اتفق المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتًا لابد أن تؤدى فيها، والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (١) وإليك تحديد هذه الأوقات وبيان معالمها:
[١] صلاة الظهر:
الظهر: ساعة الزوال ووقته، والمراد بالزوال: ميل الشمس عن كبد السماء إلى المغرب (٢).
وصلاة الظهر هي التي تجب بدخول وقت الظهر، وتسمى صلاة الظهر -أيضًا- (الأولى) لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ، وتسمى (الهجيرة) فعن أبي برزة قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي العجيرة التي يدعونها: الأولى حين تدحض الشمس أو تزول» (٣).
أول وقت الظهر: هو زوال الشمس، أي: ميلها عن وسط السماء جهة الغرب، وقد أجمع العلماء على ذلك لثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه صلى الظهر حين زالت الشمس، كما في حديث أبي برزة السابق.
وعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَّر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان» (٤).
آخر وقت الظهر: اختلف أهل العلم فيه، وأصح الأقوال: أن آخره أن يصير
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٠٣.
(٢) «المصباح المنير»، و«المجموع» (٣/ ٢٤)، و«المغنى» (١/ ٣٧٢).
(٣) صحيح أخرجه البخاري (٥٤١).
(٤) صحيح أخرجه مسلم (٦١٢).
[ ١ / ٢٣٧ ]
ظل الشيء مثله سوى مقدار الظل حين الزوال (١)، وهو وقت دخول العصر، وهذا مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة فعنده: آخره أن يكون ظل الشيء مثليه سوى فيء الزوال (٢). واستدل الجمهور بما يلي:
١ - حديث ابن عمر السابق: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر ».
٢ - حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «خرج رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس وكان الفيء قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك وظل الرجل، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، ثم صلى من الغد الظهر حين كان الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه قدر ما يسير الراكب سير العنق إلى ذي الحليفة، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل -شك زيد- ثم صلى الفجر فأسفر» (٣).
وهو محمول على أنه ﷺ فرغ من الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وشرع في العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، فلا اشتراك بينهما (٤). ولا يقال: إنه إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر ولم يخرج وقت الظهر بل يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالح للظهر والعصر أداء، كما قال بعضهم (٥)، ويؤيد ما ذكرنا حديث أبي قتادة عن رسول الله ﷺ قال: «إنما التفريط على من لم يصلِّ صلاة حتى يجيء وقت الأخرى» (٦) قلت: فتعيَّن الحمل المتقدم.
_________________
(١) يكون لكل شيء ظل قبل الظهر، ويتناقص هذا الظل، ثم يبدأ في الزيادة، فهذا هو فيء الزوال وهو أول وقت الظهر، فإذا زاد الظل عن هذا المقدار، بما يساوي طول الشيء، فهذا آخر وقت الظهر.
(٢) «مواهب الجليل» (١/ ٣٨٢)، و«مغنى المحتاج» (١/ ١٢١)، و«المغنى» (١/ ٣٧١)، و«الأوسط» (٢/ ٣٢٧)، و«بدائع الصنائع» (١/ ١٢٣)، و«الأصل» (١/ ١٤٤).
(٣) صحيح: أخرجه النسائي (١/ ٢٦١)، وانظر «الإرواء» (١/ ٢٧٠).
(٤) «نيل الأوطار» (١/ ٣٤٧).
(٥) عزا النووي في شرح مسلم هذا القول لمالك وكذا حكام في «بداية المجتهد» (١/ ١٢٥) عن مالك، والذي عزاه ابن المنذر (٢/ ٣٢٧) له أنه قال: يخرج وقت الظهر؟!! فليحرر.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٥)، ومسلم (٦٨١) في حديث طويل.
[ ١ / ٢٣٨ ]
فائدة: يمكن معرفة وقت الظهر بطريقة الحساب بالساعات، وذلك بأن يُحسب الوقت بين طلوع الشمس إلى غروبها، فيكون وقت الظهر في منتصفه تمامًا.
