وهي ما يبطل بها الوضوء، وهي:
١ - خروج البول أو الغائط أو الريح من السبيلين:
فأما البول والغائط فلقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ (٦) والغائط كناية عن قضاء الحاجة من بول أو غائط، وقد أجمع العلماء على انتقاض الوضوء بخروجهما من السبيلين «القُبُل والدُّبُر» (٧).
وأما خروجهما من غير القبل والدبر -كالخروج من جرح في المثانة أو البطن-
_________________
(١) أفاده في «الشرح الممتع» (١/ ١٨١)، وانظر «زاد المعاد» (١/ ١٩٧).
(٢) إسناده قريب من الحسن: أخرجه ابن ماجه (٤٦٨، ٣٥٦٤).
(٣) من كتابي «فقه السنة للنساء» (ص ٣٩).
(٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٠).
(٥) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (١/ ٧٧، ٧٨).
(٦) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٧) «الإجماع» (ص ١٧)، و«الأوسط» (١/ ١٤٧) لابن المنذر.
[ ١ / ١٢٧ ]
فتنازع فيه العلماء، فمن اعتبر الخارج وحده - كأبي حنيفة والثوري وأحمد وابن حزم - قالوا: ينقض الوضوء بكل نجاسة تسيل من الجسد من أي موضع خرجت.
ومن اعتبر المخرجين -كالشافعي- قال: ينقض إذا خرج منهما ولو لم يكن نجسًا كالحصاة ونحوها (١).
وأما الريح فإن خرجت من الدبر -بصوت أو بدونه- فناقضة للوضوء كذلك إجماعًا ولقوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» فقال رجل من حضرموت: ما الحديث يا أبا هريرة؟ قال: فُساء أو ضراط (٢).
وإن خرجت الريح من القُبُل، فقال الجمهور (٣): تنقض، وقال أبو حنيفة ووافقه ابن حزم: لا تنقض الوضوء، لأن «الفساء والضراط» اسمان لا يقعان على الريح إلا إن خرجت من الدبر (٤).
قلت: إن وجد الريح التي تُعرف فهي ناقضة سواء خرجت من القبل أو الدبر، وإلا فمن الدبر وحده.
تنبيه: قد تحس المرأة بشيء يشبه الريح ينبعث من الفرج، فهذا اختلاج -أي: انجذاب وتحرك- وليس بريح خارجة، فلا تنقض وضوءها إذ هي بمنزلة الجشاء ونحوه، لكن إن كانت المرأة مفضاه -وهي التي اختلط مسلك بولها وغائطها- فإنها تتوضأ احتياطًا لاحتمال أن يكون خروج الريح من الدبر. والله أعلم.
٢ - خروج المني والودي والمذي:
خروج المني ناقض إجماعًا ويوجب الغُسل -كما سيأتي- وكل ما يوجب الغسل يبطل الوضوء إجماعًا (٥)، والمذي ناقض لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلًا مذَّاءً، فأمرت رجلًا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فسأل فقال: «توضأ واغسل ذكرك» (٦) ونحوه الودي، فالواجب فيهما أن يغسل فرجه ويتوضأ،
_________________
(١) «المحلى» (١/ ٢٣٢)، و«بداية المجتهد» (١/ ٤٠)، و«الأوسط» (١/ ١٣٧).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥) لكن عنده بدون قول أبي هريرة.
(٣) «بداية المجتهد» (١/ ٤٠)، و«الأم» (١/ ١٧).
(٤) «المحلى» (١/ ٢٣٢)، و«المبسوط» (١/ ٨٣).
(٥) «الإفصاح» (١/ ٧٨)، و«الإجماع» (ص ٣١).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣).
[ ١ / ١٢٨ ]
وقال ابن عباس: «المني والودي والمذي: أما المني فهو الذي منه الغسل، وأما الودي والمذي فقال: اغسل ذكرك -أو مذاكيرك- وتوضأ وضوءك للصلاة» (١).
فائدة: من كان مُبتلىً بسلس بول أو سلس مذي أو كان يتكرر عنده خروج شيء مما تقدم حتى يشق عليه -لعلة في جسده- فإنه يغسل ما أصاب ثوبه وبدنه ويتوضأ لكل صلاة -كالمستحاضة كما سيأتي- ثم لا يضره ما خرج من صلاته أو فيما بين وضوئه وصلاته.
٣ - النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك:
اختلفت الآثار الواردة في الوضوء من النوم وتعارضت ظواهرها، فهناك أحاديث يدل ظاهرها على أنه ليس في النوم وضوء أصلًا، وأخرى يوجب ظاهرها أن النوم حدث، فذهب العلماء فيها مذهبين: مذهب الجمع ومذهب الترجيح، فمن ذهب مذهب الترجيح إما أسقط الوضوء من النوم مطلقًا وقال: ليس بحدث، وإما أوجبه مطلقًا وقال: النوم حدث. ومن ذهب مذهب الجمع قال: النوم ليس حدثًا وإنما هو مظنة للحدث، وهؤلاء اختلفوا في صفة النوم الذي يجب منه الوضوء، فهذه ثلاثة مسالك للعلماء، تفرع منها ثمانية أقوال (٢) وهي:
الأول: النوم لا ينقض الوضوء مطلقًا: وهو محكي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو موسى الأشعري، وهو قول سعيد بن جبير ومكحول وعبيدة السلماني والأوزاعي وغيرهم، وحجتهم:
١ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «أقيمت الصلاة، والنبي ﷺ يناجي رجلًا، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلى بهم» (٣).
٢ - وعن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلُّون ولا يتوضَّأون» قال: قلت: سمعته من إنس؟ قال: إي والله (٤).
وفي لفظ «ينتظرون الصلاة فينعسون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون إلى الصلاة».
_________________
(١) إسناده صحيح: البيهقي (١/ ١١٥).
(٢) انظرها في «المحلى» (١/ ٢٢٢ - ٢٣١)، و«الاستذكار» (١/ ١٩١)، و«الأوسط» (١/ ١٤٢)، وفتح الباري (١/ ٣٧٦)، و«شرح مسلم» للنووي (٢/ ٣٧٠ - قلعجي)، وعنه «نيل الأوطار» (١/ ٢٤١).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٦١٩٢)، ومسلم (٣٧٦) واللفظ له.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٣٧٦)، والترمذي (٧٨).
[ ١ / ١٢٩ ]
٣ - حديث ابن عباس قال: بتُّ عند خالتي ميمونة «فقام رسول الله ﷺ فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني قال: فصلى إحدى عشرة ركعة» (١).
