قيام الليل ويطلق عليه التهجد: وهو عند جمهور الفقهاء: صلاة التطوع في الليل بعد النوم (١) في أي ليلة من ليالي العام.
فضائل قيام الليل والترغيب فيه:
إن لصلاة التطوع في جوف الليل وتحت جنح ظلامه فضلًا كبيرًا، وأجرًا عظيمًا، لا يستطاع حصره، بل يعجز الخلق عن وصفه، فهي شعار الصالحين، وأهم خصائص المتقين.
ولجلالة قدر فضلها، فقد خاطب الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بأن يتصدَّى لهذا الشرف العظيم والفضل الكبير، ليظفر بالمقام المحمود، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (٢).
وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة في تقرير فضيلة قيام الليل والترغيب فيه، وإليك طرفًا من هذه النصوص، فلعلَّ راغبًا في تلك الحياة المباركة أن تتوق نفسه إلى التنعم بها فيلزم نفسه بقيام الليل، ولو بجزء يسير منه.
١ - قال الله سبحانه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٣).
٢ - وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٤).
٣ - وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٥).
٤ - وقال ﷿: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (٦).
_________________
(١) «مغنى المحتاج» (١/ ٢٢٨).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١١٣.
(٤) سورة الفرقان، الآيتان: ٦٣، ٦٤.
(٥) سورة المزمل، الآيات: ١ - ٤.
(٦) سورة الإنسان، الآيتان: ٢٥، ٢٦.
[ ١ / ٣٩٧ ]
٥ - وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١).
٦ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢).
٧ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
٨ - وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: «الصلاة في جوف الليل» قال: فأي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: شهر الله المحرم (٤).
٩ - وعن عبد الله بن سلام ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (٥).
١٠ - وعن أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله لمن أطعم الطعام وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام» (٦).
١١ - وعن عمرو بن عبسة أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فَكُنْ» (٧).
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٩.
(٢) سورة الذاريات، الآيات: ١٥ - ١٨.
(٣) سورة السجدة، الآيات: ١٥ - ١٧.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (١١٦٣)، والترمذي (٤٣٨)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والنسائي (٣/ ٢٠٧)، وابن ماجه (١٧٤٢).
(٥) صحيح: أخرجه الترمذي (١٨٥٥)، وابن ماجه (١٣٣٤)، وأحمد (٧٥٩١)، وانظر «الصحيحة» (٥٦٩).
(٦) صحيح: أخرجه ابن حبان (٥٠٩) وغيره، وانظر «صحيح الترغيب» (٦١٤)، و«صحيح الجامع» (٢١٢٣).
(٧) صحيح: أخرجه الترمذي (٣٥٧٩)، والنسائي (٥٧٢)، وانظر «صحيح الترغيب» (٦٢٤)، و«صحيح الجامع» (١١٨٤).
[ ١ / ٣٩٨ ]
١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلَّى، وأيقظ امرأته [فصلَّت] فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلَّت، وأيقظت زوجها [فصلَّى] فإن أبى نضحت في وجهه الماء» (١).
وفي لفظ: «إذا قاما وصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات» (٢).
١٣ - وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة يحبهم الله -فذكر منهم- .. ورجل سافر مع القوم فارتحلوا حتى إذا كان من آخر الليل وقع عليهم الكرى -أو النعاس- فنزلوا، فضربوا برءوسهم، ثم قام فتطهر، وصلى رغبة لله ﷿، ورغبة لله ﷿، ورغبة فيما عنده» (٣).
١٤ - وقال ﷺ: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات» (٤).
١٥ - عن ابن عمر أنه رأى رؤيا فقصَّها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: «نِعم الرجلُ عبدُ الله، لو كان يصلي من الليل» (٥) وفي لفظ «إن عبد الله رجل صالح، لو كان يكثر الصلاة من الليل».
قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا.
قال القرطبي: « لم يكن يقوم من الليل، فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقي به النار والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك» اهـ.
١٦ - عن أم سلمة أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال: «سبحان الله، ماذا أنزل
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (١٣٠٨)، والنسائي (٣/ ٢٠٥)، وابن ماجه (١٣٣٦)، وأحمد (٢/ ٢٥٠)، وهو في «صحيح الجامع» (٣٤٨٨).
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (١٣٠٩)، والنسائي في «الكبرى» (١٣١٠)، وابن ماجه (١٣٣٥)، وهو في «صحيح الجامع» (٣٣٠).
(٣) صحيح: أخرجه أحمد (٥/ ١٧٦)، والطيالسي (٤٦٨)، والطبراني في «الكبير» (٢/ ١٦٣٧)، والبيهقي (٩/ ١٦٠).
(٤) صححه الألباني: وانظر «الإرواء» (٤٥٢)، و«صحيح الجامع» (٣٩٥٨).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (١١٢٢)، ومسلم (٢٤٧٩).
[ ١ / ٣٩٩ ]
الليلة من الفتن، ماذا أنزل من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات، يا رُب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة» (١).
ففيه إيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة، لا سيما عند نزول آية، قاله في «الفتح».
قلت: فهذا طرف من النصوص المتكاثرة المتضافرة في فضل قيام الليل والترغيب فيه، وسيأتي غيرها في بقية مباحث «قيام الليل» إن شاء الله، لعلها أن تصادف قلبًا صادقًا فينتفع، فأظفر - بإذن الله- بأجر الدلالة على الخير (٢).