يستحب تعجيل الظهر في أول الوقت: لحديث جابر بن سمرة قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر إذا دحضت الشمس» (١) أي: مالت عن وسط السماء جهة المغرب. ونحوه حديث أبي برزة، وقد تقدم قريبًا.
ويُستحب تأخيرها إذا اشتد الحرُّ:
لحديث أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا اشتد البر بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة» (٢).
وحديث أبي ذر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر، فقال: «أبرد» مرتين أو ثلاثًا، حتى رأينا فيء التلول، ثم قال: «شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (٣).
وحدُّ الإبراد: الصحيح فيه أنه يختلف باختلاف الأحوال بشرط أن لا يمتد إلى آخر الوقت.
[٢] صلاة العصر:
العصر: يطلق على العشى إلى احمرار الشمس، وهو آخر ساعات النهار.
وصلاة العصر هي التي تجب بدخول وقت العصر، وتسمى الصلاة الوسطى.
أول وقت العصر: إذا صار ظل الشيء مثله - عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة في المشهور عنه فقد جعل أوله أن يصير ظل الشيء مثليه (!!) - والأدلة المتقدمة غب وقت الظهر تدل على قول الجمهور (٤).
آخر وقت العصر:
تعارضت ظواهر الأحاديث في آخر وقت العصر.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٦١٨)، وأبو داود (٤٠٣)، وابن ماجه (٦٧٣).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٩٠٦) ونحوه عند البخاري (٥٣٤)، ومسلم (٦١٥) عن جابر.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٣٩)، ومسلم (٦١٦).
(٤) «جواهر الإكليل» (١/ ٣٢)، و«مغنى المحتاج» (١/ ١٢١)، و«المغنى» (١/ ٣٧٥)، و«فتح القدير» (١/ ١٩٥).
[ ١ / ٢٣٩ ]
ففي حديث جابر في إمامة جبريل للنبي ﷺ: «أنه صلى العصر في اليوم الأول عند مصير ظل الشيء مثله، واليوم الثاني عند مصير ظل الشيء مثليه ثم قال: الوقت بين هذين الوقتين» (١) وبه قال الشافعي [لكن هذا عند وقت الاختيار] ومالك في إحدى الروايتين (٢).
وفي حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: « وقت العصر ما لم تصفَّر الشمس» (٣) وبه قال أحمد وأبو ثور ورواية عن مالك (٤)، ونحوه حديث أبي موسى في قصة السائل عن مواقيت الصلاة وفيه: «أن النبي ﷺ صلى في اليوم الأول العصر والشمس مرتفعة، وفي اليوم الثاني آخر العصر فانصرف منها والقائل يقول: احمرَّت الشمس الحديث» (٥).
وفي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٦) فقال إسحاق وأهل الظاهر (٧): آخر وقتها قبل غروب الشمس بركعة.
قلت: والذي تجتمع عليه هذه الأدلة كلها وغيرها أن يُحمل حديث جبريل على بيان وقت الاختيار، وحديث ابن عمرو على وقت الجواز، وحديث أبي هريرة على وقت العذر والاضطرار، فنقول: آخر الوقت المختار مصير ظل الشيء مثليه -بعد اطراح فيء الزوال- ويمتد إلى اصفرار الشمس، ويكره التأخير إلى ما بعد ذلك لغير عذر، لحديث أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله إلا قليلًا» (٨).
فإذا كان هناك عذر أو ضرورة جاز أداؤها -من غير كراهة- قبل غروب الشمس بمقدار ركعة. والله أعلم.
_________________
(١) صحيح: وقد سبق تخريجه.
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ١٢٦)، و«الأم» (١/ ٧٣).
(٣) صحيح: تقدم قريبًا.
