[١] الوقت أوكد فرائض الصلاة:
فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (١). ولهذا لم يَجُزْ تأخير الصلاة عن وقتها، ولو لجنابة أو حدث أو نجاسة في الثوب، ولا لفقدان ما تُستر به العورة، ولا غير ذلك، -على الصحيح- بل يصلى في الوقت بحسب حاله (٢).
وقد امتدح الله تعالى المحافظين على مواقيت الصلاة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٣). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٤).
قال ابن مسعود: «ذلك على مواقيتها» (٥).
بل جعل الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، وأحبها إليه سبحانه، فعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ (وفي رواية: أفضل؟) قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أيُّ؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أيُّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (٦).
وحذَّر النبي ﷺ من متابعة الأمراء على تأخير الصلاة -عن وقتها المختار- فعن أبي ذرِّ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يُميتون الصلاة (أو يؤخرون الصلاة عن وقتها)؟» قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلِّ، فإنها لك نافلة» (٧).
وبيَّن أنس بن مالك ﵁ أن تأخير الصلاة عن وقتها المختار [لغير عذر] خلاف هدي النبي ﷺ وأنه تضييع للصلاة، فعن الزهري قال: دخلت على أنس
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٠٣.
(٢) وهذا اختيار شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٢/ ٣٠) وعزاه لجماهير أهل العلم، وانظر «الفروع» (١/ ٢٩٣)، و«الأم» (١/ ٧٩)، و«المجموع» (١/ ١٨٢).
(٣) سورة المعارج، الآية: ٢٣.
(٤) سورة المعارج، الآية: ٣٤.
(٥) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٨٦)، والطبراني كما في «المجمع» (٧/ ١٢٩).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥).
(٧) صحيح: أخرجه مسلم (٦٤٨)، والترمذي (١٧٦)، وانظر «تعظيم قدر الصلاة» (١٠٠٧) بتحقيقي.
[ ١ / ٢٥١ ]
ابن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: «لا أعرف شيئًا مما أدركت [يعني: في عهد النبي ﷺ] إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَتْ» (١).
قلت: فَحَرِيٌّ بمن لنفسه عنده قَدْرٌ وقيمة أن يحافظ على مواقيت الصلاة، وأن يؤديها في أول وقتها -إلا العشاء إذا لم تكن مشقَّة- عملًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٢). وقوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٣). واقتداءً بسنة نبينا محمد ﷺ، والله المستعان.
[٢] بمَ تُدرك الصلاة في الوقت؟ لأهل العلم في هذه المسألة قولان:
الأول: تُدرك بتكبيرة الإحرام: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والمشهور من مذهب أحمد (٤)، وحجتهم:
١ - أن إدراك جزء من الصلاة -وهو تكبيرة الإحرام- كإدراك الكل لأن الصلاة لا تتبعَّض (٥).
٢ - حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها» (٦).
قالوا: والسجدة جزء من الصلاة، فيقاس عليها تكبيرة الإحرام.
الثاني: تُدرك بإدراك ركعة كاملة في الوقت: وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام (٧)، وهو الراجح، لما يأتي:
١ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٨) وجملة (من أدرك ) شرطية ومفهومها أن من أدرك دون ركعة فإنه لم يدرك، فالإدراك معلق بالركعة الكاملة فعدم اعتبارها إلغاء لما اعتبره الشارع، وتعليق الإدراك بالتكبيرة اعتبار لما ألغاه الشارع.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٣٠).
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٨.
(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٦١.
(٤) «المجموع» (٣/ ٤٩)، و«الأوسط» (٢/ ٣٤٨)، و«الإكليل» (١/ ٣٠٤).
(٥) «المبدع» (١/ ٣٥٣) لكن عند أبي حنيفة: تفسد صلاته إذا طلعت الشمس وقد بقيت ركعة من الصبح!! وهو خلاف الدليل.
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (٦٠٩)، وأحمد (٦/ ٧٨).
(٧) «مواهب الجليل» (١/ ٤٠٨)، و«الدسوقي» (١/ ١٨٢)، و«الإنصاف» (١/ ٤٣٩).
(٨) صحيح: أخرجه البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧).
[ ١ / ٢٥٢ ]
٢ - أما حديث «من أدرك سجدة ..» فالمراد بها: الركعة الكاملة من باب تسمية الشيء ببعض أجزائه، يدل على هذا أنه قال مرة: «من أدرك ركعة » ومرة: «من أدرك سجدة » فدلَّ على أن المراد واحد وهو الركعة الكاملة، وقد قال ابن عمر: «حفظت من رسول الله ﷺ سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها» (١) يعني: ركعتين، والله أعلم.