وقت قيام الليل:
صلاة الليل تجوز في أول الليل ووسطه وآخره، كل ذلك فعل رسول الله ﷺ، فعن أنس بن مالك قال: «ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ﷺ في الليل مصليًا إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائمًا إلا رأيناه» (٣).
قال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٣): «أي إن صلاته ونومه كان يختلف بالليل، ولا يرتب وقتًا معينًا بل بحسب ما تيسَّر له القيام ..» اهـ.
أفضل أوقاته:
يستحب قيام الليل في الثلث الأخير من الليل، ليتعرض لنفحات الله تعالى العظيمة في تلك الساعات التي لا يستيقظ فيها لعبادة ربه إلا القليل من الناس فيظفروا بإجابة الدعوة وقبول التوبة ومغفرة الذنوب، وستر العيوب:
فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا الملك، أنا لملك، من الذي يدعوني فأستجيب له، من الذي يسألني فأعطيه، من الذي يستغفرني فأغفر له» (٤) وفي لفظ لمسلم (٧٥٨) « حتى ينفجر الفجر».
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٢٦)، والترمذي (٢١٩٦).
(٢) ومن أعظم ما يعين على قيام الليل مطالعة سير الصالحين في هذا الشأن، ومن أجمع وأعذب ما رأيت في هذا كتاب «رهبان الليل» للشيخ الحبيب الهمام صاحب القلم السيَّال/ د. سيد حسين العفاني -رفع الله قدره- فعليك به.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٩٠)، والنسائي (١٦٢٧) واللفظ له، والترمذي (٧٦٩).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) واللفظ له.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وعن عمرو بن عبسة أن النبي ﷺ قال: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكُنْ» (١).
وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحبَّ الصلاة إلى الله ﷿، صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا» (٢).
وكذلك كان يفعل النبي ﷺ.
فعن عائشة في وصفها لصلاة النبي ﷺ قالت: «كان ينام أوله، ويقوم آخره، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ وخرج» (٣) وعن أم سلمة نحوه.
وفي حديث حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ صحبه في السفر: «.. ثم قام فصلَّى حتى قلت: قد صلى قدر ما نام، ثم اضطجع حتى قلت: قد نام قدر ما صلى، ثم استيقظ ففعل كما فعل أول مرة، وقال مثل ما قال، ففعل رسول الله ﷺ ثلاث مرات قبل الفجر» (٤).
وعن مسروق أنه سأل عائشة: أيُّ حين كان ﷺ يصلي؟ فقالت: «كان إذا سمع الصارخ قام فصلى» (٥) والصارخ: الديك، وقد جرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل أو ثلثه.
من آداب قيام الليل:
من شرح الله تعالى صدره وأراد قيام الليل، فيسنُّ له مراعاة الآداب الآتية:
١ - الاستعداد بما يُعينُ على القيام: ويكون هذا بأمور منها: (أ) نوم القيلولة -في الظهيرة- إن تيسَّر.
(ب) ترك السهر في غير مصلحة شرعية، وقد تقدم كراهة الكلام بعد العشاء إلا لمصلحة شرعية.
_________________
(١) صحيح: تقدم قريبًا.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩).
(٣) صحيح: تقدم قريبًا.
(٤) صحيح: أخرجه النسائي (١٦٢٦)، وله شاهد عن أم سلمة.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (١١٣٢)، ومسلم (٧٤١).
[ ١ / ٤٠١ ]
(جـ) «الأولى لمن غلبه الكسل، والميل للدعة والترفه، أن لا يبالغ في حشو الفراش، لأنه سبب لكثرة النوم والغفلة والشغل عن مهمات الخيرات» (١).
قلت: وقد كان فراش النبي ﷺ خشنًا، فعن عمر قال: «دخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلست، فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه» (٢).
وعن عائشة قالت: «كانت وسادته التي ينام عليها بالليل من أَدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ» (٣).
٢ - أن ينوي عند نومه القيام:
فعن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «من أتى إلى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل، فغلبته عينه حتى يصبح كُتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربِّه» (٤).
٣ - أن ينام على وضوء: وقد تقدم في «أبواب الوضوء» أن هذا كان هدي النبي ﷺ.
٣ - أن ينام على وضوء: وقد تقدم في «أبواب الوضوء» أن هذا كان هدي النبي ﷺ.
٤ - أن ينام على شقِّه الأيمن: فعن حفصة قالت: «كان ﷺ إذا أخذ مضجعه جعل يده اليمنى تحت خدِّه الأيمن» (٥) فالنوم على الشق الأيمن هو الفطرة كما سيأتي في حديث البراء بن عازب.
فائدة: في نوم رسول الله ﷺ على الجنب الأيمن سر لطيف وهو: «أن العلق معلقَّ في الجانب الأيسر، فإذا نام على شقه الأيسر، استثقل نومًا، لأنه لا يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق القلب، وطلبه مستقره وميله إليه، ولهذا استحب الأطباء النوم على الجانب الأيسر لكمال الراحة وطيب المنام، وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب الأيمن لئلا يثقل نومه فينام عن قيام الليل، فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب، وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن، والله أعلم» اهـ (٦).
_________________
(١) «فيض القدير» (٥/ ١٨٠).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩) واللفظ له.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (١٤١٤٦)، والترمذي (٢٤٦٩)، وهو في «صحيح الجامع» (٤٧١٤).
(٤) حسن: أخرجه النسائي (١٧٨٤)، وابن ماجه (١٣٤٤)، والبيهقي (٣/ ١٥).