(٤) «بداية المجتهد» (١/ ١٢٦)، و«المغنى» (١/ ٣٧٦)، و«الأوسط» (٢/ ٣٣١) وحكى في المسألة ستة أقوال.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٦١٤)، وأبو داود (٣٩٥)، والنسائي (١/ ٢٦٠).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٥٧٩)، ومسلم (١٦٣ - ٦٠٨).
(٧) «بداية المجتهد» (١/ ١٢٦)، و«الأوسط» (٢/ ٣٣٢)، و«المحلى».
(٨) صحيح: أخرجه مسلم (٦٢٢)، وأبو داود (٤٠٩)، والترمذي (١٦٠)، والنسائي (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٢٤٠ ]
ويستحب التبكير بالعصر:
١ - لحديث أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة» (١) وبعض العوالي على أربعة أميال من المدينة.
٢ - وعن رافع بن خديج قال: «كنَّا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ ثم ننحر الجزور فنقسم عشر قِسَم، ثم نطبخ فنأكل لحمه نضيجًا قبل مغيب الشمس» (٢).
ويتأكد تعجيلها في يوم الغيم: لأنه مظنة التباس الوقت، فإذا وقع التراخي، فربما خرج الوقت أو اصفرَّت الشمس قبل الصلاة، فعن أبي المليح قال: كنا مع بُريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» (٣).
الترغيب في المحافظة على صلاة العصر، والترهيب من تفويتها:
١ - قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤). والصلاة الوسطى هي صلاة العصر -على الصحيح- لقول النبي ﷺ لما شغله الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر» (٥).
٢ - وعن أبي بصرة الغفاري ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر بالمخمص، فقال: «إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيَّعوها، فمن حافظ عليها كان له أره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد» (٦) والشاهد: النجم.
٣ - عن عمارة بن رؤيبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» يعني: الفجر والعصر (٧).
٤ - وتقدم حديث بريدة مرفوعًا: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله».
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٥٠)، ومسلم (٦٢١).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٢٤٨٥)، ومسلم (٦٢٥).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٥٣)، والنسائي (١/ ٨٣)، وأحمد (٥/ ٣٤٩).
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧) واللفظ له.
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (٨٣٠).
(٧) صحيح: أخرجه مسلم (٦٤٣).
[ ١ / ٢٤١ ]
قال ابن القيم (١): «والذي يظهر في الحديث -والله أعلم بمراد رسوله- أن الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبدًا، فهذا يحبط العمل جميعه، وترك معين في يوم معين، فهذا يحبط عمل ذلك اليوم، فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين، فإن قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الردة؟ قيل: نعم، قد دلَّ القرآن والسنة والمنقول عن الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات، كما أن الحسنات يذهبن السيئات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ (٢). وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٣).
قلت: هذا فيمن تركها مضيعًا لها، متهاونًا بفضل وقتها مع قدرته على أدائها، والله أعلم.
٥ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه» (٤) أي: فكأنما سُلب أهله وماله فأصبح بلا أهل ولا مال، وهذا تمثيل لحبوط عمله بتركها (٥) على النحو الذي تقدم.
أو يقال: المعنى: فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله.
[٣] صلاة المغرب: المغرب في الأصل: مِن غربت الشمس: إذا غابت وتوارت، ويطلق في اللغة على وقت الغروب ومَكانه، وعلى الصلاة التي تؤدى في هذا الوقت (٦).
ويطلق على المغرب كذلك العشاء، لكن يكره هذا لقوله ﷺكما في الصحيحين-: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب» وتقول الأعراب: هي العشاء.
أول وقت المغرب: إذا غربت الشمس وغابت وتكامل غروبها، بالإجماع.
وهذا ظاهر في الصحاري، ويعرف في العمران بزوال الشعاع من رءوس الجبال وإقبال الظلام من المشرق، وطلوع النجم (٧).
_________________
(١) «الصلاة وحكم تاركها» (ص: ٤٣ - ٤٤).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.