٤ - حديث ابن عباس في مبيته عند ميمونة وفيه: «.. ثم نام ﷺ حتى سمعت غطيطه ثم خرج إلى الصلاة» (٢) وفي لفظ «ثم قام فصلى ولم يتوضأ».
الثاني: النوم ينقض الوضوء مطلقًا: لا فرق بين قليله وكثيره، وهو مذهب أبي هريرة وأبي رافع وعروة بن الزبير وعطاء والحسن البصري وابن المسيب والزهري والمزني وابن المنذر وابن حزم، وهو اختيار الألباني:
١ - لحديث صفوان بن عسال قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلا من جنابة» (٣) قالوا: فعمَّ ﷺ كلَّ نوم ولم يخص قليله من كثيره، ولا حالًا من حال، وسوَّى بينه وبين الغائط والبول.
٢ - ولما رُوى عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ: «العينان وكاء السَّه (٤)، فمن نام فليتوضأ» (٥) وهو ضعيف.
٣ - حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه» (٦). وقد استدل به البخاري في «صحيحه» على إيجاب الوضوء من النوم، والذي يظهر لي أن في الاستدلال به على ذلك نظرًا، فإن جعل العلة من الانصراف من الصلاة لأجل النوم هي خشية أن يدعو على نفسه أو
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣) واللفظ له.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١١٧)، ومسلم (١٨٤)، وأحمد (١/ ٣٤١).
(٣) حسن: أخرجه النسائي (١/ ٣٢)، والترمذي (٣٥٣٥)، وابن ماجه (٤٧٨)، وانظر «الإرواء» (١٠٤).
(٤) «السَّه»: حلقة الدبر، و«الوكاء» الخيط الذي يربط به فم القربة، فجعل اليقظة للعين مثل الوكاء للقربة، فإذا نامت العين استطلق ذلك الوكاء وكان منه الحدث.
(٥) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧) وغيرهما وهو ضعيف على الأرجح، وقد حسنه الألباني.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٢١٢)، ومسلم (٢٢٢).
[ ١ / ١٣٠ ]
يتكلم بما لا يعلم وأن لا يحضر قلبه فينتفي الخشوع، وهذا لا تعلق له بالوضوء من النوم، بل ربما استدل به القائلون بعدم النقض بالنوم، فلينظر.
٤ - قالوا: أهل العلم مجمعون على إيجاب الوضوء على من زال عقله بجنون أو أغمى عليه على أي حال كان ذلك منه، فكذلك النائم.
الثالث: كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض: وهذا قول مالك ورواية عن أحمد وبه قال الزهري وربيعة والأوزاعي (!!)، وقد حملوا حديث أنس في نوم الصحابة على النوم القليل، واستدلوا بحديث أبي هريرة: «من استحق النوم فقد وجب عليه الوضوء» (١).
والصحيح أنه موقوف عليه، وحديث ابن عباس: «وجب النوم على كل نائم إلا من خفق رأسه خفقة أو خفقتين» (٢).
الرابع: لا ينقض النوم إلا إذا نام مضطجعًا أو متكئًا: وأما من نام على هيئة من هيئات الصلاة كالراكع والساجد والقائم والقاعد فلا ينتقض وضوؤه سواء كان في الصلاة أو لم يكن. وهو قول حماد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وداود وقول للشافعي، وحجتهم:
١ - ما رُوى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «ليس على من نام جالسًا وضوء حتى يضع جنبه» (٣) وهو ضعيف لا يصح.
٢ - حديث أنس عن النبي ﷺ: «إذا نام العبد في سجوده باهى الله تعالى به الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي» (٤) وقاسوا سائر هيئات المصلي على السجود، قلت: وهو ضعيف الإسناد، قال البيهقي: ثم ليس فيه أنه لا يخرج من صلاته، والقصد منه -إن صح- الثناء على العبد المواظب على الصلاة حتى يغلبه النوم اهـ.
_________________
(١) صحيح موقوفًا: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٨)، وعبد الرزاق (٤٨١) موقوفًا بسند صحيح وقد ورد مرفوعًا ولا يصح كما قال الدارقطني في «العلل» (٨/ ٣٢٨)، وانظر «الضعيفة» (٩٥٤).
(٢) ضعيف موقوفًا ومرفوعًا: أخرجه عبد الرزاق (٤٧٩)، والبيهقي (١/ ١١٩)، وانظر «علل الدارقطني» (٨/ ٣١٠).
(٣) منكر: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٤٥٩)، والدارقطني (١/ ١٦٠)، والطبراني في «الأوسط».
(٤) ضعيف: وانظر «السلسلة الضعيفة» (٩٥٣).
[ ١ / ١٣١ ]
الخامس: لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد: وعزاه النووي إلى أحمد، ولعل وجهه أن هيئة الركوع والسجود مظنة للانتقاض.
السادس: لا ينقض إلا نوم الساجد وهو مروي عن أحمد كذلك.
السابع: لا ينقض النوم في الصلاة بحال وينقض خارجها: وهو مروي عن أبي حنيفة للحديث الذي تقدم في القول الرابع.
الثامن: لا ينقض إذا نام جالسًا ممكِّنًا مقعدته من الأرض سواء في الصلاة أو خارجها، قل أو كثر:
وهو مذهب الشافعي، لأن النوم عنده ليس حدثًا في نفسه وإنما هو مظنة الحدث، قال الشافعي: «لأن النائم جالسًا يكل للأرض فلا يكاد يخرج منه شيء إلا انتبه له» اهـ. فاختاره الشوكاني، قلت: والقائلون بهذا القول حملوا حديث أنس في نوم الصحابة على أنهم كانوا جلوسًا، وقد ردَّه الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٥١) بقوله: «لكن في مسند البزار بإسناد صحيح في هذا الحديث: فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة» (١) اهـ.
الراجح: أن النوم المستغرق الذي ليس معه إدراك، بحيث لا يشعر صاحبه بالأصوات، أو بسقوط شيء من يديه، أو سيلان ريقه ونحو ذلك، فغنه ناقض للوضوء، لأنه مظنة للحدث، سواء كان قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا أو راكعًا أو ساجدًا، لا فرق بين شيء من هذا، فإن كان أصحاب القول الأول يعنون بالنوم هذا النوع فنحن معهم، وإلا فالنوم اليسير وهو النعاس الذي يشعر الإنسان بما تقدم، لا ينقض على أي حال كان، لحديث نوم الصحابة حتى تخفق رءوسهم وحديث ابن عباس في صلاته مع النبي ﷺ، وبهذا تجتمع الأدلة كلها الواردة في الباب، ولله الحمد والمنة.