(٥) صححه الألباني: وانظر «صحيح الجامع» (٤٥٢٣).
(٦) «زاد المعاد» لابن القيم (١/ ٣٢١، ٣٢٢).
[ ١ / ٤٠٢ ]
٥ - وإن خاف ألا يستيقظ للقيام أوتر قبل أن ينام: فإذا استيقظ صلى ما شاء ثم لم يكرر الوتر، وقد تقدم هذا في «الوتر».
٦ - أن يذكر الله تعالى عند نومه: وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ عدَّة أذكار، فمن ذلك:
(أ) حديث عائشة أن النبي ﷺ: «كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفَّيه ثم نفث فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات» (١).
(ب) وعن أبي هريرة أن الشيطان قال له، لما أراد أن يرفعه إلى رسول الله ﷺ: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بهنَّ -وكانوا أحرص شيء على الخير- فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) حتى تختمها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ: «صدقك، وهو كذوب، وذاك الشيطان» (٣).
(جـ) وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (٤) أي: دفعتا عنه الشر والمكروه، وقيل أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن.
(د) عن نوفل الأشجعي قال: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك» (٥).
(هـ) عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام قال: «باسمك اللهم أموت وأحيا» وإذا استيقظ من منامه قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» (٦).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٠١٨)، ومسلم (٢١٩٢).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٦.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري تعليقًا (٣٢٧٥)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٩٥٩).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٠٨)، ومسلم (٨٠٨).
(٥) صححه الألباني: أخرجه أبو داود (٥٠٥٥)، والترمذي (٣٤٠١)، وأحمد (٥/ ٤٥٦)، وانظر «صحيح الترغيب» (٦٠٤)، و«صحيح الجامع» (١١٦١).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣١٢)، وأبو داود (٥٠٤٩)، والترمذي (٣٤١٣).
[ ١ / ٤٠٣ ]
(و) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بِصَنفَه إزاره (١) ثلاث مرات، فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعد، وإذا اضطجع فليقل: «باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (٢).
(ز) وعن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال له ولفاطمة -لما سألاه خادمًا-: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم: إذا أوتما إلى فراشكما فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا ثلاثًا وثلاثين، فإنه خير لكما من خادم» (٣).
(ح) عن ابن عمر أنه أمر رجلًا أخذ مضجعه أن يقول: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفَّاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتَها فاحفظها، وإن أمَتَّها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية» قال ابن عمر سمعته من رسول الله ﷺ (٤).
ويستحب أن يختم ما تيسَّر له مما سبق بما في الحديث الآتي:
(ط) عن البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيِّك الذي أرسلت، فإن مِتَّ مِتَّ على الفطرة، فاجعلهنَّ آخر ما تقول».
فقلت أستذكرهنَّ: وبرسولك الذي أرسلت، قال: «لا، وبنبيِّك الذي أرسلت» (٥).
٧ - أن يمسح النوم عن وجهه - إذا استيقظ- ويذكر الله ويتوضأ:
(أ) فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقُد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارْقُد، فإن استيقظ وذكر الله تعالى انحلَّتْ عقدة، فإن توضأ انحلَّت عقدة، فإن
_________________
(١) أي: بحاشية ثوبه.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٣٧٠٥)، ومسلم (٢٧٢٧).
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٧١٢)، والنسائي في «اليوم والليلة» (٧٩٦)، وأحمد (٢/ ٧٩).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠).
[ ١ / ٤٠٤ ]
صلَّى انحلَّت عُقَدهُ كلها فأصبح نشيطًا طيِّب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (١).
(ب) وعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من تعارَّ (٢) من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استُجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبِلت صلاتُه» (٣).
(ج) عن ابن عباس قال: بتُّ عند خالتي ميمونة زوج النبي ﷺ، فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل -أو قبله بقليل أو بعده بقليل- استيقظ رسول الله ﷺ فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقةٍ فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلِّي » الحديث (٤).
يريد: قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ (٥). إلى آخر السورة.
٨ - أن يستعمل السواك:
فعن حذيفة قال: «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل (وفي رواية: ليتهجد) يشوص فاه بالسواك» (٦).
وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: «كان يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك» (٧).
يعني: يتسوك لكل ركعتين.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٤٢)، ومسلم (٧٧٦).
(٢) (تعارَّ): استيقظ.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (١١٥٤)، والترمذي (٣٤١٤)، وأبو داود (٥٠٦٠)، وأحمد (٥/ ٣١٣).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١٨٣)، ومسلم (٧٦٣).
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٩٠.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٢٤٦)، ومسلم (٢٥٥).
(٧) صححه الألباني: أخرجه ابن ماجه (٢٢٨)، وأحمد (١٧٨٤)، وهو في «صحيح الجامع» (٤٨٣٧).
[ ١ / ٤٠٥ ]
وقد يكون السواك بعد الاستيقاظ أو بعد الوضوء وكلاهما علة له.
٩ - أن يفتتح قيامه بركعتين خفيفتين:
فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (١).
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قام من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (٢).
وذلك لينشط بهما لما بعدهما، وهذا هو الأفضل، وإلا فلا حرج أن يفتتح بركعتين طويلتين، فقد فعل ذلك النبي ﷺ أحيانًا، كما يظهر من حديث حذيفة قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح بالبقرة فقلت: يركع عند المائة الأولى ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلًا » (٣).