من أدرك جزءًا من الوقت ثم جاءه عذر:
إذا طرأ عذر -بعد دخول الوقت- كالجنون والإغماء والحيض والنفاس ونحو ذلك، فهنا حالتان:
١ - أن يكون مضى من وقت الصلاة دون قدر الفرض (ما يسع لأقل من ركعة كاملة) فلا يجب عليه القضاء بعد زوال العذر (٢).
٢ - أن يكون مضى من وقت الصلاة ما يتسع لركعة كاملة، ففي إلزامه بالقضاء قولان تقدما في أبواب «الحيض» (٣)، واختار شيخ الإسلام أنه لا يلزمه القضاء، لأنه قد طرأ عليه العذر في وقت يجوز له تأخير الصلاة إليه، وهو غير مفروط ولا مُعتد، ولأنه لم ينقل أن النبي ﷺ أمر امرأة بقضاء صلاة حاضت في وقتها مع كثرة حدوثه، وهذا قوي وإن كان الأحوط قضاؤها والله أعلم.
[٣] الأعذار لتأخير الصلاة عن وقتها:
١، ٢ - النوم والنسيان: فمن نام عن الصلاة -أو نسيها- حتى خرج وقتها، فهو معذور، ويجب عليه أداء هذه الصلاة إذا استيقظ من نومه أو ذكرها، لحديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (٤).
ونام النبي ﷺ وأصحابه -في سفر- فما أيقظهم إلا حر الشمس- وقد طلعت -فقال النبي ﷺ: «ليس في نوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها،
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٧٣).
(٢) «المجموع» (٣/ ٧١).
(٣) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٩).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٣١٤ - ٣١٦).
[ ١ / ٢٥٣ ]
فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها » الحديث (١). وفعل الصلاة في وقت الاستيقاظ أو ذكر الصلاة المنسية هو في الحقيقة أداء لا قضاء لأنه في الوقت الذي لا وقت لها سواه (٢).
تنبيه: قول النبي ﷺ في حديث أبي قتادة المتقدم: « فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها» اضطربت أقوال العلماء في معناه، والصحيح الذي عليه المحققون ما ذكره النووي «أن معناه: أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها، ويتحول في المستقبل بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد، وليس معناه أنه يقضي الصلاة الفائتة مرتين، مرة في الحال ومرة في الغد» (٣) اهـ.
٣ - الإكراه: فمن أكره على ترك الصلاة، ومُنع من الإيماء بها، أو أكره على التلبس بما ينافيها، فهو معذور (٤)، [ويقضي إذا زال عذره] وأما إذا أمكنه الإيماء برأسه فتجب عليه الصلاة في الوقت، وليس عليه إعادتها على الصحيح. والله أعلم.
٤ - الجمع بين الصلاتين لمن يجوز له الجمع: فمن جمع الصلاتين جمع تأخير فإنه يصلي الأولى في وقت الثانية، وهو في الحقيقة لا يقال: إنه (أخرها عن وقتها) إلا في الصورة، وإلا فإن وقتيهما في هذا الحالة وقت واحد، وسيأتي طرف من أحكام جمع الصلاتين، إن شاء الله تعالى.
٥ - شدة الخوف: بحيث لا يتمكن من الصلاة بوجه من الوجوه ولا يقلبه، فلا حَرَج عليه حينئذ إذا فاته الوقت -في أحد قولي العلماء- لأنه لو صلى حينئذ لم يَدْر ما يقول وما يفعل لا سيما عند شدة منابذة العدو، وعليه يحمل تأخير النبي ﷺ صلاة العصر في غزوة الخندق حتى غربت الشمس (٥).
_________________
(١) صحيح: تقدم قريبًا.
(٢) انظر «السيل الجرار» (١/ ١٨٨).
(٣) «شرح مسلم» للنووي (٢/ ٩٨٨ - قلعجي).
(٤) «المجموع» (٣/ ٦٧)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ٢٠٠)، و«الأشباه والنظائر» (٢٠٨).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٨)، ومسلم (٦٣١)، وانظر «الشرح الممتع» (٢/ ٢٣)، و«نيل الأوطار» (٢/ ٣٦).
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقد ورد عن أنس: «أنه اشتدت الحرب غداة فتح تُسْتَر، فلم يصلوا إلا بعد طلوع الشمس» (١).