فائدة: لما كان النوم مظنة الحدث الموجب للوضوء، وكُلَ انتقاضه إلى المتوضئ بحسب حالته في النوم، وما يغلب على ظنِّه، فإذا شَك: هل نومه مما ينقض أو ليس ينقض؟ فالأظهر أن لا يحكم بنقض الوضوء، لأن الطهارة ثابتة بيقين، فلا تزول بالشك وهذا اختيار شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢١/ ٢٣٠).
_________________
(١) إسناد صحيح: أخرجه البزار ونحوه أخرجه أبو داود في «مسائل أحمد» (ص ٣١٨)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين وانظر «تمام المنة» (ص ١٠٠).
[ ١ / ١٣٢ ]
٢٤ - زوال العقل، بالسُّكْر أو الإغماء أو الجنون: وهذا ناقض إجماعًا (١)، والذهول عند هذه الأمور أبلغ من النوم.
٥ - مَسُّ الفَرْج بلا حائل سواء بشهوة أو بدونها:
لأهل العلم في الوضوء من مس الذكر أربعة أقوال، قولان بالترجيح وقولان بالجمع:
الأول: مس الذكر لا ينقض الوضوء مطلقًا: وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايات عن مالك، وهو مروي عن طائفة من الصحابة (٢)، واستدلوا بما يلي:
(أ) حديث طلق بن عليٍّ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يمس ذكره بعد أن يتوضأ، فقال رسول الله ﷺ: «هل هو إلا بضعة منك» (٣) وفي لفظ أن الرجل السائل قال: «بينا أنا في الصلاة إذْ ذهبتُ أحكُّ فخذي، فأصابت يدي ذكري» فقال ﷺ: «إنما هو منك» (٤).
(ب) قالوا: لا خلاف في أن الذكر إذا مسَّ الفخذ لا يوجب وضوءًا، ولا فرق بين اليد والفخذ، وتكلموا في حديث بسرة (٥) -الآتي- الذي فيه الأمر بالوضوء من مسِّ الذكر.
الثاني: مس الذكر ينقض الوضوء مطلقًا: وهو مذهب مالك -في المشهور عنه- والشافعي وأحمد وابن حزم وهو مروي عن أكثر الصحابة ﵃ (٦) وحجتهم:
(أ) حديث بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فليتوضأ» (٧).
_________________
(١) «الأوسط» لابن المنذر (١/ ١٥٥).
(٢) «البدائع» (١/ ٣٠)، و«شرح فتح القدير» (١/ ٣٧)، و«المدونة» (١/ ٨ - ٩)، و«الاستذكار» (١/ ٣٠٨ وما بعدها).
(٣) إسناده لين: أخرجه أبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١/ ١٠١) واختلف في صحته والأظهر ضعفه لأجل قيس بن طلق. وقد صححه الألباني ولكلٍّ وجهه ولا نحجر الواسع، والله أعلم.
(٤) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (١٨٣)، وأحمد (٤/ ٢٣)، والبيهقي (١/ ١٣٥) وغيرهم.
(٥) «الأوسط» (١/ ٢٠٣)، وانظر «شرح معاني الآثار» (١/ ٧١ - ٧٩).
(٦) «الاستذكار» (١/ ٣٠٨)، و«المدونة» (١/ ٨ - ٩)، و«الأم» (١/ ١٩)، و«المجموع» (١/ ٢٤)، و«المغنى» (١/ ١٧٨)، و«الإنصاف» (١/ ٢٠٢)، و«المحلى» (١/ ٢٣٥).
(٧) صحيح: أخرجه أبو داود (١٨١)، والنسائي (١/ ١٠٠)، وابن حبان (١١١٢).
[ ١ / ١٣٣ ]
(ب) حديث أم حبيبة أن النبي ﷺ قال: «من مسَّ فرجه فليتوضأ» (١).
وقد ورد نحوهما من حديث أبي هريرة وأروى بنت أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو.
قالوا: وحديث بسرة يرجَّح على حديث طلق، وذلك لأمور منها:
١ - أن حديث طلق معلول وقد أعلَّه أبو زرعة وأبو حاتم، وبالغ النووي في المجموع (٢/ ٤٢) فحكى اتفاق الحفاظ على تضعيفه!
٢ - أنه لو صح لكان حديث أبي هريرة -الذي في معنى حديث بسرة- مقدمًا عليه لأن طلقًا قدم المدينة وهم يبنون المسجد، وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد ذلك بست سنين فيكون ناسخًا لحديث طلق (٢).
٣ - أن حديث طلق مُبقٍ على الأصل، وحديث بسرة ناقل، والناقل مقدم لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوًا عليه.
٤ - أن رواة النقض بالمس أكثر وأحاديث أشهر.
٥ - أنه قول أكثر الصحابة.
٦ - أن حديث طلق محمول على أنه حكَّ فخذه فأصاب ذكره وراء الثوب كما تدل عليه رواية أنه كان في الصلاة.
الثالث: ينقض إذا كان مس الذكر بشهوة ولا ينقض إذا مسَّ بدونها: وهو رواية عن مالك، واختاره العلامة الألباني (٣)، والقائلون بهذا حملوا حديث بسرة على ما إذا كان لشهوة وحديث طلق على ما إذا كان لغير شهوة، قالوا: دل عليه قوله: «إنما هو بضعة منك» فإذا مس ذكره بغير شهوة صار كأنما مس سائر أعضائه.
الرابع: الوضوء من مسِّ الذكر مستحب مطلقًا وليس بواجب: وهو مذهب
_________________
(١) صحيح لشواهده: أخرجه ابن ماجه (٤٨١)، وأبو يعلى (٧١٤٤)، والبيهقي (١/ ١٣٠)، وانظر «الإرواء» (١١٧).
(٢) وممن قال بالنسخ: الطبراني في «الكبير» (٨/ ٤٠٢)، وابن حبان (٣/ ٤٠٥ - إحسان)، وابن حزم في «المحلى» (١/ ٢٣٩)، والحازمي في «الاعتبار» (٧٧)، وابن العربي في «العارضة» (١/ ١١٧)، والبيهقي في «الخلافيات» (٢/ ٢٨٩).
(٣) انظر مراجع المالكية التي تقدمت، و«تمام المنة» (ص ١٠٣) وهناك عزا هذا القول إلى أنه اختيار ابن تيمية قال: «على ما أذكر» قلت: بل مذهب ابن تيمية الرابع كما سترى فجلَّ من لا يسهو.