١٠ - أن يستفتح صلاته بالليل -بعد التكبير- بأحد الأدعية الآتية:
(أ) عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل ليتهجَّد قال: «اللهم لك الحمد أنت قيِّم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق ووعدُك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيُّون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أَنَبْتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ، وما أسررت وما أعلنتُ، [وما أنت أعلم به مني] أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٤).
(ب) وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالمَ الغيب
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٧٦٧)، وأحمد (٢٢٨٩٠).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٧٦٨)، وأبو داود (١٣٢٣)، والترمذي في «الشمال» (٢٦٥).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٧٧٢)، والنسائي (١٦٦٤)، وأبو داود (٨٧٤).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٦٩)، ومسلم (٧٦٩).
[ ١ / ٤٠٦ ]
والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١).
(جـ) وعن حذيفة أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل فكان يقول:
«الله أكبر (ثلاثًا) ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» (٢).
قلت: وله أن يدعو بما شاء من أدعية الاستفتاح الأخرى التي ذكرناها في «واجبات الصلاة».
١١ - أن يطيل القيام ما استطاع من غير أن يشق على نفسه:
فعن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل الصلاة طول القنوت» (٣).
قال النووي: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت، وفيه دليل للشافعي ومن يقول كقوله: إن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود» اهـ.
وقد كان النبي ﷺ يطيل القيام:
فعن عائشة «أن رسول الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه » (٤).
وتقدم في حديث حذيفة أن النبي ﷺ قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة وعن ابن مسعود قال: «صليت مع رسول الله ﷺ فأطال، حتى هممت بأمر سوء».
قيل: وما هممت به؟ قال: «هممت أن أجلس وأدعه» (٥).
قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٩): «وفي الحديث دليل على اختيار النبي ﷺ تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود قويًّا محافظًا على الاقتداء بالنبي ﷺ، وما همَّ بالقعود إلا بعد طول كثير ما اعتاده» اهـ.
فائدة: التطويل لا يختص بالقراءة، بل هو مستحب كذلك في الركوع والسجود والقعود والذكر والدعاء وجميع هيئات الصلاة:
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٧٧٠).
(٢) صححه الألباني: أخرجه أبو داود (٨٧٣)، والنسائي (١٠٦٩)، وانظر «المشكاة» (١٢٠٠).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٧٥٦)، وغيره.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٣٧٤٨)، ومسلم (٢٨٢٠).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (١١٣٥)، ومسلم (٧٧٣).
[ ١ / ٤٠٧ ]
ففي حديث حذيفة الذي فيه قراءة النبي ﷺ بالبقرة والنساء وآل عمران في الركعة: « ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه» (١).
وفي حديث عائشة: « ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية قبل أن يرفع رأسه ..» (٢).
قلت: وليس هذا التطويل في القراءة وغيرها شرطًا في صلاة الليل، وإنما هو الأفضل والأكمل لمن قدر عليه، وقد «كان النبي ﷺأحيانًا- يقرأ في كل ركعة قدر خمسين آية أو أكثر» (٣) وكان يقول: «من صلى ليلة بمائة آية لم يُكتب من الغافلين» (٤).
١٢ - وله القيام والقعود في صلاته: وقد صح عن النبي ﷺ في صلاته بالليل ثلاثة أنواع:
الأول: أنه كان يصلي قائمًا: كما في الأحاديث المتقدمة.
الثاني: أنه كان يصلي قاعدًا ويركع قاعدًا: فعن عائشة قالت: «لم يَمُتْ النبي ﷺ حتى كان كثير من صلاته وهو جالس» (٥) وفي رواية أن هذا كان لما بدَّن وثَقُل.
وعنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، فإذا صلى قائمًا ركع قائمًا، وإذا صلى قاعدًا ركع قاعدًا» (٦).
الثالث: أنه كان يقرأ قاعدًا، فإذا بقي يسير من قراءته، قام فركع قائمًا. فعن عائشة قالت: «كان ﷺ يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك» (٧).
_________________
(١) صحيح: تقدم تخريجه.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (١٣٣٦)، وابن ماجه (١٣٥٨)، وأحمد (٦/ ٨٣).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٩٩٤).
(٤) صححه الألباني: وانظر «الصحيحة» (٦٤٣)، و«صحيح الترغيب» (٦٣٦).
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٧٣٥)، والنسائي (١٦٥٦).
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (٧٣٠)، وأبو داود (٩٥٥)، والنسائي (٣/ ٢١٩).
(٧) صحيح: أخرجه البخاري (١١١٨)، ومسلم (٧٣١) واللفظ له.
[ ١ / ٤٠٨ ]
١٣ - وإذا كسل أو فتر أو غلبه النوم، فَلْيَنَمْ، فإذا نشط صلَّى:
فعن أنس قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، قال: «ما هذا؟» قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت -أو: فترت- أمسكت به، فقال: «حُلُّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل -أو فتر- فليرقد» (١).
وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس، لعلَّه يذهب يستغفر فَيَسُب نفسه» (٢).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يَدْرِ ما يقول، فليضطجع» (٣).
١٤ - ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها:
قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٤).
وعن حفصة قالت: «كان رسول الله ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» (٥).
وعن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته؟ فنعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءته مفسرة حرفًا حرفًا» (٦) والمراد: حسن الترتيل والتلاوة.
وعن قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ؟ فقال: «كانت مدًّا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: يمدُّ بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم» (٧) والمراد: أنه كان يمد ما كان في كلامه من حروف المد واللين بالقدر المعروف.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٧٨٧)، وأبو داود (١٣١١)، وابن ماجه (١٣٧٢).
