الدم على أقسام:
١ - دم الحيض: وهو نجس باتفاق العلماء، وقد تقدم الدليل على نجاسته.
٢ - دم الإنسان (٣): وهو مختلف فيه، فالمشهور عند أصحاب المذاهب الفقهية أن الدم نجس، وليس عندهم حجة، إلا أنه محرم بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٤). فاستلزموا من التحريم النجاسة - كما فعلوا في الخمر - ولا
_________________
(١) صحيح: البخاري (٢٣٣٢)، ومسلم (١٩٨٠).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٢٠٦)، ومالك (١٥٤٣).
(٣) تفسير القرطبي (٢/ ٢٢١)، والمجموع (٢/ ٥١١)، والمحلى (١/ ١٠٢)، والكافي (١/ ١١٠)، وبداية المجتهد، والسيل الجرار (١/ ٣١)، والشرح الممتع (١/ ٣٧٦)، والسلسلة الصحيحة، وتمام المنة (ص ٥٠).
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٤٥.
[ ١ / ٧٧ ]
يخفى ما فيه، لكن نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على نجاسته، وسيأتي الكلام في ذلك.
بينما ذهب جماعة من المتأخرين منهم الشوكاني وصديق خان والألباني وابن عثيمين -﵏- إلى القول بطهارته لعدم ثبوت الإجماع عندهم، واستدلوا كذلك بما يأتي:
١ - أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم الليل على النجاسة، ولا نعمل أن النبي ﷺ أمر بغسل دمْ غير دم الحيض، مع كثرة ما يصيب الإنسان من جروح ونحوها، فلو كان الدم نجسًا لبينه ﷺ لدعاء الحاجة إلى ذلك.
٢ - أن المسلمين ما زالوا يصلون في جراحاتهم، وقد يسيل منهم الدم الكثير، الذي ليس محلًاّ للعفو، ولم يرد عنه ﷺ الأمر بغسله، ولم يرد أنهم كانوا يتحرزون عنه تحرزًا شديدًا:
- قال الحسن: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم» (١).
وفي حديث الصحابي الأنصاري «الذي قام يصلي في الليل، فرماه المشرك بسهم، فوضعه، فنزعه، حتى رماه بثلاثة أسهم ثم ركع وسجد ومضى في صلاته وهو يموج دمًا» (٢).
قال الألباني (٣) -﵀ -: وهو في حكم المرفوع، لأنه يُستبعد عادة أن لا يطَّلع النبي ﷺ على ذلك، فلو كان الدم الكثير ناقضًا لبينه ﷺ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم من علم الأصول، وعلى فرض أن النبي ﷺ خفى ذلك عليه، فما هو بخاف على الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فلو كان ناقضًا أو نجسًا لأوحى بذلك إلى نبيه ﷺ كما هو ظاهر لا يخفى على أحد. اهـ.
وفي حديث مقتل عمر بن الخطاب ﵁: «صلى عمر وجُرحه يثعب دمًا» (٤).
أي: يجري دمًا.
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه البخاري معلقًا (١/ ٣٣٦) ووصله ابن أبي شيبة بسند صحيح كما في الفتح (١/ ٣٣٧).
(٢) صحيح: علقه البخاري (١/ ٣٣٦) ووصله أحمد وغيره وهو صحيح.
(٣) «تمام المنة» (٥١، ٥٢).
(٤) صحيح: أخرجه مالك (٨٢) وعنه البيهقي (١/ ٣٥٧) وغيره بسند صحيح.
[ ١ / ٧٨ ]
٣ - لحديث عائشة -في قصة موت سعد بن معاذ- قالت: «لما أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق رماه رجل في الأكحل، فضرب له رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب فبينما هو ذات ليلة إذ تفجر كَلْمُه فسال الدم من جرحه حتى دخل خباء إلى جنبه، فقالوا: يا أهل الخباء ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فنظروا، فإذا سعد قد انفجر كَلْمُه والدم له هدير فمات» (١).
قلت: ولم يرد أن النبي ﷺ أمر بصب الماء عليه لا سيما وهو في المسجد كما أمر بالصب على بول الأعرابي.
٤ - أن ابن رشد لما ذكر اختلاف العلماء في دم السمك، ذكر أن السبب في اختلافهم هو اختلافهم في ميتته، فمن جعل ميتته داخلة تحت عموم التحريم جعل دمه كذلك ومن أخرج ميتته أخرج دمه قياسًا على الميتة.
