قد تقدم مرارًا أن الأصل في جميع الأشياء: الطهارة، وأنه لا ينقل عن ذلك الأصل إلا بناقل صحيح للاحتجاج به، غير معارض بما يرجح عليه أو يساويه، فإن وجدنا ذلك فبها ونعمت، وإن لم نجد ذلك وجب علينا الوقوف في موقف المنع لمدعي النجاسة، لأن هذه الدعوى تفيد أن الله تعالى قد أوجب على عباده غسل هذه الأعيان، التي يزعم أنها نجسة وأن وجودها يمنع الصلاة بها، فما الدليل على ذلك؟!
والقيء ونحوه من هذا القبيل فلم يصح فيه ما ينقله عن الطهارة الأصلية، وقد ورد فيه حديث عمار: «إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني» لكنه ضعيف لا يحتج به. والله أعلم.
وقد ثبت عن أبي الدرداء «أن النبي ﷺ قاء فأفطر فتوضأ» (١).
وليس في هذا الحديث دلالة على نجاسة القيء، وليس فيه دليل على وجوب الوضوء منه، ولا يدل على نقض الوضوء به، وإنما غايته مشروعية الوضوء من القيء، لأن مجرد فعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٨٧)، وأحمد (٦/ ٤٤٣) وغيرهم.
[ ١ / ٨١ ]
هذا على أنه ليس كل ما ينقض الوضوء يُعدَّ نجسًا، وإلى هذا ذهب ابن حزم واختاره شيخ الإسلام في الفتاوى.
ما حكم الإفرازات التي تخرج من فرج المرأة وما يسمى برطوبة فرج المرأة؟
للعلماء في رطوبة فرج المرأة مذهبان (١):
الأول: أنه نجس: لأنه في الفرج لا يخلق منه الولد، أشبه المذي، واستدلوا، بحديث زيد بن خالد أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: «يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره» قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ الحديث (٢).
وحديث أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم يُنزل؟
قال: «يغسل ما مسَّ المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي» (٣).
قالوا: فأمر النبي ﷺ بغسل ما أصيب من فرج المرأة دليل على نجاسة رطوبة الفرج.
واعترض: بأن الحديثين منسوخان (٤) بأحاديث الأمر بالغُسل كما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وبأنه يحتمل أن يكون الأمر بالغسل من أجل المذي الذي يخرج منه أو منها.
واستدلوا كذلك على نجاسته بكونه خارجًا من أحد السبيلين، والقاعدة: «أن ما خرج من السبيلين فهو نجس عدا المني».
القول الثاني: أن إفرازات الفرج طاهرة (٥): ويستدل لهذا المذهب بما يلي:
١ - أن عائشة ﵂ كانت تفرك المني من ثوب النبي ﷺ وهو من جماع فإنه
_________________
(١) المغنى (٢/ ٨٨)، والمجموع (١/ ٥٧٠).
(٢) صحيح الإسناد: أخرجه البخاري (٢٩٢)، ومسلم (٣٤٧) وهو منسوخ.
(٣) صحيح الإسناد: أخرجه البخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦) وهو منسوخ.
(٤) انظر «فتح الباري» (١/ ٤٧٣).
(٥) انظر «جامع أحكام النساء» (١/ ٦٨) لشيخنا مصطفى بن العدوي حفظه الله.
[ ١ / ٨٢ ]
ما احتلم نبي قط (١)، وهو يلاقي رطوبة الفرج، ولأننا لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها، لأنه يخرج من فرجها فيتنجس برطوبته.
٢ - أن هذه الإفرازات أمر لا يخفى، وهي كثيرة في النساء، ولا شك أنه كان موجودًا في النساء في عهد النبي ﷺ كنساء زماننا، ولم يرد أن النبي ﷺ أمرهن بالغسل منه أو الوضوء منه.
٣ - أن مخرج هذه الإفرازات غير مخرج البول النجس.
٤ - أن قول الفقهاء (كل ما خرج من السبيلين نجس، عدا المني) فهذا ليس قولًا عن المعصوم ﷺ ولم ينعقد عليه إجماع الأمة، بل قد ورد أن بعض ما يخرج من السبيلين لا ينقض الوضوء كدم الاستحاضة على ما سيأتي في موضعه، إن شاء الله.
قلت: والذي يترجح عندي التفصيل: فإن كانت هذه الإفرازات تخرج من المرأة عند ملاعبة الزوج أو إرادة الجماع ونحوه خاصة، فهذا هو المذي، وقد عرفت أنه نجس يجب غسله، وأنه ناقض للوضوء.