(٤) سورة المزمل، الآية: ٤.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٧٣٣)، ومالك (٣١١)، والنسائي (١٦٥٨).
(٦) صححه الألباني: وانظر «المشكاة» (١٢١٠)، و«صفة الصلاة» (ص/ ١٢٤).
(٧) صحيح: أخرجه البخاري (٥٠٤٦)، والنسائي (١٠١٤)، وأبو داود (١٤٦٥) مختصرًا، وابن ماجه (١٣٥٣)، وأحمد (١١٨٣٥).
[ ١ / ٤٠٩ ]
وعن أم سلمة أن رسول الله ﷺ: «كان يُقطِّع قراءته آية آية: (الحمد لله رب العالمين) ثم يقف، (الرحمن الرحيم) ثم يقف» (١).
ويستحب أن يتغنى بالقرآن، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» (٢).
وعنه أن النبي ﷺ قال: «ما أَذِنَ الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن يجهر به» (٣).
ومعنى يتغنى: يحسِّن صوته جاهرًا مترنَّمًا على طريق التحزُّن، مما له تأثير في رقة القلب وإجراء الدمع، بشرط ألا يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، وأما تمطيط القراءة، والتلحين الزائد فيها مما يخرج بالكلام عن موضعه فقد كرهه جمهور العلماء، والله أعلم.
هل يجهر بالقراءة أو يُسِرُّ؟
كان النبي ﷺ يُسِرُّ بالقراءة في صلاة الليل تارة، ويجهر أخرى:
فعن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يجهر بصلاته أم يخافت بها؟ قالت: «ربما جهر بصلاته، وربما خافت بها» قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة (٤).
وعن ابن عباس قال: «كانت قراءة النبي ﷺ: ربما يسمعه من في الحجرة، وهو في البيت» (٥) يعني أنه ﷺ كان يتوسط بين الجهر والإسرار.
قلت: وهذا هو المستحب، فعن أبي قتادة قال: «إن النبي ﷺ خرج ليلة، فإذا هو بأبي بكر الصديق يخفض من صوته، قال: ومرَّ بعمر وهو صلي رافعًا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال النبي ﷺ: «يا أبا بكر، مررت بك
_________________
(١) صححه الألباني: وانظر «صحيح الجامع» (٤٨٧٦).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٧٥٢٧)، وكأن الصواب عن أبي هريرة الذي بعده، ومع هذا فقد أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (١٤٦٩)، وأحمد (١٣٩٦) وغيرهما عن سعد وغيره بلفظه.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٠٢٣)، ومسلم (٧٩٢).
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٣٠٧)، والنسائي (١/ ١٩٩)، وأبو داود (١٤٣٧)، وأحمد (٦/ ٧٣).
(٥) حسن: أخرجه أبو داود (١٣٢٧)، والترمذي في «الشمائل» (٢٧٥ - مختصر)، وأحمد (١/ ٢٧١).
[ ١ / ٤١٠ ]
وأنت تصلي تخفض صوتك» قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله، وقال لعمر: «مررت بك وأنت تصلي رافعًا صوتك» فقال: يا رسول الله أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، فقال النبي ﷺ: «يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئًا» وقال لعمر «اخفض من صوتك شيئًا» (١).
وعلى هذا النحو يحمل سماع النبي ﷺ أصوات الأشعرين بالقرآن، ومروره ﷺ وسماعه لأبي موسى وهو يقرأ من الليل، وقوله: «يا أبا موسى، لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود» (٢).
قال النووي: «جاءت أحاديث بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثار بفضيلة الإسرار، قال العلماء: والجمع بينهما أن الإسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حق من يخافه، فإن لم يخف فالجهر أفضل، بشرط أن لا يؤذي غيره من مصلٍّ أو نائم أو غيرهما» اهـ.
١٥ - تدبُّر الآيات، والتعوُّذ والتسبيح في القراءة، والبكاء في الصلاة:
(أ) جاء في حديث حذيفة في صلاته مع النبي ﷺ: « يقرأ مترسِّلًا، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تَعَوَّذ » (٣).
«فينبغي للمؤمنين سواه أن يكونوا كذلك، بل هم أولى به منه، إذا كان الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر، وهم من أمرهم على خطر» (٤).
(ب) وعن أبي ذر قال: «قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح، يردِّدها، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥).
(جـ) وعن عبد الله بن الشخير قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز المِرْجَل [من البكاء]» (٦).
_________________
(١) صححه الألباني: أخرجه أبو داود (١٣٢٩)، والترمذي (٤٤٧) بنحوه.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٣٢٢).
(٣) «فيض القدير» للمناوي (٥/ ١٦٠) ط. المكتبة التجارية.
(٤) صححه الألباني: أخرجه النسائي (١٠١٠)، وابن ماجه (١٣٥٠)، وانظر «صفة الصلاة» (ص/ ١٢١).
(٥) سورة المائدة، الآية: ١١٨.
(٦) صحيح: أخرجه أبو داود (٩٠٤)، والنسائي (١٢١٤)، وأحمد (١٥٧٢٢).
[ ١ / ٤١١ ]
(د) وقد مرَّ قول عائشة -لما أمر النبي ﷺ بأن يصلي أبو بكر بالناس-: «إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يَقُمْ مقامك لا يُسمع الناس » (١) تعني من بكائه. وفي رواية: «إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء ».
(هـ) وقال عبد الله بن شداد: «سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف، يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) (٣).