[٤] من صار أهلًا لوجوبها قبل خروج وقتها:
إذا بلغ الصبي، أو عقل المجنون، أو أفاق المغمى عليه، أو طهرت الحائض والنفساء، قبل خروج وقت الصلاة بمقدار ركعة أو أكثر، لزمهم أداؤها، وهل يلزمهم أداء ما يجمع إليها قبلها؟ يتضح بالمثال الآتي:
إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس أو قبل طلوع الفجر: فلأهل العلم في شأنها ثلاثة أقوال:
الأول: إذا طهرت قبل الغروب لزمها الظهر والعصر، وإن طهرت قبل الفجر لزمها المغرب والعشاء:
وهو مروي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبي هريرة وهو مذهب طاوس والنخعي ومجاهد وربيعة ومالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور وإسحاق، وهم الجمهور (٢)، وحجتهم:
١ - ما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف قال: «إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صَلَّت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل طلوع الفجر صلَّتْ المغرب والعشاء» (٣).
٢ - ما رُوى عن ابن عباس قال: «إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلَّت المغرب والعشاء» (٤) ونُقل نحوه عن أبي هريرة.
_________________
(١) أورده ابن حزم في «المحلى» (٢/ ٢٤٤) وأعله برواية مكحول عن أنس، قال: ومكحول لم يدرك أنسًا. اهـ. قلت: أثبت أبو حاتم الرازي -كما في «المراسيل» لابنه (١/ ٢١١) - والترمذي -كما في «تهذيب التهذيب» (١/ ٢٩٠) - سماع مكحول من أنس، فإن لم يكن في الإسناد غير هذا فهو صحيح، والله أعلم.
(٢) «اختلاف العلماء» (ص ٣٨٠)، و«الأوسط» (٢/ ٢٤٣)، و«مسائل أحمد» لابن هانئ (١/ ١٣١)، و«بداية المجتهد» (١/ ١٣٣).
(٣) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٣٦)، وعنه ابن المنذر (٢/ ٢٤٣)، وعبد الرزاق (١٢٨٥).
(٤) إسناده ضعيف: أخرجه الدارمي (٨٨٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٣٧)، وابن المنذر (٢/ ٢٤٤).
[ ١ / ٢٥٥ ]
٣ - أن الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، يجمعان في حال العذر في وقت إحداهما، فإذا طهرت في آخر النهار فوقت الظهر باقٍ فتصليها قبل العصر، وإذا طهرت في آخر الليل فوقت المغرب باقٍ في حال العذر فتصليها قبل العشاء (١).
الثاني: إذا طهرت في وقت العصر لزمها العصر وليس عليها الظهر: وهو مذهب الحسن وقتادة والثوري وأبي حنيفة (٢)، وحجتهم:
١ - قوله ﷺ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» قالوا: و(ال) في قوله (الصلاة) للعهد، أي: أدرك الصلاة التي أدرك من وقتها ركعة، وأما التي قبلها فلم يدرك من وقتها شيئًا، وقد مضى وقتها ولم يكن أهلًا للوجوب، فكيف نلزمه؟! (٣).
٢ - أنه لا خلاف أن التارك للصلاتين حتى إذا كان قبل غروب الشمس بركعة ذهب ليجمع بينهما فصلى ركعة قبل غروب الشمس وسبع ركعات بعد ما غربت عاصٍ لله تعالى مذموم، إذا كان قاصدًا في غير حال عذره، فغير جائز أن يُجعلَ حكُم الوقت الذي أبيه فيه الجمع بين الصلاتين حكم الوقت الذي حُظر فيه الجمع بينهما (٤).
٣ - أننا متفقون على أنه لو أدرك ركعة من صلاة الظهر ثم وجد مانع التكليف، لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت للظهر والعصر حال العذر والجمع، فما الفرق بين المسألتين؟! فإن قالوا: فرقنا للآثار عن الصحابة، فيقال: آثارهم -إن صحت- محمولة على سبيل الاحتياط فقط خوفًا من أن يكون المانع قد زال قبل أن يخرج وقت الأولى، ولا سيما الحيض، فإن الحيض قد لا تعلم الحائض بطهرها إلا بعد مدة من طهارتها (٥).
الثالث: إذا طهرت قبل الغروب بوقت يتسع للصلاتين صلت الظهر والعصر، وإن لم يتسع إلا لواحدة لزمها العصر فقط: وهو قول مالك والأوزاعي (٦).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى»، وانظر «شرح العمدة» لابن تيمية (المجلد الثاني).