[ ١ / ١٣٤ ]
أحمد في إحدى الروايتين وشيخ الإسلام ابن تيمية، وكأنه الذي مال إليه العلامة ابن عثيمين -رحمهما الله تعالى- إلا أنه استحبه إذا مس بغير شهوة، وقوى إيجابه إذا كان لشهوة احتياطًا (١)، فحملوا حديث بسرة على الاستحباب وحديث طلق على أن السؤال فيه كان عن الوجوب.
ويُستدل للقولين الأخيرين القائمين على مسلك الجمع بما يلي:
١ - أن دعوى النسخ بتقدم إسلام طلق وتأخر إسلام بسرة فيها نظر، لأن هذا ليس دليلًا على النسخ عند المحققين من أئمة الأصول، لأنه ربما يكون المتقدم حدث به عن غيره.
٢ - أن في حديث طلق علة لا يمكن أن تزول وهي كون الذكر بضعة منه وإذا ربط الحكم بعلة لا يمكن أن تزول فلا يزول الحكم، فلا يمكن النسخ.
٣ - ثم إنه لا يصار إلى النسخ إلا بعد تعذُّر الجمع لا سيما ولا يصح النسخ كما تقدم.
قلت: «أبو مالك»: القول الأخير من القوة بمكان، لكن إذا صح حديث طلق ابن علي، وهذا غير مسلَّم بل القول بضعفه متجه، فيتألَّق القول بأن مسَّ الذكر ناقض للوضوء مطلقًا سواء مسَّه بشهوة أو بدونها، لأن الشهوة لا حد لها ولا دليل على اعتبارها، والله أعلم.
فوائد تتعلق بما سبق:
١ - المرأة إذا مست فرجها تتوضأ: لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «من مسَّ ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (٢) ويؤيد هذا قول عائشة ﵂: «إذا مست المرأة فرجها توضأت» (٣) والأصل أن النساء شقائق الرجال في الأحكام، وهذا مذهب الشافعي وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة ومالك!!
٢ - مسُّ فَرْج الغير: إذا مسَّ الرجل فرج امرأته أو مست ذكره فلا دليل على انتقاض وضوء أحدهما إلا إذا أمذى أو أمنى فينتقض لذلك لا لمجرد المسِّ، وقال
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٤١)، و«الشرح الممتع» (١/ ٢٣٣).
(٢) صحيح لغيره: أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٣)، والبيهقي (١/ ١٣٢).
(٣) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي في «مسنده» (٩٠)، والبيهقي (١/ ١٣٣)، وصحح الحاكم وقفه (١/ ١٣٨).
[ ١ / ١٣٥ ]
مالك والشافعي يجب الوضوء (١)، وهذا مبنى على مذهبهما في نقض الوضوء بلمس المرأة، وسيأتي أن الراجح خلافه.
وكذلك مسُّ المرأة أو الرجل لذكر الصبي ونحوه لا ينقض الوضوء وقد وافق في هذا مالك وهو قول الزهري والأوزاعي (٢).
٣ - مسُّ الفجر يستوي فيه الخطأ والعمد (٣): وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأحمد.
وذهب طائفة إلى أن الناقض إنما هو تعمد المسِّ وقصده منهم مكحول وجابر ابن زيد وسعيد بن جبير وهو مذهب ابن حزم واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٤).
والأظهر الأول، قال ابن المنذر: واللازم لمن جعل مس الذكر بمعنى الحدث الذي يوجب الوضوء أن يجعل خطأه وعمده سواء كسائر الأحداث. اهـ.
قلت: الخطأ والنسيان -فيما يتعلق بالشروط والأركان- يرفعان الإثم لا الحكم والله أعلم.
٤ - المسُّ من فوق الثوب لا ينقض: لأنه لا يسمى مسًّا كما هو واضح ويؤيده حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما شيء فليتوضأ» (٥).
٥ - مسُّ الدُّبُر لا ينقض (٦): لأن الدبر لا يسمى فرجًا، ولا يصح أن يقاس على الذكر لعدم العلة الجامعة بين مس الدبر والذكر، فإن قيل: كلاهما مخرج للنجاسة، فيقال: ليس هذا علة انتقاض الوضوء من مسهِّ، ثم إن مس النجاسة لا ينقض الوضوء، فكيف بمس مخرجها؟!! وهذا قول مالك والثوري وأصحاب الرأي خلافًا للشافعي.
٦ - من النواقض أكل لحم الإبل:
يجب على من أكل لحوم الإبل نيئة أو مطبوخة أو مشوية أن يتوضأ، لحديث
_________________
(١) «مواهب الجليل» (١/ ٢٩٦)، و«الأم» (١/ ٢٠).
(٢) «الكافي» لابن عبد البر (١/ ١٤٩)، و«الأوسط» (١/ ٢١٠).
(٣) «المحلى» (١/ ٢٤١)، و«الأوسط» (١/ ٢٠٥ - ٢٠٧).
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٥.
(٥) حسن: أخرجه الدارقطني (١/ ١٤٧)، والبيهقي (١/ ١٣٣)، وانظر «الصحيحة» (١٢٣٥).
(٦) «المحلى» (١/ ٢٣٨)، و«الأوسط» (١/ ٢١٢).
[ ١ / ١٣٦ ]
جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ» قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، توضأ من لحوم الإبل» (١).
وعن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: «توضأوا من لحوم الإبل، ولا توضأوا من لحوم الغنم» (٢).
وهذا مذهب أحمد وإسحاق وأبي خيثمة وابن المنذر وابن حزم وهو أحد قولي الشافعي واختاره شيخ الإسلام وهو مروي عن ابن عمر وجابر بن سمرة، بينما ذهب جمهور العلماء: أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وطائفة من السلف إلى أنه لا يجب الوضوء من أكل لحوم الإبل وإنما يستحب (٣)، لحديث جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار» (٤) قالوا: فقوله: «مما مست النار» تشمل لحوم الإبل كذلك وقد ثبت نسخه.
ويجاب عن هذا بأمرين (٥): الأول: أن حديث جابر عام، وما ورد في نقض الوضوء بلحم الإبل خاص، والعام يحمل على الخاص، فيخرج منه ما قام الدليل على تخصيصه، ولا يقال بالنسخ لإمكان الجمع.
