القضاء لغة: الحكم والأداء، واصطلاحًا: فعل الواجب بعد وقته (٣).
والفائتة: الصلاة التي خرج وقتها المحدد لها.
وقد حققنا أنه لا يُقضى من الصلوات إلا ما خرج وقتها بعذر، خلافًا لجمهور العلماء الذين يقولون بأن العبادات المحددة بوقت تفوت بخروج الوقت المحدد لها من غير أداء، وتتعلق بالذمة إلى أن تقضي، من غير تفريق بين المعذور وغيره.
هل يجب قضاء الفائتة على الفور؟
يجب على من فاتته الصلاة [بعذر شرعي] أن يقضيها على الفور، لقول النبي ﷺ في النائم والناس: «فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» فهذا أمر
_________________
(١) «ابن عابدين» (٢/ ٦٢)، و«الدسوقي» (١/ ٢٦٤)، و«مغنى المحتاج» (١/ ٣٠٨).
(٢) تقدم الكلام عليه، وانظر «المحلى» (٢/ ٢٣٥)، و«الفتاوى» (٢٢/ ٤٠ - ٤١)، و«تحفة الأحوذي» (٢/ ٤٦٣).
(٣) «المصباح المنير»، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٨٧).
[ ١ / ٢٦٠ ]
وهو للوجوب الفوري، والمراد بالفور: الفور العادي بحيث لا يُعَدُّ مفرطًا، وهذا مذهب المالكية والحنابلة (١).
وذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب الفور وجواز التراخي في القضاء (٢)، واستدلوا بأن النبي ﷺ وأصحابه لما استيقظوا من النوم بعد طلوع الشمس، لم يصلوا إلا بعد ارتحالهم إلى مكان آخر؟!
وأُجيب: بأن النبي ﷺ قد علَّلَّ ذلك بقوله: «ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان » (٣). فكان المانع من الصلاة أنه مكان حضره الشيطان، فلا يدل على مشروعية التراخي في القضاء.
وعلى هذا، فلو استيقظ شخص بعد طلوع الشمس، فلا يجوز له أن يعاود النوم حتى يصلي فإنه وقتها، والله أعلم.
الترتيب في قضاء الفوائت:
عن جابر بن عبد الله «أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسبُّ كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما كِدْتُ أصلِّي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ: «والله ما صلَّيْتُها» فتوضأ وتوضأنا، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلَّى بعدها المغرب» (٤).
وعن أبي سعيد قال: حُبسْنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهويٍّ من الليل كُفينا، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (٥). قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالًا، فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أره فأقام المغرب فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل أن ينزل الله ﷿ في صلاة الخوف ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٦).
_________________
(١) «الشرح الصغير» (١/ ٣٦٦٥)، و«كشاف القناع» (١/ ٢٦٠).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٧٤)، و«المجموع» (٣/ ٦٩).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٦٨٠)، والنسائي (١/ ٨٠) عن أبي هريرة.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٥٦٨)، ومسلم (٢٠٩).
(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٢٥.
(٦) صحيح: أخرجه النسائي (١/ ٢٩٧)، وأحمد (٣/ ٢٥)، وابن خزيمة (٩٩٦)، وأبو يعلى (١٢٩٦).
[ ١ / ٢٦١ ]
وفيهما أن النبي ﷺ قضى الفوائت مرتبة، فقال الجمهور (١) يجب الترتيب في قضاء الفوائت على اختلاف بينهم في تفاصيل، واستدلوا بفعل النبي ﷺ، وبأن توقيت المقضية بوقت الذكر أضيق من توقيت المؤداة، فيجب تقديم ما تضيق.
وقال الشافعي (٢): يستحب ولا يجب، لأن فعل النبي ﷺ بمجرده لا يدل على الوجوب.
ما يسقط به الترتيب.
١ - ضيق وقت الصلاة الحاضرة (٣):
فإنه يُسقط الترتيب، لأن فرض الوقت آكد من فرض الترتيب، فيصلي الصلاة الحاضرة ثم يقضي الفائتة، وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وبه قال ابن المسيب والحسن والأوزاعي والثوري وإسحاق، وعند الشافعي لا يجب الترتيب أصلًا كما تقدم.
وأما المالكية -ورواية عن أحمد وعطاء والليث- فقالوا: يرتب وإن خرج وقت الحاضرة؟!!
قلت: والأول أظهر، لا سيما وأن إيجاب الترتيب أصلًا منازع فيه.
٢ - فوات الجماعة: فمن فاتته الظهر -مثلًا- فخشي إن قضاها أن تفوته جماعة العصر، سقط الترتيب فيصلي مع الجماعة العصر، ثم يقضي الظهر بعدها، وهذا رواية عن أحمد واختاره شيخ الإسلام (٤).