١٦ - الإكثار من الدعاء -وقت السحر- في الصلاة وخارجها:
لما مرَّ من أن هذا وقت نزول الرَّب ﵎ إلى السماء الدنيا لإجابة الداعي وإعطاء السائل.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الليل لساعةً، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» (٤).
وقد مرَّت أدعية النبي ﷺ في استفتاح صلاة الليل.
ويستحب أن يكثر من الدعاء في السجود، فهو مظنة الاستجابة، وقد قال النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء» (٥).
وقال: « وأما السجود فأكثروا من الدعاء فيه، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم» (٦).
وعن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، يقول: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءًا عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٧).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨).
(٢) سورة يوسف، الآية: ٨٦.
(٣) إسناده صحيح: أخرجه البخاري تعليقًا ووصله سعيد بن منصور (١١٣٨)، وابن أبي شيبة (٥/ ٤٠٥)، وعبد الرزاق (٢/ ١١٤)، والبيهقي في «الشعب» (٢/ ٣٦٤)، وقال شيخ الإسلام (٢٢/ ٦٢٣): هذا الأثر محفوظ عن عمر. اهـ.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٧٥٧).
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٤٨٢)، والنسائي (١١٣٧)، وأبو داود (٨٧٥).
(٦) صحيح: تقدم في «واجبات الصلاة».
(٧) صحيح: أخرجه مسلم (٤٨٦)، وغيره.
[ ١ / ٤١٢ ]
١٧ - ويستحب إيقاظ الأهل لصلاة الليل: وقد تقدم في «فضائل قيام لليل».
١٨ - وأن يضطجع بعد القيام وقبل الفجر: ليكون كالفاصل ما بين صلاة التطوع والفريضة، ويحصل بسببه النشاط لتأدية صلاة الصبح، لأنه لو وصل القيام بصلاة الفجر، لم يأمن أن يكون وقت القيام إليها ذاهب النشاط والخشوع لما به من التعب والفتور.
وقد مرَّت الأدلة على استحباب ذلك في «الوتر».
١٩ - يكره -لمن اعتاد قيام الليل- أن يتركه: فعن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل» (١).
قيام الليل عند الشدائد:
إذا اشتدت الكروب، وضاقت الحيل، فلا سبيل إلاَّ قرع باب الملك الذي بيده مقاليد كل شيء، والقيام بين يديه ومناجاته في جنح الليل:
فعن علي ﵁ قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح» (٢).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى صلَّى وانصرف إليهم » الحديث (٣).
عدد ركعات قيام الليل:
١ - العدد المستحب: يُستحب أن لا يُزاد في عدد ركعات قيام الليل على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة، فإن هذا هو الذي اختاره النبي ﷺ لنفسه:
(أ) فعن مسروق قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: «سبع وتسع وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر» (٤).
(ب) وسألها أبو سلمة بن عبد الرحمن فقالت: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٥٣)، ومسلم (١١٥٩).
(٢) صحيح: أخرجه أحمد (٩٧٣)، وانظر «صحيح الترغيب» (٥٤٦).
(٣) حسن: أخرجه أحمد (٦٧٧١).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١١٣٩).
[ ١ / ٤١٣ ]
في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا» (١).
(جـ) وعن ابن عباس قال: «كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل» (٢).
(د) وعن زيد بن خالد الجهني أنه قال: «لأرمقنَّ صلاة رسول الله ﷺ فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة» (٣).
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن صلاته ﷺ كانت إحدى عشرة، وأما الركعتان الأخريان فقيل: هما ركعتا الفجر، وقيل: هما نافلة العشاء، وهذا إن سلم في بعض الروايات فلن يسلم في الأخرى، وقيل: هما الركعتان الخفيفتان اللتان كان النبي ﷺ يستفتح صلاته بهما، ولعلَّ هذا أوجهَ (٤).
٢ - هل يجوز الزيادة على هذا العدد؟
هذه مسألة تثير جدلًا بين ناشئة طلاب العلم مع إخواننا الحريصين على السنة، فقالوا: لا يجوز الزيادة على إحدى عشرة ركعة!! تقليدًا منهم لأحد الأئمة الفضلاء المعاصرين، ولعله -في هذا- أصاب أجرًا واحدًا.
فإن الجماهير من السلف والخلف على جواز الزيادة على هذا العدد، مع قولهم بأنه المستحب، ولذا قال القاضي عياض: «ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عيه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه والله أعلم» اهـ.
وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: «فلا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فهيا حد محدود وأنها نافلة وفعل خير وعمل بر، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر» اهـ.
_________________
(١) صحيح: تقدم قريبًا.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١١٣٨)، ومسلم (٧٦٤).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٧٦٥).
(٤) وهو الذي اختاره الحافظ في «الفتح» (٣/ ٢١).
[ ١ / ٤١٤ ]
قلت: ومما يدل على صحة هذا المذهب ما يأتي (١):
١ - قوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» (٢).
٢ - قوله ﷺ: «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود» (٣).
٣ - قوله ﷺ: «إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك خطئية» (٤).
٤ - أن اختيار النبي ﷺ لنفسه هذا العدد لا يصلح أن يكون مخصِّصًا للأدلة السابقة، وذلك لأمور:
(أ) لأن فعله ﷺ لا يخصص قوله كما هو مقرر في الأصول.
(ب) أن النبي ﷺ لم يَنْه عن الزيادة على إحدى عشرة ركعة، بل حدَّد لنا أحب القيام إلى الله وهو قيام داود ﵇ «ثلث الليل».