(٣) سورة الحجرات، الآية: ٢.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦/ ٢٠٠).
(٥) «الصلاة» لابن القيم (٤٤).
(٦) «المصباح المنير»، «كشاف القناع» (١/ ٢٥٣).
(٧) «البدائع» (١/ ١٢٣)، و«المغنى» (١/ ٣٨١)، و«نيل الأوطار (٢/ ٥، ٦).
[ ١ / ٢٤٢ ]
آخر وقت المغرب: اختلف فيه العلماء على قولين:
الأول: أن للمغرب وقتًا واحدًا، بعد الغروب بقدر ما يتطهر المصلي ويستر عورته ويؤذن ويقيم للصلاة، وهو مذهب مالك والأوزاعي والشافعي (١)، وحجتهم حديث إمامة جبريل -وقد تقدم- وفيه أنه صلى في اليوم الأول والثاني المغرب حين غربت الشمس وقتًا واحدًا وبما رواه سويد بن غفلة قال سمعت عمر ابن الخطاب يقول: «صلوا هذه الصلاة والفجاج مسفرة، يعني المغرب» (٢).
الثاني: آخره إلى أن يغيب الشفق: وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وبعض أصحاب الشافعي وصححه النووي واختاره ابن المنذر (٣)، وهو الصحيح، والدليل عليه:
١ - حديث ابن عمرو مرفوعًا: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق » الحديث، وقد تقدم.
٢ - حديث أبي موسى في السائل عن مواقيت الصلاة، وفيه «أن النبي ﷺ صلى في اليوم الأول المغرب حين وقبت (أي: غربت) الشمس، وفي اليوم الثاني آخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق » وقد تقدم تخريجه، ومثله في حديث بريدة (٤).
٣ - حديث زيد بن ثابت أنه قال لمروان: ما لك تقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصَّل؟ و«قد كان رسول الله ﷺ يقرأ بطولي الطوليين»؟ يعني: الأعراف (٥).
وقد كانت صلاة النبي ﷺ مبينة حرفًا حرفًا بترتيل مع إتمام ركوع وسجود، فهذا يدل على أن وقت المغرب ممتد إلى غياب الشفق.
٤ - حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قُدِّم العشاء، فابدءوا به قبل صلاة المغرب، ولا تعجَّلُوا عن عشائكم» (٦) وفي لفظ من حديث عائشة «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء» (٧) وهو صريح في جواز تأخير صلاة المغرب إلى ما بعد الطعام بعد دخول وقته.
_________________
(١) «بداية المجتهد» (١٠/ ١٢٦)، و«المجموع» (٣/ ٢٨)، و«الأوسط» (٢/ ٣٣٥).
(٢) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق (٢٠٩٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢٩).
(٣) «بداية المجتهد» (١/ ١٢٧)، و«المجموع» (٣/ ٢٨)، و«الأوسط» (٢/ ٣٣٧).
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٦١٣)، والترمذي (١٥٢)، والنسائي (١/ ٢٥٨).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٧٦٤)، والنسائي (٢/ ١٧٠)، وأحمد (٥/ ١٨٨).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧).
(٧) صحيح: أخرجه البخاري (٦٧١).
[ ١ / ٢٤٣ ]
٥ - حديث معاذ «أنه كان يصلي مع رسول الله ﷺ المغرب ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم» (١).
يستحب تعجيل المغرب:
١ - فعن رافع بن خديج قال: «كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله» (٢).
٢ - وعن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تزال أمتي بخير - أو على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» (٣).
[٤] صلاة العشاء: العشاء: اسم لأول الظلام من المغرب إلى العتمة، وسميت الصلاة بذلك لأنها تفعَل في هذا الوقت.
ويقال للصلاة أيضًا: (العشاء الآخرة) كما في قوله ﷺ: «أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» (٤).