ونقول: هم يقولون بطهارة ميتة الآدمي، فكذلك دمه على قاعدتهم.
ولذا قال ابن رشد عقبه: «والنص إنما دلَّ على نجاسة دم الحيض، وما سوى ذلك فهو على الأصل المتفق عليه بين المتنازعين، وهو الطهارة، فلا يخرج منه إلا بنص تقوم به الحجة» اهـ.
فإن قيل: ألا يقاس على دم الحيض، ودم الحيض نجس؟
قلنا: هذا قياس مع الفارق:
فإن دم الحيض دم طبيعة وجبلة النساء، قال ﷺ: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» (٢) وقال في الاستحاضة: «إنه دم عرق» (٣).
ثم إن دم الحيض دم غليظ منتن له رائحة مستكرهة، فأشبه البول والغائط، لا الدم الخارج من غير السبيلين.
٣ - دم الحيوان مأكول اللحم: والقول فيه كالقول في دم الآدمي من جهة عدم الدليل على النجاسة، فتستصحب البراءة الأصلية.
ويؤيد القول بطهارته أيضًا:
حديث ابن مسعود قال: «كان النبي ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٣١٠٠) مختصرًا، والطبراني في «الكبير» (٦/ ٧).
(٢) صحيح: البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١).
(٣) صحيح: البخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٣).
[ ١ / ٧٩ ]
وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد، فيضعه على كتفيه، فانبعث أشقاهم، فملا سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه وثبت النبي ﷺ ساجدًا فضحكوا الحديث» (١).
فلو كان دم الجزور نجسًا لألقى النبي ﷺ ثوبه، أو خرج من صلاته.
وقد صح «أن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم جزور نحرها ولم يتوضأ» (٢).
وإن كان هذا الأثر قد يُنازع في الاستدلال على طهارة دم الحيوان، لأن ابن مسعود لم يكن يرى طهارة البدن والثوب شرطًا لصحة الصلاة، ويرى أنها مستحبة.
قلت: لو ثبت الإجماع على نجاسة الدم لم نلتفت إلى أدلة المتأخرين، وإن لم يثبت فالأصل الطهارة ولسنا بحاجة إلى هذه الأدلة، والذي ظهر لي -بعد اختياري للقول بالطهارة على مدى عشر سنوات- أن الإجماع في المسألة ثابت، قد نقله غير واحد من أهل العلم ولم يثبت ما ينقضه، وأعلى هذه النقولات ما نقل عن الإمام أحمد ثم ما نقله ابن حزم - خلافًا لمن ظن أن مذهبه القول بالطهارة!! - ومما وقفته من ذلك:
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ٢٤٠):
سئل أحمد: الدم والقيح عندك سواء؟ قال: لا، الدم لم يختلف الناس فيه.
وقال مرة: القيح والصديد والمدة عندي أسهل من الدم. اهـ.
وقد نقل ابن حزم في مراتب الإجماع: اتفاق العلماء على نجاسة الدم.
وكذا نقل -هذا الاتفاق - الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٠).
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٣٠):
وحكم كل دم كدم الحيض إلا أن قليل الدم متجاوز عنه لشرط الله ﷿ في نجاسة الدم أن يكون مسفوحًا فحينئذ هو رجس والرجس نجاسة وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس. اهـ.
وقال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٧٩):
_________________
(١) صحيح: البخاري (٢٤٠)، وسملم (١٧٩٤).
(٢) إسناده صحيح: مصنف عبد الرزاق (١/ ٢٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٢).
[ ١ / ٨٠ ]
اتفق العلماء عل أن الدم حرام نجس لما يؤكل ولا ينتفع به، وقد عينه الله تعالى هاهنا مطلقًا، وعينه في سورة الأنعام مقيدًا بالمسفوح، وحمل العلماء هاهنا المطلق على المقيد إجماعًا. اهـ.
وقال النووي في المجموع (٢/ ٥٧٦):
والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف. اهـ.
قلت (أبو مالك): الذي يترجح لدى أن الدم نجس لثبوت الإجماع حتى ينقل عن إمام يتقدم على أحمد -﵀- القول بالطهارة، والله أعلم.