ولذا قال شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣): «قيام رمضان لم يوقِّت النبي ﷺ فيه عددًا معينًّا، بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ » اهـ.
(جـ) أن النبي ﷺ لم يأمر بهذا العدد من قيام الليل، ولو فُرض أنه أمر به -وهذا لا يقول به أحد- فلا يصلح كذلك أن يخصص عمومات الأدلة المتقدمة، لما تقرر في الأصول من أن العام لا يخصص بأحد أفراده إلا عند التعارض.
٥ - أن من أراد موافقة سنة النبي ﷺ، فإنه يلزمه أن يوافقها عددًا وصفة، كمًّا وكيفًا، وقد قدَّمنا صفة تطويل النبي ﷺ في صلاة الليل وهو يصلي هذا العدد من الركعات، والناظر في الآيات التي مرَّت في «فضائل القيام» يجد أن المعوَّل فيها على زمن القيام، فإن كان الشخص الذي يريد موافقة السنة لا يطيق هذا التطويل -لا سيما إن كان يصلي بالناس- أفنمنعه من زيادة عدد الركعات
_________________
(١) ولشيخنا مصطفى العدوي -رفع الله قدره- رسالة لطيفة في «عدد ركعات قيام الليل» قرر فيها هذه المسألة وقد استفدت منها.
(٢) صحيح: تقدم تخريجه.
(٣) صحيح: تقدم تخريجه.
(٤) صحيح: تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤١٥ ]
ليكون أرفق به وبمن وراءه، وأعون له على إحياء ثلث الليل!! وهل يكون من صلى إحدى عشرة ركعة في ساعة أفضل ممن صلى عشرين أو أكثر أو أقل في أربع ساعات!!!
نعم، لا خلاف في أنه لو وافق السنة في العدد والوقت معًا فهو الأفضل، وإلا فحسبما تيسَّر له.
٦ - قد ثبت «أن عمر بن الخطاب جمع الناس -في قيام رمضان- على أُبي بن كعب وتميم الداري، على إحدى وعشرين ركعة، وكانوا يقرءون بالمئين وينصرفون عند فروع الفجر» (١).
وثبت كذلك أنه جمعهم على إحدى عشرة ركعة كما سيأتي في «التراويح».
قضاء قيام الليل: يستحب لمن فاته قيام الليل -وقد اعتاده- لنوم أو مرض أن يقضيه نهارًا قبل الظهر.
فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة» (٢).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل» (٣).
قيام رمضان (التراويح):
فضلها ومشروعيتها: صلاة التراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء في رمضان، وهي من أعلام الدين الظاهرة (٤).
وهي المرادة بقوله النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه» (٥).
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٧٧٣٠)، وابن الجعد (٢٩٢٦)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٩٦) لكن عندهما (عشرون ركعة).
(٢) صحيح: تقدم في «قضاء الوتر».
(٣) صحيح: تقدم في «قضاء الوتر».
(٤) «رد المختار» (١/ ٤٧٢)، و«حاشية العدوي» (١/ ٣٥٢)، و«المجموع» (٤/ ٣١).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٢٠٠٩)، ومسلم (٧٥٩).
[ ١ / ٤١٦ ]
وقد صلاَّها النبي ﷺ بأصحابه في بعض الليالي، ولم يواظب عليها، خشية أن تُكتب عليهم فيعجزوا عنها: فعن عائشة أن النبي ﷺ: «صلى في المسجد، فصلى بصلاته الناس، ثم صلى القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا الثالثة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم» وذلك في رمضان [فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ذلك]» (١).
الجماعات في التراويح:
تقدم في حديث عائشة أن النبي ﷺ صلَّى بأصحابه التراويح في بعض الليالي.
وعن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا من الشهر شيئًا، حتى إذا بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة، وقام بنا التي تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل، قلنا: يا رسول الله لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه؟ قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حُسبت له بقية ليلته» ثم لم يقم بنا السادسة وقام بنا السابعة، وبعث إلى أهله واجتمع الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قلت [أي: جبر بن نفير الراوي عن أبي ذر]: وما الفلاح؟ قال: السحور (٢).
وبقي الأمر على ذلك حتى كان زمان عمر بن الخطاب ﵁ فجمع الناس في التراويح على إمام، ففي حديث عروة بن الزبير عن عائشة: «.. قال: فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كذلك كان في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، حتى جمعهم عمر بن الخطاب على أُبيِّ بن كعب، فقام بهم في رمضان، وكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان» (٣).
وعن عبد الرحمن بن عبد القادر قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: «إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل» ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٢٩)، ومسلم (٧٦١).
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (٣/ ٢٠٢)، وابن ماجه (١٣٢٧).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٩٢٤)، والنسائي (٤/ ١٥٥) وغيرهما.
[ ١ / ٤١٧ ]
والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: «نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون -يعني آخر الليل- وكان الناس يقومون أوَّله» (١).
ثم استمر العمل على هذا حتى الآن، ولذا اتفق أهل العلم على مشروعية الجماعة في التراويح.
عدد ركعات التراويح:
قد مرَّ أن النبي ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة أو ثلاثة عشرة ركعة في قيام الليل في بيته.
«وأما الليالي التي صلى فيها التراويح بأصحابه فلم يُذكر عدد الركعات فيها، ولا يصح حديث في تحديد عدد هذه الركعات» (٢).