ويقال لها كذلك: (العتمة) كما في قوله ﷺ: «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوًا» (٥) لكن قد ورد كراهية ذلك في حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يُعتمون بالإبل» (٦) والتحقيق أن إطلاق العتمة على العشاء خلاف الأَولى لهذا الحديث كما ذهب إليه مالك والشافعي واختاره ابن المنذر ورجَّحه ابن حجر.
أول وقت العشاء: أجمع أهل العلم -إلا من شذ منهم- على أن أول وقت العشاء الآخرة إذا غاب الشفق.
لكنهم اختلفوا في الشفق (٧)؟! فالجمهور على أنه: الحُمرة، وأبو حنيفة وزفر والأوزاعي قالوا: هو البياض بعد الحمرة.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٧١١)، ومسلم (٤٦٥).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧).
(٣) صححه الألباني: أخرجه أبو داود (٤١٤)، وأحمد (٤/ ١٤٧).
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٤٤٤)، وأبو داود (٤١٧٥)، والنسائي (٥١٢٨).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٦١٥، ٧٢١)، ومسلم (٤٣٧).
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٨)، والنسائي (١/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٧٠٥).
(٧) انظر: «الأوسط» (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٢)، و«المجموع» (٣/ ٤٤ - ٤٥).
[ ١ / ٢٤٤ ]
قلت: والأول هو الصواب، لأن الثابت أن النبي ﷺ صلَّى حين غاب الشفق، وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول (١)، وقد ثبت في حديث عائشة أنهم: «كانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول» (٢) فصح يقينًا أن الشفق: الحمرة لا البياض، والله أعلم.
آخر وقت العشاء: اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال مشهورة:
الأول: آخره إلى ثلث الليل: وبه قال الشافعي في الجديد [إلا أن هذه عنده وقت الاختيار، هذا المذهب، لكن الذي صرَّح به في «الأم» أنه إذا مضى الثل فهي فائتة] وأبو حنيفة والمشهور من مذهب مالك (٣) وحجتهم: حديث إمامة جبريل للنبي ﷺ، وفيه «أنه صلاها بالنبي ﷺ في اليوم الثاني ثلث الليل».
الثاني: آخره نصف الليل: وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي والشافعي في القديم [إلا أنه عند أصحاب الرأي يجزئ بعده مع الكراهة وعند الشافعي: هو وقت الاختيار وأنه لا يفوته إلى الفجر] وابن حزم.
وحجتهم: حديث عبد الله بن عمرة -الذي تقدم كثيرًا- وفيه: «ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط » وحديث أنس قال: «أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل » (٤)، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: « وأن صلِّ العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإن أخَّرت فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين» (٥).
الثالث: آخره طلوع الفجر الصادق (ولو لغير اضطرار»: وهو قول عطاء وطاوس وعكرمة وداود الظاهري، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة، واختاره ابن المنذر (٦) وحجتهم:
_________________
(١) هذه الحقيقة نقلها في «نيل الأوطار» (٢/ ١٦) عن ابن سيد الناس في «شرح الترمذي» ثم رأيت ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/ ١٢٧) يكذبها فليحرر!!
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٥٦٩)، ومسلم (٢١٨).
(٣) «الأوسط» (٢/ ٣٤٣)، و«الأم» (١/ ٧٤)، و«بداية المجتهد» (١/ ١٢٨)، و«المجموع» (٣/ ٤٢).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٥٧٢).
(٥) إسناده صحيح: أخرجه مالك والطحاوي وابن حزم بسند صحيح كما في «تمام المنة» (ص: ١٤٢).
(٦) «الأوسط» (٢/ ٣٤٦)، و«بداية المجتهد» (١/ ١٢٨).
[ ١ / ٢٤٥ ]
١ - حديث أبي قتادة مرفوعًا: «إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» (١).
٢ - قوله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى شطر الليل» (٢).
قالوا: هو دليل على أنه لا حرج على من أخرها إلى شطر الليل، وإذا كان خروجه إليهم بعد انتصاف الليل، فصلاته بعد شطر الليل، وإن كان كذلك ثبت أن وقتها إلى طلوع الفجر (٣).
