا عند المالكية اهـ، واستدل الجمهور بما يلي:
١ - قول النبي ﷺ لأم عطية والنسوة اللواتي غسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا » (٥).
_________________
(١) الندبة هي التعديد المعروف عند النساء كقول إحداهن: يا سبعي، يا جملي مما هو مشهور، وفي البخاري (٤٢٦٨) «أن عبد الله بن رواحة أغمى عليه فجعلت أخته تبكي: واجبلاه واكذا، تُعَدِّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ فلما مات لم تبك عليه».
(٢) البخاري تعليقًا (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤).
(٣) أبو داود (٣١٣١) بسند قريب من الحسن.
(٤) «المجموع» (٥/ ١٢٨)، و«الأم» (١/ ٢٤٣)، و«المحلى» (٥/ ١١٣)، و«الفتح» (٣/ ١٢٥).
(٥) صحيح: يأتي تخريجه.
[ ١ / ٦١٧ ]
٢ - قوله ﷺفي المحرِم الذي وقصته دابته فمات-: «اغسلوه بماء وسدر » (١).
ومقتضى الأمر في الحديثين الوجوب، ولا صارف له إلى الندب، فلا يلتفت إلى من قال بالاستحباب.
٣ - عمل المسلمين من عهد النبي ﷺ إلى الآن.
قلت: يستوى في هذا كل من مات من المسلمين ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، حرًّا أو عبدًا، إلا من قتل شهيدًا في المعركة في قتال الكفار كما سيأتي.
هل يُغَسَّل السقط؟
إذا أسقطت المرأة ولدها لأكثر من أربعة أشهر غُسِّل وصُلِّي عليه، فإن لم يأت له أربعة أشهر فإنه لا يُغَسَّل ولا يُصلى عليه، ويلف في خرقة ويدفن، وذلك لأنه تنفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، وقبل ذلك لا يكون نسمة فلا يصلى عليه كالجمادات والدم (٢).
لا يُغَسَّل شهيد المعركة:
عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللَّحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغسَّلوا ولم يصلَّ عليهم» (٣).
والعلَّة في ترك غسل الشهيد ما في حديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أُحد: «لا تغسلوهم، فإن كل جرح -أو كل دم- يفوح مسكًا يوم القيامة» ولم يصل عليهم (٤).
والشهيد الذي يُغسَّل هو من مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال، سواء قتله كافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاح نفسه، أو سقط عن فرسه، أو وطئته دابته أو دواب المسلمين أو غيرهم، أو وجد قتيلًا عند انكشاف
_________________
(١) صحيح: يأتي تخريجه.
(٢) «المجموع» (٥/ ٢٥٦)، و«المغنى» (٢/ ٥٢٢).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (١٣٤٣)، وأبو داود (٣١٣٥)، وأحمد (٣/ ١٢٨).
(٤) صحيح: أخرجه أحمد (٣/ ٣٩٩)، وله شاهد عند البيهقي (٤/ ١١).
[ ١ / ٦١٨ ]
الحرب ولم يعلم سبب موته، سواء كان عليه أثر دم أم لا، وسواء مات في الحال أو بقي زمنًا ثم مات قبل انقضاء الحرب (١).
إذا قُتل الشهيد وهو جُنُب، فلا يُغَسَّل كذلك في أصح أقوال العلماء (٢) لأمرين:
١ - عموم الأدلة -السابقة- على ترك تغسيل الشهيد.
٢ - ترك النبي ﷺ تغسيل حنظلة بن أبي عامر لما قتل وقوله: «إن صاحبكم تغسله الملائكة» فسأله صاحبته عنه، فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب (٣).
وقد استدل به على مشروعية تغسيله لفعل الملائكة، ولا يخفى أن الحجة في ترك النبي ﷺ تغسيله لا في تغسيل الملائكة، لأن المقصود منه تعبُّد الآدمي به ولو كان غسله واجبًا لما سقط بغسل الملائكة.
هل يُغسَّل شهيد غير المعركة؟
الشهيد بغير قتل كالمبطون والمطعون والغريق وصاحب الهدم يُغسَّلون ويصلى عليهم كسائر الموتى، وهذا قول جماهير أهل العلم (٤).
لا يجب تغسيل الكافر: سواء كان ذميًّا أو غيره، لأنه ليس من أهل العبادة ولا من أهل التطهير.
لكن يجوز للمسلم تغسيل ذوي قرابته من المشركين أو زوجته الذمية واتباع جنائزهم ودفنهم لكن لا يصلى عليهم، وأقاربه الكفار أحق به من أقاربه المسلمين (٥)، وأما ما ورد من أن النبي ﷺ أمر عليًّا أن يُغَسل أباه، فطرقه كلها واهية لا تثبت (٦).
_________________
(١) «المجموع» (٥/ ٢٦١).
(٢) «المجموع» (٥/ ٢٦)، و«المغنى» (٢/ ٥٣٠).
(٣) حسن: أخرجه الحاكم (٣/ ٢٠٤)، والبيهقي (٤/ ١٥)، وانظر «الصحيح المسند من فضائل الصحابة» لشيخنا، حفظه الله.
(٤) «المغنى» (٢/ ٥٣٦) فإن خيف عليه تقطعه بالماء لم يغسل بل ييمم إن أمكن، والله أعلم.
(٥) «المجموع» (٥/ ١٤٤)، و«الأم» (١/ ٢٣٥).
(٦) انظر «الغسل والكفن» لشيخنا مصطفى بن العدوي -رفع الله قدره- (ص: ١٢٠).
[ ١ / ٦١٩ ]