ولذا اختلف أهل العلم في تحديد عددها على أقوال كثيرة منها:
١ - إحدى عشرة ركعة:
(أ) لأنه هو الذي اختاره النبي ﷺ لنفسه.
(ب) وعن السائب بن يزيد قال: «أمر عمر بن الخطاب أُبيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وكان القارئ يقرأ بالمئتين حتى كنا نعتمد على العصيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر» (٣).
٢ - عشرون ركعة غير الوتر: وبه قال أكثر أهل العلم: الثوري وابن المبارك والشافعي وأصحاب الرأي، وهو مروي عن عمر وعلي وغيرهما من الصحابة (٤) ودليلهم:
ما جاء عن السائب بن يزيد (أيضًا) (٥): «أن عمر جمع الناس على أُبيِّ بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة ويقرءون بالمئين وينصرفون عند فروع الفجر» (٦).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٢٠١٠)، ومالك (٢٥٢) واللفظ له.
(٢) «المصابيح في صلاة التراويح» (ص: ١٤ - ١٥) للسيوطي بنحوه.
(٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١١٥).
(٤) «شرح السنة» (٤/ ١٢٠)، و«البدائع» (١/ ٢٨٨)، و«المغنى» (١/ ٢٠٨)، و«المجموع» (٤/ ٣٢ - ٣٣).
(٥) ما أدري إن كان هذا الأثر والذي قبله يُعلُّ أحدهما الآخر أم يحملان على تعدد الوقائع!! على أن رواية العشرين لها شواهد.
(٦) إسناده صحيح: تقدم قريبًا في عدد ركعات قيام الليل.
[ ١ / ٤١٨ ]
قال الكاساني: جمع عمر أصحاب رسول الله ﷺ في شهر رمضان على أُبي ابن كعب فصلى بهم عشرين ركعة ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعًا منهم على ذلك.
٣ - تسع وثلاثين بالوتر: وهو قول مالك (١) وقال: «هو الأمر القديم عندنا» وحجته: ما جاء عن داود بن قيس قال: «أدركت الناس بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستًّا ويوترون بثلاث» (٢).
٤ - أربعون ركعة ويوتر بسبع: قال الحسن بن عبيد الله «كان عبد الرحمن بن الأسود يصلي بنا في رمضان أربعين ركعة ويوتر بسبع» (٣) وعن أحمد بن حنبل أنه كان يصلي في رمضان ما لا يحصى (٤).
قلت: والتحقيق ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (» / ٢٧٢ - ٢٧٣):
« وهذا كله سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن، والأفضل يخلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان منهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره -هو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملون فالقيام بعشرين ركعة هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر والأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره.
ومن ظن أن قيام رمضان في عد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد ولا ينقص منه فقد أخطأ » اهـ.
قلت: وهكذا فليكن الفقه، فأين هذا من بعض إخواننا الذين يفارقون جماعة التراويح في «الحرم» وينصرفون بعد صلاة عشر ركعات!! عفا الله عنا وعنهم.
_________________
(١) «المدونة» (١/ ١٩٣)، و«شرح الزرقاني» (١/ ٢٨٤).
(٢) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٣)، وابن نصر في «قيام رمضان» (ص/ ٦٠).
(٣) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٣).
(٤) «كشاف القناع» (١/ ٤٢٥)، و«مطالب أولي النهى» (١/ ٥٦٣).
[ ١ / ٤١٩ ]
الاستراحة بين كل ترويحتين:
اتفق الفقهاء على مشروعية الاستراحة بعد كل أربع ركعات، لأنه المتوارث عن السلف، فقد كانوا يطيلون القيام في التراويح ويجلسون بعد كل أربع للاستراحة (١).
قلت: ولعلَّ الأصل في هذا قول عائشة ﵂الذي تقدم كثيرًا- في وصف قيام النبي ﷺ: « يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأ عن حسنهن وطولهن » فهو مشعر بالفصل بين كل أربع.
ولا يشرع في هذه الاستراحة ذكر مُعيَّن ولا غيره كما يفعله بعض الجهال.
القراءة في «التراويح»، وهل يُختم القرآن؟
لم يرد في تحديد القراءة في التراويح سنة عن رسول الله ﷺ، فيختلف باختلاف الأحوال، ويقرأ الإمام قدر ما لا يُنفِّرهم عن الجماعة، ولو اتفق جماعة يرضون بالتطويل فهو أفضل للآثار المتقدمة.
وقد استحب الحنفية والحنابلة أن يختم القرآن الكريم في الشهر، ليسمع الناس جميع القرآن في تلك الصلاة (٢).
القيام مع الإمام حتى ينصرف:
ينبغي لمن صلى خلف الإمام أن يتم معه الصلاة حتى ينصرف، وألا يفارقه قبل انصرافه، ففي حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة» (٣) وإن أوتر الإمام آخر صلاته أوتر معه، ولو كان في نيَّته القيام بالليل، فإن هذا لا يضرُّ كما تقدم تحريره، والله أعلم.
_________________
(١) «رد المختار» (١/ ٤٧٤)، و«حاشية العدوي» (٢/ ٣٢١)، و«مطالب أولي النهى» (١/ ٥٦٤).
(٢) «فتح القدير» (١/ ٣٣٥)، و«البدائع» (١/ ٢٨٩)، و«المغنى» (٢/ ١٦٩).
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (٣/ ٨٣)، وابن ماجه (١٣٢٧).
[ ١ / ٤٢٠ ]