٣ - حديث عائشة قالت: أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: «إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي» (٤).
الترجيح: أقوى الأحاديث السابقة دلالة على تحديد آخر وقت العشاء هو حديث عبد الله بن عمرو: «ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط » ورجَّحه الشوكاني لكنه جعله آخر وقت الاختيار، وأما وقت الجواز فممتد إلى الفجر مستدلًاّ بحديث أبي قتادة المتقدم، وقال: «فإنه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر، فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع» اهـ.
قلت (٥): أما الاستدلال بحديث أبي قتادة على أن وقت العشاء ممتد إلى طلوع الفجر، ففيه نظر، إذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق لأجل ذلك، وإنما لبيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا سواء كان يعقبها صلاة أخرى مثل العصر مع المغرب، أو لا، مثل الصبح مع الظهر، وهم نائمون في سفرهم، واستعظم الصحابة ﵃ وقوع ذلك منهم، فذكره، فلو كان المراد ما ذهبوا إليه من امتداد كل صلاة إلى دخول الأخرى، لكان نصًّا صريحًا على امتداد ذهبوا إليه من امتداد كل صلاة إلى دخول الأخرى، لكان نصًّا صريحًا على امتداد
_________________
(١) صحيح: تقدم تخريجه.
(٢) صحيح: يأتي قريبًا.
(٣) «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٣٤٦).
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢١٩)، والنسائي (١/ ٢٦٧).
(٥) مستفاد من كلام العلامة الألباني في «تمام المنة» (ص: ١٤١) وقد نقل معناه عن ابن حزم (٣/ ١٧٨).
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقت الصبح إلى وقت الظهر وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بيَّنا من سبب الحديث يعود عليه بالإبطال، لأنه إنما ورد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصح استثناؤها؟! فالحق أن الحديث لم يرد من أجل التحديد، بل لإنكار إخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا. اهـ.
قلت (أبو مالك): وأما حديث عائشة «حتى ذهب عامة الليل » فالمراد بعامة الليل: كثير منه وليس المراد أكثرهُ، ولابد من هذا التأويل لقوله ﷺ: «إنه لوقتها» ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل، لأنه لم يقل أحد من العلماء: إن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل (١).
فلا يبقى عند القائلين بامتداد وقت العشاء إلى الفجر (سواء للاختيار أو الضرورة) إلا حديث أنس: «أخَّر رسول الله ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلَّى » (٢) فإن صح حمله على أنه انتهى من الصلاة نصف الليل، ويكون قوله (ثم صلَّى) من تصرَّف الرواة، وإلا فالقول قولهم، والله أعلم.
ويستحب تأخير العشاء:
قد ورد في تأخير العشاء أخبار كثيرة صحاح، وهو مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين (٣)، ومن ذلك: قوله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» (٤) والحكمة فيه أنه أنفع في تصفية الباطن من الأشغال المُنْسية لذكر الله تعالى، وأقطع لمادة السمر بعد العشاء، لكن التأخير ربما يفضي إلى تقليل الجماعة، وتنفير القوم، فلهذا: «كان النبي ﷺ يؤخِّر العشاء أحيانًا، وأحيانًا يعجِّل: إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر » (٥).
ويكره النومُ قبلها والحديثُ بعدها: لحديث أبي برزة «أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها» (٦) والعلة في كراهة النوم قبل صلاة
_________________
(١) «شرح مسلم» للنووي.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٥٧٢).
(٣) «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ٨٤).
(٤) صحيح: أخرجه الترمذي (١٦٧)، وابن ماجه (٦٩١)، وأحمد (٢/ ٢٤٥).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٥٦٠)، ومسلم (٢٣٣) من حديث جابر.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٥٦٨)، ومسلم (٢٣٧).