وله أن يدخل معهم في جماعة العصر بنية الظهر -بناء على جواز اختلاف نية المأموم عن الإمام وسيأتي تحريره- ثم يصلي بعدها العصر، ولعلَّ الأول أظهر والله أعلم.
٣ - فوات ما لا يمكن قضاؤه على وجه الانفراد كصلاة الجمعة: فلو ذكر أن
_________________
(١) «البدائع» (١/ ١٣١)، و«الشرح الصغير» (١/ ٣٦٧)، و«المغنى» (١/ ٦٠٧)، و«نيل الأوطار» (٢/ ٣٦).
(٢) «روضة الطالبين» (١/ ٢٦٩).
(٣) «البناية» (٢/ ٦٢٨)، و«المغنى» (١/ ٦١٠)، و«الإنصاف» (١/ ٤٤٤)، و«الخرشي» (١/ ٣٠١)، و«الأوسط» (٢/ ٤١٥).
(٤) «الإنصاف» (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
[ ١ / ٢٦٢ ]
عليه فائتة بعد إقامة صلاة الجمعة، فإنه يقدِّم الجمعة، لأنه لا يستطيع أن يقضي الجمعة، فيكون فواتها كفوات الوقت، وهو رواية عن أحمد (١).
٤ - النسيان: فلو صلى الفوائت بغير ترتيب ناسيًا، فلا شيء عليه، لعموم قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ (٢). وفي الحديث أن الله تعالى قال: «نعم» (٣) وفي رواية «قد فعلت».
ولحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤).
وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة في المذهب خلافًا لمالك ورواية عن أحمد (٥).
٥ - الجهل: فمن جهل وجوب الترتيب فصلى غير مرتبة، فلا شيء عليه، لأن الجهل أخو النسيان في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهذا رواية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام، وبه قال الحنفية (٦).
قضاء الصلاة الفائتة على صِفَتِها:
ذهب الحنفية والمالكية -وقول عند الشافعية- وأبو ثور وابن المنذر (٧) أن الاعتبار في صفة الصلاة المقضية بوقت الفائتة، ليكون القضاء على وفق الأداء.
فمن نسي صلاة العشاء -وهي جهرية- فلم يذكرها إلا نهارًا، قضاها جهرًا على أصلها. والعكس، ويستدل لهم بحديث أبي سعيد المتقدم في قصة الخندق، وفيه: «فأقام الظهر فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها » (٨) الحديث وقد كان هذا بعد المغرب.
وأما الحنابلة، والصحيح عند الشافعية أن الاعتبار بوقت القضاء!
وإذا نسي الصلاة في الحضر فذكرها في السفر: فإنه يصليها تامة غير مقصورة
_________________
(١) «السابق» (١/ ٤٤٤)، و«الممتع» (٢/ ١٤١).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (١٢٥).
(٤) صححه الألباني: أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) وغيره وانظر «الإرواء» (٨٢).
(٥) «البناية» (٢/ ٦٢٩)، و«المغنى» (١/ ٦٠٩)، و«الخرشي» (١/ ٣٠١).
(٦) «الإنصاف» (١/ ٤٤٥)، و«البناية» (٢/ ٦٢٩).
(٧) «مجمع الأنهر» (١/ ١٦٤)، و«الشرح الصغير» (١/ ٣٦٥)، و«روضة الطالبين» (١/ ٢٦٩) و«اختلاف العلماء» (ص: ٦٠).
(٨) صحيح: تقدم قريبًا.
[ ١ / ٢٦٣ ]
على أصلها، على المذهب الأول، ووافقهم على هذا -هنا- الشافعي وأحمد (١)، وخالفا في عكسه فقالا: إذا نسي صلاة السفر فذكرها في الحضر صلاَّها تامة كذلك.
قضاء السنن الرَّواتب: يُشرع قضاء السنن الرواتب إذا فات وقتها في أصح أقوال العلماء، وهو مروي عن ابن عمر، وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن والمزني وغيرهم (٢)، وسيأتي بيانه مفرقًا في مواضعه في «صلاة التطوع» إن شاء الله تعالى.
الأذان والإقامة، والجماعة في الفائتة:
يُشرع لمن فاتته صلاة وأراد قضاءها أن يؤذن ويقيم، وإن فاتت جماعة أن يصلوا المقضية جماعة، لحديث أبي قتادة -في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس- وفيه قوله ﷺ لبلال: «قُم فأذن الناس بالصلاة» فلما طلعت الشمس وابيضتَّ، قام فصلى بهم رسول الله ﷺ (٣). وفي لفظ حديث ابن مسعود: «فأمر بلالًا فأذَّن، ثم أقام فصلَّى بنا» (٤).
وهذا مذهب جمهور العلماء.