وأما إذا كانت هذه الإفرازات تخرج من فرج المرأة في غالب الأوقات، وتزداد أثناء الحمل، وعند بذل المجهود أو المشي الكثير، فهذه طاهرة على الأصل لعدم الدليل على نجاستها، والله أعلم.
ما يعفى عنه من النجاسات:
تعدد أقوال الفقهاء في نوع وقدر النجاسة التي قد تصيب الثوب أو المكان أو البدن ويكون معفوًّا عنها (٢).
إلا أن الضابط لما يُعفى عنه من النجاسات هو الضرورة أو عموم البلوى مع تعذُّر الاحتراك منها، وحصول الحرج والمشقة في إزالتها.
كيفيات التطهير لأنواع النجاسات التي ورد النص ببيانها:
أ- تطهير الثوب من دم الحيض: يكون بفرجه وقشره، ثم دلكه بأطراف الأصابع ليتحلل ويخرج، ثم تغسله بالماء، لحديث أسماء بنت أبي بكر قالت:
_________________
(١) كذا قال في «المغنى» (٢/ ٨٨) وقال شيخنا: هذا يحتاج إلى نص من الكتاب أو السنة، ولم نقف على نص في مثل هذا.
(٢) «الفقه الإسلامي وأدلته» (١٦٩ - ١٧٧).
[ ١ / ٨٣ ]
جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اله، إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع؟
فقال: «تَحُتُّهُ، ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه، ثم تصلي فيه» (١).
ولحديث عائشة قالت: «كانت إحدانا تحيض، ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه» (٢).
وإذا أرادت المرأة أن تستخدم عودًا أو غيره لتزيل الدم به، أو أن تغسله بالماء والصابون ونحوه من المنظفات فهو أحسن:
لحديث أم قيس بنت محصن قالت: سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب، قال: «حُكِّيه بِضِلَع، واغسليه بماء وسدر» (٣).
٢ - تطهير الثوب من بول الرضيع: قال النبي ﷺ: «يُغسل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام» (٤).
٣ - تطهير الثوب من المذي: لما كان المذي مما يكثر حدوثه، وتعم به البلوى، جاء التخفيف في تطهيره من الشارع، فيكفي أن يرش الثوب بالماء في مكان المذي، لحديث سهل بن حنيف أنه كان يلقى من المذي شدة وعناءً، فقال للنبي ﷺ: كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه» (٥).
٤ - تطهير ذيل ثوب المرأة: إذا تنجَّس ذيل ثوب المرأة، فإنه يطهر بملامسته للأرض الطاهرة، فقد سألت امرأة أمَّ سلمة زوج النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت أم سلمة: قال النبي ﷺ: «يطهره ما بعده» (٦).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري، ومسلم (٢٩١).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٣٠٨)، وابن ماجه (٦٣٠).
(٣) حسن: أخرجه أبو داود (٣٦٣)، والنسائي (١/ ١٩٥)، وابن ماجه (٦٢٨).
(٤) صحيح لغيره: أخرجه أبو داود (٣٧٦)، والنسائي (١/ ١٥٨)، وابن ماجه (٥٢٦) وله شواهد.
(٥) حسن: أخرجه أبو داود (٢١٠)، والترمذي، وابن ماجه (٥٠٦).
(٦) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٣)، والترمذي (١٤٣)، وابن ماجه (٥٣١).
[ ١ / ٨٤ ]
٥ - تطهير أسفل النعل:
عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما، فإن رأى خبثًا فلمسحه بالأرض، ثم ليصلِّ فيهما» (١).
٦ - تطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب:
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (٢).
٧ - تطهير جلد الميتة بالدباغ:
لقول النبي ﷺ: «إذا دُبغ الإهاب فقد طَهُر» (٣).
٨ - تطهير الأرض من البول ونحوه: يكون بالصب عليه، كما أمر النبي ﷺ بإراقة الماء على بول الأعرابي في المسجد (٤)، وإنما أمر بذلك استعجالًا للنظافة، وإلا فلو ترك حتى جف وذهب أثر النجاسة طهرت.
٩ - تطهير البئر أو السمن إذا وقعت فيها نجاسة: ويكون بنزح وإزالة النجس وما حوله ويبقى سائره طاهرًا، لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن؟ فقال: «ألقوها، وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم» (٥).