[ ١ / ٢٤٧ ]
العشاء خشية أن يذهب به النوم فيفوته وقتها، أو يترخَّص الناس في ذلك فيناموا عن إقامة جماعتها (١).
وأما كراهة الحديث بعدها، فلأنه ربما يؤدى إلى سهر يفوت به الصبح، أو لئلا يقع في كلامه لغو، فلا ينبغي ختم اليقظة به، أو لأنه يفوت به قيام الليل لمن له به عادة، ولتقع الصلاة التي هي أفضل الأعمال خاتمة عمله، والنوم أخو الموت، وربما مات في نومه (٢). وهذا إذا كان الحديث مما لا فائدة فيه، فإن كان لحاجة دينية عامة أو خاصة، أو لما يعود على صاحبه بفائدة أو إلى مصالح المسلمين، فهذا لا بأس به، فقد «كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر وعمر في أمر من أمور المسلمين» (٣).
وفي حديث ابن عابس أن النبي ﷺ تحدث مع أهله -ميمونة- ساعة ثم رقد » (٤).
[٥] صلاة الفجر: الفجر في الأصل: هو الشفق، والمراد به ضوء الصباح، والفجر في آخر الليل كالشفق في أوله.
والفجر اثنان (٥): الفجر الأول (الكاذب) وهو البياض المستطيل الذي يبدو في ناحية من السماء -وهو ما يسمى عند العرب بذنب السرحان (الذئب) - ثم ينكتم فيعقبه الظلام.
والفجر الثاني (الصادق): وهو البياض المستطير المعترض في الأفق، ولا يزال يزداد نوره حتى تطلع الشمس، وفي الحديث: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق» (٦).
وهذا الفجر الثاني هو الذي تتعلق الأحكام كلها به، لا الأول الكاذب.
ويطلق الفجر على صلاة الفجر لأنها تؤدى في هذا الوقت، وتسمى صلاة الصبح والغداة.
_________________
(١) «تبيين الحقائق» (١/ ٨٤)، و«الفواكه الدواني» (١/ ١٩٧)، و«نيل الأوطار» (٢/ ١٨).
(٢) السابق، و«المجموع» (٣/ ٤٢)، و«مغنى المحتاج» (١/ ١٢٥).
(٣) أخرجه الترمذي (١٦٩)، وأحمد (١/ ٢٦) وفيه انقطاع، وله شواهد.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (١٩٠).
(٥) «البدائع» (١/ ١٢٢)، و«مغنى المحتاج» (١/ ١٢٤)، و«الفواكه» (١/ ١٩٢)، و«كشاف القناع» (١/ ٢٥٥).
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (١٠٩٤)، والترمذي (٧٠٦) واللفظ له، وأبو داود (٢٣٤٦)، والنسائي (٢١٧١) وغيرهم.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أول وقت الفجر: أجمع أهل العلم على أن أول وقت صلاة الصبح: طلوع الفجر الصادق.
آخر وقت الفجر: وأجمعوا على أن آخر وقتها طلوع الشمس.
يستحب التبكير بصلاة الصبح (التغليس):
ذهب جمهور العلماء منهم: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (١)، إلى أن أداء صلاة الفجر بغلس أفضل من الإسفار بها (٢)، وهو روي عن الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وحجتهم:
(أ) أن الأخبار قد دلَّت على أن النبي ﷺ كان يصلي الصبح بغَلس، ومن ذلك:
١ - حديث عائشة قالت: «كُنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر، متلفعات بمروطهنَّ ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحدٌ من الغَلَس» (٣).
٢ - حديث أبي برزة الأسلمي قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح ثم ينصرف، وما يعرف الرجل منا جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة» (٤).
٣ - حديث أنس عن زيد بن ثابت قال: «تسحَّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قُمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان مقدار ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية» (٥).
والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة وهي قراءة الخمسين آية هي مقدار الوضوء، فأشعر ذلك بأنه صلاها في أول وقت الصبح.