(٢) «اختلاف العلماء» (ص: ٣٨٠)، و«الأوسط» (٢/ ٢٤٥)، و«الأصل» (١/ ٣٣٠).
(٣) «الشرح الممتع» (٢/ ١٣٠).
(٤) «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٢٤٥).
(٥) «الشرح الممتع» لابن عثيمين (٢/ ١٣٠) بتصرف يسير.
(٦) «الأوسط» (٢/ ٢٤٦)، و«بداية المجتهد» (١/ ١٣٣).
[ ١ / ٢٥٦ ]
الراجح: الذي يظهر لي أن القول الثاني هو الأقوى، والأول أحوط، ولابد من المصير إلى الثالث إذا ضاق الوقت والله أعلم.
[٥] إذا لم يصلِّ الصلاة حتى خرج وقتها بغير عذر: ففي حكم قضاء هذه الصلاة قولان للعلماء:
الأول: أنه يجب عليه قضاؤها: وهو مذهب جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، حتى ادَّعى النووي الإجماع عليه (١) -ولا يصح- وجملة ما استدلوا به:
١ - الأحاديث الواردة بوجوب القضاء على الناسي، قالوا: يُستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد من باب أولى.
وأُجيبَ عنه: بأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالًا من الناسي، بل إن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط عنه الإثم فلا فائدة فيه، فيكون إثباته مع عدم النص عبثًا بخلاف الناسي والنائم فقد أمرهم الشارع بذلك، وصرَّح بأن القضاء كفارة لهما، لا كفارة لهما سواه (٢).
ثم إن القياس إنما هو قياس الشيء على نظيره، لا على ضده، وهذا لا خلاف فيه، والعمد ضد النسيان، والمعصية ضد الطاعة، فكيف تقاس عليها؟! (٣).
٢ - قوله ﷺ في قضاء النائم والناسي: «لا كفارة لها إلا ذلك»، قالوا: يدل على أن العامد مراد بالحديث، لأن النائم والناسي لا إثم عليهما، فالمراد بالناسي التارك.
وأُجيب عنه: بأن هذا الكلام يستلزم عدم وجوب القضاء على النائم والناسي لعدم الإثم الذي جعلوا الكفارة منوطة به، والأحاديث الصحيحة صرَّحت بوجوب ذلك عليهما!! ثم إن الكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد، وهذا واضح.
٣ - القياس على وجوب القضاء على من أفطر عمدًا في رمضان كالمجامع في نهار رمضان.
_________________
(١) «العناية» (١/ ٤٨٥ - مع فتح القدير)، و«الدسوقي» (١/ ٢٦٤)، و«المجموع» (٣/ ٧١)، و«الإنصاف» (١/ ٣٤٢)، و«الممتع» (٢/ ١٣٣).
(٢) «نيل الأوطار» (٢/ ٣٢).
(٣) «المحلى» (٢/ ٢٣٧)، وفيه بحث رائق في الرد على القائلين بوجوب القضاء.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وأجيب: بأن ثبوت القضاء على المجامع في نهار رمضان ضعيف، وقد أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث بدون زيادة: «وصم يومًا مكان ما أصبت» (١) وهي ضعيفة لا تثبت.
٤ - وقد يستدل لهم [ولم يستدلوا هم به] بحديث: «فدين الله أحق أن يقضى» (٢).
فيقال: سمى النبي ﷺ العبادات (الحج والصيام) دينًا.
ويُجاب عنه: بأنه يلزم من هذا أن يجيزوا الصلاة قبل وقتها!! فإن أداء الديون جائز قبل حلول أجلها، وسيأتي مزيد إيضاح في أدلة الفريق الآخر.
الثاني: أنه لا يجب عليه قضاؤها، بل ولا تصح منه: وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود [قال ابن حزم: ما نعلم لهم مخالفًا من الصحابة] والقاسم بن محمد وبديل العقيلي ومحمد بن سيرين ومطرِّف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز، وداو الظاهري وابن حزم وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ثم العلامة الألباني وابن عثيمين (٣) وهو الراجح، ومما يدل عليه:
١ - قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (٤).
فالصلاة عبادة مؤقتة بوقت محدود الطرفين، له أول وله آخر، فلا يجوز أداؤها قبل الوقت ولا بعد خروجه، لا فرق بينهما، إلا بنص يتضمن أمرًا جديدًا، كما في النائم والناسي وسائر أصحاب الأعذار، كالحج وصيام رمضان تمامًا.