هل يتعيَّن الماء لإزالة النجاسة؟ أم يجوز إزالتها بغيره من المائعات وغيرها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين مشهورين:
الأول: يشترط الماء لإزالة النجاسة، ولا تصح بغيره إلا بدليل:
وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد، وهو مذهب الشافعي في الجديد، وانتصر له الشوكاني ومن تبعه (٦)، وحجتهم:
١ - قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ (٧). وغيره من الأدلة الدالة على طهورية الماء.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٦٤٦).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٧٩)، وأبو داود (٧١).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم وغيره.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٢١٩)، ومسلم (٢٨٤).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (الذبائح - باب ٣٤).
(٦) بداية المجتهد (١/ ٩٩)، والأم (١/ ٤٩)، والسيل الجرار (١/ ٤٩).
(٧) سورة الأنفال، الآية: ١١.
[ ١ / ٨٥ ]
٢ - أمر النبي ﷺ بصب الماء على بول الأعرابي (١).
قالوا: والأمر للوجوب فلا يجزئ في إزالة النجاسة غير الماء!!
٣ - أمر النبي ﷺ - كما في حديث أبي ثعلبة - بغسل آنية أهل الكتاب بالماء (٢).
٤ - قال الشوكاني: «الماء هو الأصل في تطهير النجاسات لوصف الشارع له [بكونه] طهورًا، فلا يعدل إلى غيره إلا إذا ثبت ذلك عن الشارع، وإلا فلا، لأنه عدول عن المعلوم كونه طهورًا إلى ما لا يعلم كونه طهورًا، وذلك خروج عما تقتضيه المسالك الشرعية» اهـ.
الثاني: يجزئ التطهير بكل ما يزيل النجاسة ولا يشترط الماء:
وهذا مذهب أبي حنيفة، والرواية الأخرى عن مالك وأحمد، والقول القديم للشافعي، وابن حزم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا العلامة ابن عثيمين (٣)، وهو الراجح لما يأتي:
١ - أن كون الماء طهور (طاهرًا ومطهرًا) لا يمنع من كون غيره مطهرًا كذلك، فإن القاعدة (أن عدم السبب المعين لا يقتضي انتفاء المسبب المعين، سواء كان دليلًا أو غير دليل) لأن المؤثر قد يكون شيئًا آخر، وهذا هو الواقع في النجاسة (٤).
قلت: بل بعض المائعات كالخل والمطهرات الصناعية تزيل النجاسة كالماء وأبلغ منه.
٢ - أن الشارع أمر بإزالة النجاسة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرًا عامًا بأن تزال كل نجاسة بالماء.
٣ - أن الشرع قد أذن في إزالة بعض النجاسات بغير الماء: كالاستجمار بالحجارة، ودلك النعلين بالتراب، وتطهير ذيل الثوب بالأرض، وغير ذلك مما تقدم.
٤ - أن إزالة النجاسة ليست من باب المأمور، بل من باب اجتناب المحظور، فإذا حصل بأي سبب ثبت الحكم، ولذلك لا يشترط لإزالة النجاسة نية، ولكن إن
_________________
(١) متفق عليه: وقد تقدم قريبًا.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥١٧٠)، ومسلم (١٩٣٠).
(٣) البدائع (١/ ٨٣)، وفتح القدير (١/ ٢٠٠)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٥)، والمحلى (١/ ٩٢ - ٩٤)، والشرح الممتع (١/ ٣٦١ - ٣٦٣).
(٤) الشرح الممتع (١/ ٣٦٢).
[ ١ / ٨٦ ]
زالت بفعل العبد ونيته أثيب على ذلك، وإلا إذا عدمت بغير فعله ولا نيته زالت المفسدة، ولم يكن له ثواب ولم يكن عليه عقاب.
ويؤيد هذا أن الخمر المنقلبة خلًاّ بنفسها تطهر -عند القائلين بالنجاسة- باتفاق المسلمين.
قلت: فالراجح أن النجاسة إذا زالت بأي شيء زال بذلك حكمها وصارت طاهرة.
وهنا فوائد:
١ - فائدة هذه المسألة أن من كان على ثوبه أو بدنه نجاسة فاستعمل شيئًا من المنظفات الطاهرة -غير الماء- لإزالتها، فإنه يجزئه ولا يلزم أن يغسله بالماء.
٢ - لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة، لما في ذلك من فساد الأموال (١).
٣ - أن ما يحصل به الطهارة بغير الماء من المائعات وغيرها إنما هو في النجاسات الحقيقية التي تكون على الثوب أو البدن أو المكان، أما التطهير الحكمي (طهارة الحدث) كالوضوء والغسل ونحوه فلا يجزئ فيه غير الماء.