الثاني: أن الأمر الوارد بالوضوء من لحوم الإبل إنما هو حكم فيها خاصة سواء مستها النار أو لم تمسها، فليس مس النار إياها -إن طبخت- بموجب للوضوء فحكمها خارج عن الأخبار الواردة بالوضوء مما مست النار وبنسخ الوضوء منه.
وقال بعضهم: المراد بالوضوء في الحديث: (غسل اليد)!! وهذا باطل (٦)، فإن الوضوء لم يرد في كلام النبي ﷺ إلا وضوء الصلاة، ثم إنه في رواية مسلم لحديث جابر بن سمرة قرن الأمر بالوضوء من لحم الإبل بالصلاة في مباركها مفرقًا بين ذلك وبين الصلاة في مرابض الغنم، وهذا مما يفهم منه وضوء الصلاة قطعًا.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٣٦٠)، وابن ماجه (٤٩٥).
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤).
(٣) «المبسوط» (١/ ٨٠)، و«مواهب الجليل» (١/ ٣٠٢)، و«المجموع» (١/ ٥٧)، و«المغنى» (١/ ١٣٨)، و«المحلى» (١/ ٢٤١)، و«الأوسط» (١/ ١٣٨).
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (١٩٢)، الترمذي (٨)، والنسائي (١/ ١٠٨).
(٥) «المحلى» (١/ ٢٤٤)، و«الممتع» (١/ ٢٤٩).
(٦) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٦٠ - وما بعدها).
[ ١ / ١٣٧ ]
فالراجح: أنه يجب الوضوء من أكل لحم الإبل على كل حال، ولذا قال النووي في «شرح مسلم» (١/ ٣٢٨ - قلعجي): وهذا المذهب أقوى دليلًا وإن كان الجمهور على خلافه .. اهـ.
تنبيهان:
الأول: عزا النووي في «شرح مسلم» (١/ ٣٢٨) القول بعدم الوضوء من لحوم الإبل إلى الخلفاء الراشدين الأربعة (!!) وهذه دعوى لا دليل عليها ولا يعرف السند إليهم بذلك، وقد نبه على خطأ هذه الدعوى ابن تيمية -﵀- فقال: «وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة أنهم لم يكونوا يتوضأون من لحوم الإبل، فقد غلط عليهم، وإنما توهم ذلك لما نقل عنهم أنهم لم يكونوا يتوضأون مما مست النار » اهـ (١).
الثاني: قصة مشهورة لا أصل لها (٢).
اشتهرت بين العوام قصة يرددونها إذا سمعوا بعض طلاب العلم يذكر وجوب الوضوء من لحم الإبل وهي: أن النبي ﷺ كان في نفر من أصحابه فوجد ريحًا من أحدهم، فاستحيا أن يقوم من بين الناس، وكان قد أكل لحم جزور فقال رسول الله ﷺ: «من أكل لحم جزور فليتوضأ» فقام جماعة كانوا أكلوا من لحمه، فتوضأوا!! وهذه القصة ضعيفة من جهة السند ومنكرة من جهة المتن.
أمور لا تنقض الوضوء:
هذه أمور اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بها، والتحقيق أنها لا تنقضه، فمن ذلك:
[١] لمس الرجل المرأة بدون حائل:
هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء: الأول: أن لمس الرجل المرأة ناقض للوضوء مطلقًا، وهو مذهب الشافعي ووافقه ابن حزم، وهو قول ابن مسعود وابن عمر (٣).
الثاني: أنه لا ينقض مطلقًا، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن
_________________
(١) «القواعد النورانية» (ص ٩) عن «تمام المنة» (ص ١٠٥).
(٢) انظر «الضعيفة» للألباني (١١٣٢) و«قصص لا تثبت» لمشهور حسن (ص: ٥٩).
(٣) «الأم» (١/ ١٥)، و«المجموع» (٢/ ٢٣ وما بعدها)، و«المحلى» (١/ ٢٤٤).
[ ١ / ١٣٨ ]
الشيباني، وهو قول ابن عباس وطاوس والحسن وعطاء، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وهو الراجح.
الثالث: أن المس ينقض إذا كان بشهوة، وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه (٢).
قلت: عمدة ما استدل به القائلون بنقض الوضوء من مس المرأة، قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣) وصح عن ابن مسعود وابن عمر «أن المس ما دون الجماع» (٤).
لكن خالفهما حبر الأمة ابن عباس فقال: «المسُّ واللمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني ما شاء بما شاء» (٥) ولا شك أن تفسيره مقدم على غيره، ثم إن في الآية نفسها دليلًا عليه، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ (٦). هذه طهارة بالماء عن الحدث الأصغر، ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وهذه طهارة بالماء عن الحدث الأكبر، ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. فقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا بدل عن الطهارتين، فكان قوله ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ بيان سبب الصغرى، وقوله ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بيان سبب الكبرى (٧).
ولْيُعلم أن تأويل الشافعي نفسه لمعنى المسِّ في الآية الكريمة لم يكن من منه على سبيل الجزم والقطع، بل الظاهر عن عبارته أنه ذكره على شيء من الحذر (٨) فقال في «الأم» (١/ ١٢) بعد ذكر الآية:
«فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط وأوجبه من الملامسة وإنما ذكرها
_________________
(١) «المبسوط» (١/ ٦٨)، و«البدائع» (١/ ٣٠)، و«الأوسط» (١/ ١٢٦)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤١٠).
(٢) «المدونة» (١/ ١٣)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ١١٩)، و«المغنى» (١/ ١٩٢)، و«كشاف القناع» (١/ ١٤٥).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٤) صحيح: «تفسير الطبري» (١/ ٥٠٢) بأسانيد صحيحة.
(٥) إسناده صحيح: أخرجه الطبري (٩٥٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٦٦).
(٦) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٧) «الشرح الممتع» (١/ ٢٣٩)، ونحوه في «الأوسط» (١/ ١٢٨).
(٨) أفاده الشيخ مشهور -حفظه الله- في تحقيقه «للخلافيات» (٢/ ٢١٧).
[ ١ / ١٣٩ ]
موصولة بالغائط بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة أن تكون باليد، والقبلة غير الجنابة» اهـ.
ويؤيد هذا أن ابن عبد البر نقل عن الشافعي أنه قال: «إن ثبت حديث معبد بن نباتة (١) في القبلة لم أر فيها ولا في اللمس وضوء» اهـ ونقل الحافظ في «التلخيص» (ص: ٤٤) نحوه!!
قلت: ومما يؤيد أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء ما يلي:
١ - حديث عائشة قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك » (٢).