ومعلوم أنه إذا صلاها قبل الوقت متعمدًا فصلاته باطلة بالاتفاق، فكذلك لو صلاها بعد وقتها.
٢ - قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٥).
_________________
(١) انظر «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٠)، و«نصب الراية» (٢/ ٤٥٣)، و«التلخيص» (٢/ ٢١٩).
(٢) صحيح: سيأتي في مواضع، إن شاء الله.
(٣) «المحلى» (٢/ ٢٣٥ - وما بعدها)، و«مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٠)، و«فتح الباري» لابن رجب كما في «الإنصاف» (١/ ٤٤٣)، و«الممتع» (٢/ ١٣٣)، و«نيل الأوطار» (٢/ ٣١ - ٣٢).
(٤) سورة النساء، الآية: ١٠٣.
(٥) سورة الماعون، الآيتان: ٤، ٥.
[ ١ / ٢٥٨ ]
٣ - قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١). فلو كان العامد لترك الصلاة مدركًا لها بعد خروج وقتها لما كان له الويل، ولا لقي الغي، كما لا ويل ولا غَيَّ لمن أخرَّها إلى آخر وقتها الذي يكون مدركًا لها.
٤ - حديث: «من نسي صلاة فليصلِّها إذا ذكرها » (٢) دليل على أن العامد لا يقضي الصلاة -تمسكًا بدليل الخطاب- فإن (من نسي) شرط، وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم أن من لم ينس لا يصلي.
٥ - أن القضاء إيجاب شرع، والشرع لا يجوز إلا لله على لسان رسوله ﷺ، ولا يجب القضاء إلا بأمر جديد -على الصحيح في الأصول- ولا دليل على الأمر بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا على العامد لترك الصلاة حتى يخرج وقتها، لما أغفل الله تعالى ولا رسوله ﷺ ذلك ولا نسياه ولا تعمدا إعناتًا بترك بيانه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣).
٦ - حديث: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِر أهله وماله» (٤) فصحَّ أن ما فات فلا سبيل إلى إدراكه، ولو أدرك أو أمكن أن يُدرك لما فات كما لا تفوت الصلاة المنسية أبدًا، ولو أمكن قضاء المتروكة عمدًا لكان القول بأنها فاتته كذبًا وباطلًا!!
٧ - يقال لمن أوجب قضاءها على العامد: هذه الصلاة التي تأمره بِفعلها، أهي التي أمره الله تعالى بها؟ أم هي غيرها؟ فإن قال: هي هي، قلنا لهم: فالعامد لتركها ليس عاصيًا لأنه فعل ما أمره الله تعالى ولا إثم على قولكم (!!) ولا ملامة على من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها (!!) وهذا لا يقوله مسلم.
وإن قال: ليست هي التي أمره الله بها، قلنا: صدقت، وفي هذا كفاية إذا أقروا بأنهم أمروه بما لم يأمره به الله تعالى (٥).
قلت: وهذا القول هو الراجح، وليس مع المخالف ما يصلح للتعويل عليه، والله أعلم.
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٥٩.
(٢) صحيح: تقدم قريبًا.
(٣) سورة مريم، الآية: ٦٤.
(٤) صحيح: تقدم قريبًا.
(٥) انظر «المحلى» (٢/ ٢٣٥ - وما بعدها)، و«الإحكام» لابن حزم (١/ ٣٠١).
[ ١ / ٢٥٩ ]
من ضيَّع الصلاة سنوات من عمره:
يتفرَّع على القول بأن من ترك الصلاة متعمدًا لغير عذر حتى خرج وقتها، لا يجب عليه قضاؤها ولا تصح منه، أن من ضيَّع الصلاة زمانًا من عمره، ثم تاب إلى الله تعالى واستقام على دينه، فإنه لا يصلي ما فاته، سواء قلنا بكفره حال تركها أو لا، خلافًا للجمهور (١) فإنهم يوجبون عليه قضاء جميع الصلوات التي فاتته (!!!).
وماذا على تاركها متعمدًا؟
إن الحكم على من ترك الصلاة حتى خرج وقتها من غير عذر، بعدم قضائها ليس تخفيفًا عليه، وإنما هو في الحقيقة تنكيل به وسخط لفعله، فالإثم لا يسقط عنه وإن صلاَّها ألف مرة بعد وقتها، إلا أن يتوب إلى الله تعالى ويستغفره، فهذا الذي يلزمه: التوبة والاستغفار، والإكثار من فعل الخير وصلاة التطوع، لقوله ﷺ: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضة شيئًا قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» (٢).