٤ - حديث أبي مسعود الأنصاري «أن رسول الله ﷺ صلىَّ صلاة الصبح مرةً بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر» (٦).
_________________
(١) «المدونة» (١/ ٥٦)، و«الأوسط» (٢/ ٣٧٧)، و«مغنى المحتاج» (١/ ١٢٥)، و«المغنى» (١/ ٣٩٤)، و«شرح السنة» للبغوي (١/ ١٩٧).
(٢) الغلس: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، والإسفار: ضوء الصباح.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٧٨)، ومسلم (٢٣٠).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٥٤١)، ومسلم (١٠٩٧).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٥٧٦)، ومسلم (٤٧).
(٦) حسن: أخرجه أبو داود (٣٩٤)، وأصله في الصحيحين بدون قوله (ثم كانت صلاته ).
[ ١ / ٢٤٩ ]
(ب) أن التبكير بها داخل في عموم الأدلة على استحباب تعجيل الصلوات في أول أوقاتها، وسيأتي بعضها قريبًا.
(جـ) أن التبكير بها هو فعل الخلفاء الراشدين ﵃ (١).
(د) أن بعض العلماء -كالشافعي وأحمد- يحملون معنى الإسفار على تيقن طلوع الفجر وتبيينُّه، فلما احتمل الإسفار المعنيين كانت الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ التي لا تحتمل إلا معنى واحدًا أولى.
وذهب الثوري وأبو حنيفة وصاحباه إلى أن الإسفار أفضل (٢)، واحتجوا بما يلي:
١ - حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ: «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (٣) وأجاب ابن حبان عنه فقال: «أراد النبي ﷺ بقوله (أسفروا) في الليالي المقمرة التي لا يتبين فيها وضوح طلوع الفجر، لئلا يؤدي المرء صلاة الصبح إلا بعد التيقُّن بالإسفار بطلوع الفجر، فإن الصلاة إذا أُديت كما وصفنا كان أعظم للأجر من أن تُصلىَّ على غير يقين من طلوع الفجر» اهـ (٤).
٢ - حديث ابن مسعود في صلاة النبي ﷺ بمزدلفة وفيه: «وصلىَّ الفجر يومئذ قبل ميقاتها [بغلس] » الحديث. قالوا: فاعتبروا صلاته ﷺ الفجر بغلس قبل وقتها المعروف عند ابن مسعود، فيكون وقتها المعهود الإسفار.
قلت: وهذا ليس صريحًا في الدلالة، فكونه صلى الفجر بغلس قبل موعده المعهود، لا ينافي أن يكون المعهود الغلس كذلك لكن متأخر عن هذا، ثم إنه يحتمل أن يكون قوله (قبل ميقاتها) على ظاهره!!
وقد جمع الطحاوي -﵀، وهو حنفي- بين أدلة التغليس والإسفار بأن يدخل في الصلاة مغلسًا، ويطول القراءة حتى ينصرف عنها مسفرًا (٥).
قلت: وهذا فعل حسن، لكن يقوى مذهب الجمهور بتفضيل تعجيلها بغلس إذ الخلاف في وقت الدخول في الصلاة لا الخروج منها والله أعلم.
_________________
(١) انظر الآثار عنهم في «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٣٧٤ - وما بعدها) وورد الإسفار كذلك عن علي وعثمان.
(٢) «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ٨٢)، و«شرح معاني الآثار» (١/ ١٨٤)، و«الأوسط» (٢/ ٣٧٧).
(٣) صحيح لغيره: أخرجه أبو داود (٤٢٤)، والترمذي (١٥٤)، والنسائي (١/ ٢٧٢)، وابن ماجه (٦٧٢).
(٤) «صحيح ابن حبان (٤/ ٣٥٩ - الإحسان).
(٥) «شرح معاني الآثار» (١/ ١٨٤).
[ ١ / ٢٥٠ ]