٢ - وعنها قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجليَّ، فإذا قام بسطتهما» قالت: «والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح» (٣) وفي لفظ: «حتى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجله» (٤).
٣ - قد كان المسلمون دائمًا يمسون نساءهم، وما نقل أحد عنه أنه كان يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك، ولا نقل عن الصحابة على حياته أنه توضأ من ذلك، ولا نقل عنه أنه توضأ من ذلك، بل قد نُقل عنه في «السنن»: «أنه كان يقبل بعض نسائه، ولا يتوضأ» (٥) وقد اختلف في صحة هذا الحديث، لكن لا خلاف أنه لم ينقل عنه الوضوء من المسِّ» (٦) اهـ. وأما القول بالنقض بشهوة وعدمه بدونها فلا برهان عليه، لكن قد يقال: إن توضأ من المسِّ بشهوة -دون الجماع- فهو حسن لإطفاء الشهوة كما يستحب الوضوء من الغضب لإطفائه، وأما وجوبه فلا، والله أعلم.
_________________
(١) وهو حديث عائشة في تقبيل النبي ﷺ أزواجه قبل الخروج للصلاة وسيأتي، فلما علَّق الحكم على ثبوته دلَّ على تردده في تأويل الآية.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٢)، وأبو داود (٨٦٥)، والترمذي (٣٨١٩).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٣٨٢)، ومسلم (٢٧٢) وغيرهما.
(٤) إسناده صحيح: أخرجه النسائي (١/ ١٠١).
(٥) أعلَّه الأئمة: أخرجه أبو داود (١٧٨)، والنسائي (١/ ١٠٤)، وأعلَّه المتقدمون وانظر «سنن الدارقطني» (١/ ١٣٥ - ١٤٢).
(٦) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤١٠، ٢٠/ ٢٢٢) ومواضع أخرى.
[ ١ / ١٤٠ ]
[٢] خروج الدم من غير المخرج المعتاد، سواء كان بجرح أو حجامة، قليلًا أو كثيرًا:
فهذا غير ناقض في أصح قولي العلماء، وهو مذهب الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة: ينقض، وهو مذهب الحنابلة إذا كان الدم كثيرًا (١)، والأول أرجح لأمور:
١ - أن الأحاديث التي توجب الوضوء منه لا يصح منها شيء.
٢ - أن الأصل البراءة، والمتوضئ وضوءًا صحيحًا لا ينتقض إلا بنص أو إجماع.
٣ - حديث جابر بن عبد الله في قصة غزوة ذات الرقاع وفيه: « اضطجع المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، فرماه [رجل] بسهم فوضعه فيه فنزعه، حتى رماه بثلاثة أسهم ثم ركع وسجد ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد قدروا به هرب، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله ألا أنبهتني أوَّل ما رمى؟ قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها» (٢).
«ومعلوم أن النبي ﷺ قد اطلع على ذلك ولم ينكر عليه الاستمرار في الصلاة بعد خروج الدم، ولو كان الدم ناقضًا لبيَّن ذلك له ولمن معه في تلك الغزوة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز» (٣).
٤ - وقد ثبت «أن عمر بن الخطاب -لما طعن- صلى وجرحه يثعب دمًا».
٥ - وقد تواترت الأخبار -في أن المجاهدين في سبيل الله كانوا يذوقون آلام الجراحات ولا يستطيع أحد أن ينكر سيلان الدماء من جراحاتهم وتلويث ثيابهم، ومع هذا يصلون على حالهم ولم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه أمرهم بالخروج من الصلاة أو منعهم منها، ولذا قال الحسن البصري: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم» (٤).
_________________
(١) «الأم» (١/ ١٨٠)، و«المجموع» (٢/ ٥٥)، و«الاستذكار» (٢/ ٢٦٩)، و«المبسوط» (١/ ٧٤)، و«المغنى» (١/ ١٨٤).
(٢) إسناده ضعيف: أخرجه البخاري تعليقًا (١/ ٢٨٠)، ووصله أبو داود (١٩٥)، وأحمد (٣/ ٣٤٣)، وابن حبان (١٠٩٦)، والحاكم (١/ ١٥٦)، والدارقطني (١/ ٢٢٣) وسنده ضعيف لأجل عقيل بن جابر، ورأى الألباني في «صحيح أبي داود» (١٩٣) تصحيحه!!.
(٣) «السيل الجرار» (١/ ٩٩).
(٤) أخرجه البخاري تعليقًا (١/ ٢٨٠)، ووصله ابن أبي شيبة بسند صحيح كما في «الفتح» (١/ ٢٨١).
[ ١ / ١٤١ ]
[٣] القيء ونحوه:
ومذاهب العلماء في هذه المسألة كمذاهبهم في خروج الدم تمامًا، والصواب أنه لا ينقض الوضوء، لعدم صحة شيء من الأدلة في إيجابه، ولأن الأصل البراءة.
وأما حديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء «أن النبي ﷺ قاء، فأفطر فتوضأ» (١).
فلا ريب في أنه لا يفيد وجوب الوضوء من القيء لأنه مجرد فعل، فغايته أن يدل على الاستحباب. والله أعلم.
[٤] القهقهة في الصلاة أو خارجها:
أجمع أهل العلم على أن الضحك في غير الصلاة لا ينقض طهارة ولا يوجب وضوءًا، وأجمعوا على أن الضحك في الصلاة يبطل الصلاة، واختلفوا في نقض الوضوء من الضحك في الصلاة، فذهب أبو حنيفة وأصحاب الرأي والثوري والحسن والنخعي إلى أنه ينقض الوضوء، واحتجوا بحديث منقطع لا يثبت وهو حديث أبي العالية «أن رجلًا ضرير البصر جاء والنبي ﷺ يصلي بالناس، فتردَّى في حفرة في المسجد فضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله ﷺ من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة» (٢).
وإنما الثابت حديث جابر موقوفًا: أنه سئل عن الرجل يضحك في الصلاة؟ فقال: «يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء» (٣).
وهذا هو الصحيح وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٤).
[٥] تغسيلُ الميت وحَمْلُه:
من غسَّل ميتًا أو حمله فلا ينتقض وضوؤه -على الراجح- لكن استحب بعض أهل العلم لمن غسَّل ميتًا أن يغتسل ولمن حمله أن يتوضأ لحديث أبي هريرة
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذي (٨٧)، وأبو داود (٢٣٨١)، وانظر «الإرواء» (١١١).
(٢) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (١/ ١٦٢)، وابن عدي (٢/ ٧١٦).
