اختلف العلماء في حكم الخمر على قولين:
الأول: أنها نجسة: وهو مذهب جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة واختاره شيخ الإسلام، وحجتهم:
_________________
(١) متفق عليه. البخاري (٢٣٠)، ومسلم (٢٨٩).
(٢) صحيح: مسلم (٢٨٨).
(٣) صحيح: مسلم (٢٨٨).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦٠٥).
(٥) شرح مسلم.
(٦) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦٠٤).
[ ١ / ٧٥ ]
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
قالوا: الرجس هو النجس، فحكموا بنجاسة عين الخمر نجاسة حسية.
القول الثاني: أنها طاهرة: وبه قال ربيعة والليث والمزني وغيرهم من السلف، ورجَّحه الشوكاني والصنعاني وأحمد شاكر والألباني -﵏- وهو الراجح، لما يأتي:
[١] أنه ليس في الآية دلالة على نجاسة الخمر، وذلك من أوجه:
(أ) أن لفظة (رجس) من المشتركات اللفظية، فهي تحتمل معان كثيرة (٢)، منها: القذر، المحرم، القبيح، العذاب، اللعنة، الكفر، الشر، الإثم، والنجس وغيرها.
(ب) أننا لم نقف على قول لأحد من السلف فسَّر الرجس في هذه الآية بالنجس بل قال ابن عباس: (الرجس: السخط) وقال ابن زيد: (الرجس: الشر).
(جـ) أن لفظة (رجس) قد وردت في كتاب الله -في غير هذه الآية- في ثلاثة مواضع وليس في واحد منها (الرجس) بمعنى النجس: فالرجس في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). معناه: العذاب وفي قوله في شأن المنافقين: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (٤). المراد: علمهم رجس أي قبيح.
وفي قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ (٥). سمى الأوثان رجسًا لأنها سبب الرجز والعذاب، وليس المراد بها النجاسة الحسية، فإن عين الحجارة والأوثان ليست بنجسة، وفي قوله ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ محتمل
(د) لما وقع الخمر في الآية مقترنًا بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إلى غير النجاسة الشرعية، وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٦). لما جاءت الأدلة الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٠.
(٢) انظر «النهاية» لابن الأثير، و«لسان العرب»، و«مختار الصحاح»، والتفاسير.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٩٥.
(٥) سورة الحج، الآية: ٣٠.
(٦) سورة التوبة، الآية: ٢٨.
[ ١ / ٧٦ ]
(و) أن تحريم الخمر لا يستلزم نجاستها، أما النجاسة فإنه يلازمها التحريم فإنه يحرُم لبس الحرير والذهب وهما طاهران ضرورة شرعًا وإجماعًا.
(هـ) أن (الرجس) في الآية مقيد بكونه (من عمل الشيطان) فهو رجس عملي بمعنى قبيح أو محرم أو إثم، وليس رجسًا عينيًا تكون به هذه الأشياء نجسة.
[٢] ومما يستدل به على طهارة الخمر: حديث أنس في قصة تحريم الخمر، وفيه « فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فخرجت فأهرقتها فجرت في سكك المدينة» (١).
[٣] وفي حديث الرجل الذي كان معه مزادتان فيهما خمر: « فقال النبي ﷺ: «إن الله الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح [الرجل] المزادتين حتى ذهب ما فيهما » (٢).
فلو كانت الخمر نجسة لأمر النبي ﷺ بصب الماء على الأرض لتطهيرها كما أمر بالصب على بول الأعرابي، ولأمرهم بالاحتراز منها.
ولو كانت نجسة لأمر صاحب المزادتين بغسلهما.
[٤] أن الأصل الطهارة، ولا ينقل عنها إلا ناقل صحيح، ولم يقم الدليل على النجاسة فتبقى على الأصل. والله أعلم.