(٣) صحيح موقوفًا: أخرجه البخاري تعليقًا (١/ ٢٨٠)، ووصله البيهقي (١/ ١٤٤)، والدارقطني (١/ ١٧٢).
(٤) «المجموع» (٢/ ٦١)، و«الكافي» (١/ ١٥١)، و«المغنى» (١/ ١١٧)، و«الأوسط» (١/ ٢٢٧).
[ ١ / ١٤٢ ]
أن رسول الله ﷺ قال: «من غسَّل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (١) إن صحَّ الحديث.
[٦] شكُّ المتوضئ في الحَدَث:
من توضأ وضوءًا صحيحًا ثم شك هل أحدث أم لا، فهو باقٍ على أصل ما أيقن به من الطهارة حتى يوقن بالحدث وإن شك في الحدث وهو في الصلاة، لم ينصرف حتى يستيقن الحدث، لحديث عبد الله بن زيد قال: «شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يُخيَّل إليه الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٢).
قال البغوي في «شرح السنة» (١/ ٣٥٣): «معناه: حتى يتيقَّن الحدث، لأن سماع الصوت أو وجود الريح شرط» اهـ.
وجوب الوضوء لأجل الصلاة لا غير:
يجب الوضوء لمن أراد الصلاة -وهو مُحدث- سواء كانت فرضًا أو نفلًا أو جنازة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا ﴾ (٣) الآية، وقوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (٤).
ولا يجب الوضوء لغير الصلاة، ولا يحرم على المحدث شيء غير الصلاة، وإنما يستحب عند أمور تأتي.
وأما الطواف بالكعبة:
فلم نقف على دليل صحيح صريح يُلزم الطائفين بالوضوء، وقد كانت أعداد من المسلمين لا يحصيهم إلا الله ﷿ يطوفون على عهد رسول الله ﷺ ولم يرد لنا أنه ﷺ أمر أحدًا منهم بالوضوء لطوافه مع احتمال انتقاض وضوء كثير منهم أثناء الطواف، ودخول كثير منهم الطواف بلا وضوء، وخاصة في تلك الأيام
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١٦٢)، والترمذي (٩٩٣)، وابن ماجه (١٤٦٣)، وأحمد (٢/ ٤٣٣)، وحسنه الترمذي وابن حجر والألباني في «الإرواء» (١/ ١٧٤) لكن الظاهر أنه يحتاج إلى تتبع!! فقد أعِلَّ.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٤) وغيره.
(٤) «جامع أحكام النساء» لشيخنا، حفظه الله (٢/ ٥١٥).
[ ١ / ١٤٣ ]
التي يشتد فيها الزحام كطواف القدوم والإفاضة، فلما لم يرد دليل على إيجاب الوضوء للطواف، وليس هناك إجماع من أهل العلم على الوجوب مع الاحتياج إلى ذلك، دلَّ على عدم الوجوب» اهـ (١).
وقد استدل العلماء على إيجاب الوضوء للطواف بحديث ابن عباس مرفوعًا: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام » (٢) قالوا: إذا كان الطواف صلاة فيجب له الوضوء كالصلاة، لكن هذا مردود بأمرين:
الأول: أن الحديث لا يصح مرفوعًا، والصواب أنه موقوف من كلام ابن عباس كما رجَّحه الترمذي والبيهقي وابن تيمية وابن حجر وغيرهم.
الثاني: على فرض صحته، فلا يلزم منه أن الطواف يشبه الصلاة في كل شيء حتى يشترط له ما يشترط للصلاة (٣)، ثم إن الصلاة الشرعية التي يشترط لها الطهارة ونحوها ما كان تحريمها التكبير وتحليلها التسليم.
ولذا قال شيخ الإسلام: «وتبين لي أن طهارة الحدث لا تشترط في الطواف ولا تجب فيه بلا ريب، ولكن تستحب فيه الطهارة الصغرى [أي: الوضوء] فإن الأدلة الشرعية إنما تدل على عدم وجوبها فيه، وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة الصغرى فيه » اهـ (٤) وإلى هذا ذهب أبو محمد بن حزم (٥).
وأما مس المصحف:
فقد ذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء إلى أنه لا يجوز للمُحدِث أن يمسَّ المصحف (٦)، وغاية ما استدلوا به أمران:
١ - قوله تعالى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧).
_________________
(١) موقوف: أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وغيرهم، ولا يصح مرفوعًا، وإنما الصواب وقفه كما بينه شيخنا -رفع الله قدره- في «جامع أحكام النساء» (٢/ ٥١٥ - ٥٢١) خلافًا للعلامة الألباني -﵀- الذي صحح رفعه في «الإرواء» (١/ ١٥٦).
(٢) انظر «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٩٨)، و«جامع أحكام النساء» (٢/ ٥٢٢) ففيه أحد عشر فرقًا بين الصلاة والطواف.
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٩٨).
(٤) «المحلى» (٧/ ١٧٩).
(٥) «المجموع» (١/ ١٧)، و«الاستذكار» (٨/ ١٠)، و«المغنى» (١/ ١٤٧)، و«الأوسط» (٢/ ١٠٢).
(٦) سورة الواقعة، الآية: ٧٩.
(٧) ضعيف: له أسانيد ضعيفة وبعضها صحيفة لا سند لها، وقد اختلف في ترقيتها بمجموعها إلى الحسن، فصححه الألباني في «الإرواء» (١/ ١٥٨) والأظهر أنه لا يرتقى فالله أعلم.
[ ١ / ١٤٤ ]
٢ - حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا وفيه: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر» (١).
قلت: ويُجاب عما استدلوا به بما يلي:
١ - أما الآية الكريمة فلا يتم الاستدلال بها إلا بعد جعل الضمير في (يمسهُّ) راجعًا إلى القرآن، والظاهر الذي عليه أكثر المفسِّرين أنه عائد على الكتاب المكنون الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ، والمطهرون: هم الملائكة، ويُشعر بهذا سياق الآيات الكريمة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢). ويتأيد هذا بقوله تعالى ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٣).
٢ - وأما الحديث فضعيف لا يصلح للاحتجاج، لأنه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إسناده خلاف شديد.
وعلى فرض صحته، وأن الضمير في الآية عائد على القرآن، فنقول:
«الطاهر» من المشتركات اللفظية، فيطلق على المؤمن، وعلى الطاهر من الحدث الأكبر، وعلى الطاهر من الحدث الأصغر، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، فرجعت المسألة إلى المقرر في الأصول:
فمن أجاز حمل المشترك اللفظي على جميع معانيه، حمله عليها هنا، لن لما كان إطلاق اسم النجس على المؤمن المُحدِث أو الجنب لا يصح لا حقيقة ولا مجازًا ولا لغة لقوله ﷺ: «المؤمن لا ينجس» (٤) وثبت أن المؤمن طاهر دائمًا، امتنع أن يتناوله الآية والحديث، فيتعين حمل اللفظ على من ليس بمشترك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٥). ولحديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو.
_________________
(١) سورة الواقعة، الآيات: ٧٧ - ٧٩.
(٢) سورة عبس، الآيات: ١٣ - ١٦.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٢٧٩)، ومسلم (٣٧١).
(٤) سورة التوبة، الآية: ٢٨.
(٥) مستفاد من «نيل الأوطار» (١/ ٢٦٠ - دار الحديث).
[ ١ / ١٤٥ ]
ومن قال: المشترك مجمل فيها فلا يعمل به حتى يُبيَّن، قال: لا حجة في الآية أو الحديث حتى ولو صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثًا أكبر أو أصغر (١).
فعلم أنه لا دليل على إيجاب الوضوء لمسِّ المصحف، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وابن حزم وبه قال ابن عباس وجماعة من السلف واختاره ابن المنذر (٢)، والله أعلم.
فائدة: قراءة القرآن -من غير مسٍّ- للمحدث: سواء الحدث الأصغر أو الأكبر فلا بأس بها -في أظهر أقوال العلماء- والأمر فيها أيسر من الأمر في مسِّ المصحف لأمور:
١ - لا يصح شيء مرفوع عن النبي ﷺ في المنع من القراءة، وكل ما ورد ضعيف لا تقوم به حجة، كحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن»، وحديث ابن رواحة: «نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحد منا القرآن وهو جنب»، وحديث عبد الله بن مالك: «إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل» فكلها لا تصح (٣).
٢ - ثبت عن عائشة «أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه» (٤).
٣ - أنه ﷺ أمر الحُيَّض بالخروج يوم العيد «فيكُنَّ خلف الناس فيكبرون بتكبيرهم ويدعون بدعائهم » (٥) ففيه أن الحائض تكبر وتذكر الله تعالى.
٤ - وقال ﷺ لعائشة وهي حائض: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (٦) ومعلوم أن الحاج يذكر الله ويقرأ القرآن.
_________________
(١) «البدائع» (١/ ٣٣)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ١٧٣)، و«المحلى» (١/ ٨١)، و«الأوسط» (٢/ ١٠٣).
(٢) انظرها في «الإرواء» (١٩٢، ٤٨٥) للعلامة الألباني وتعليق الشيخ مشهور على «الخلافيات» للبيهقي (٢/ ١١) فليراجع.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٣٧٣)، وعلقه البخاري قبل الحديث (٦٠٨).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٩٧١)، ومسلم (٨٩٠).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (١٦٥٠).
(٦) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٥٩)، و«الأوسط» (٢/ ٩٧).
[ ١ / ١٤٦ ]
فعلم أنه لا يُمنع المحدث من قراءة القرآن، قال شيخ الإسلام: وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد. اهـ (١).
ما يستحب له الوضوء:
١ - عند ذكر الله ﷿: ويدخل فيه مطلق الذكر وقراءة القرآن والطواف بالكعبة وغيرها.
ويستحب الوضوء لذلك، لحديث المهاجر بن قنفذ: «أنه سلَّم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى توضأ، فرد عليه، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة» (٢).
وإن كان هذا ليس بلازم لحديث عائشة عند مسلم (٤/ ٦٨): «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه».
٢ - عند النوم:
فعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك » الحديث (٣).
٣ - للجنب إذا أراد الأكل أو الشرب أو النوم أو معاودة الجماع:
فعن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة» (٤).
وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (١٧)، والنسائي (١/ ١٦)، وابن ماجه (٣٥٠)، والدارمي (٢/ ٢٨٧)، وأحمد ٠٥/ ٨٠)، وهو صحيح كما في «السلسلة الصحيحة» (٨٣٤).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠) وغيرهما.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٢٨٨)، ومسلم (٣٠٥) واللفظ له، وأبو داود (٢٢٢)، والترمذي (١١٨)، والنسائي (١/ ١٣٨) وغيرهم.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٣/ ٢١٧)، وأبو داود (٢١٧)، والترمذي (١٤١)، والنسائي (١/ ٤٢).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦) وغيرهما.
[ ١ / ١٤٧ ]
٤ - الوضوء قبل الاغتسال:
فعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة» (١).
٥ - الوضوء بعد الأكل مما مسته النار (المطبوخ على النار):
لقول النبي ﷺ: «توضأوا مما مست النار» (٢) والأمر هنا للاستحباب لحديث عمرو بن أمية الضمري قال: «رأيت النبي ﷺ يحتز من كتف شاة، فأكل منها، فدعى إلى الصلاة، فقام وطرح السكين وصلى ولم يتوضأ» (٣).
٦ - تجديد الوضوء لكل صلاة:
لحديث بريدة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد » الحديث (٤).
٧ - الوضوء كلما حدث ناقض:
لما تقدم من حديث بلال أن النبي ﷺ سمع خشخشته [صوت نعليه] أمامه في الجنة، فقال: «بم سبقتني إليها؟» قال: يا رسول الله، ما أذنت قط إلا صليت ركعتين ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عنده، فقال ﷺ: «لهذا» (٥).
٨ - الوضوء من القيء:
لحديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ»، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه (٦).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٣٥١)، وأبو داود (١٩٢)، والترمذي (٧٩)، والنسائي (١/ ١٠٥)، وابن ماجه (٤٨٥).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١/ ٥٠)، ومسلم (٤/ ٤٥ نووي)، وابن ماجه (٤٩٠).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٧٧)، وأبو داود (١٧١)، والترمذي (٦١)، والنسائي (١/ ٨٩)، وابن ماجه (٥١٠).
(٤) إسناده صحيح. أخرجه بذكر الوضوء عند الحدث: الترمذي (٣٦٨٩)، وأبو داو (٣٠٥٥)، وأحمد (٢١٩٦٢) واللفظ له، وأصله في الصحيحين دون موضع الشاهد.
(٥) صحيح: أخرجه الترمذي (٨٧)، وأبو داود (٢٣٨١) بسند صحيح.
(٦) «نيل الأوطار» (١/ ٢٤١).
[ ١ / ١٤٨ ]